Sunday, July 23, 2017

فضائيّ : رعب الصورة، ورعب الفكرة

عادت سلسلة أفلام "فضائيّ" Alien إلى قاعات السينما، بجزء جديد يحمل عنوان Alien : Covenant كتكملة للفيلم السابق بروميثيوس Prometheus (سنة 2012) وكحلقة وصل بين أحداث الجزء الأوّل والأحداث التي عرفناها في الفيلم الأصليّ لسنة 1979.


لقد عادت السلسلة منذ 2012 إلى مخرجها الأوّل ريدلي سكوتّ Ridley Scott الذي ارتبطت به وارتبط بها، رغم تعاقب مخرجين كبار على أجزائها الأربعة التالية. إذ قدّم جيمس كامرون الجزء الثاني Aliens سنة 1986، وأخرج دايفد فينشر الجزء الثالث Alien3 سنة 1992 وأشرف صاحب تحفة Amélie الفرنسيُّ Jean-Pierre Jeunet على الجزء الرابع Alien Resurrection سنة 1997، فكان كلّ جزء أضعف من سابقه وأقلّ ثراءً وإثارة للجدل. وربّما ظُنّ أنّ ردلي سكوتّ يملك سرّ وصفة الرّعب المطلوبة للكائن الفضائيّ الذي عُرف بإسم زينومورف Xenomorph، فتمّ الاستنجاد به (بسكوتّ لا بزينومورف!) لإنجاز الثلاثية الجديدة التي بدأت مع فيلم بروميثيوس Prometheus.


لقد كانت الانتظارات كبيرة في ما يخصّ بروميثيوس ولكنّنا منينا بخيبة أمل تجعلنا لا نرجو الكثير من الجزء الثاني Covenant. وتجعلنا أيضا نتساءل: ما الذي جعل Alien الأوّل أيقونة سينمائيّة بلا نظير في عالم الخيال العلمي؟ ولماذا فشلت المحاولات اللاحقة لاستعادة كلّ ذلك القدر من النجاح؟


تبدأ قصّةُ "فضائيّ" مع قصّة صنعه، فتعود بنا إلى بداية السبعينات حين كان الكاتب دان أوبانون Dan O'Bannon مغمورا يبحث عن انطلاقة ما، وكان المخرجُ الكبير جون كاربنتر John Carpenter طالبا يبحث عن مشروع تخرّج. أثمر لقاؤهما عن فيلم النجم المظلم Dark Star سنة 1974 وهو خيال علميّ كوميديّ تقريبا. ولأنّ أوبانون كان يرغب في الحفاظ على الفكرة مع الانتقال من الكوميديا إلى الرعب، فقد بدأت فكرة Alien تتبلور.


اِستفاد أوبانون كثيرا من تجربته مع التشيليّ أليخاندرو خودورفسكي Jodorowsky في المحاولة الفاشلة لإنجاز فيلم كثيب Dune إذ التقى آنذاك بهانس غودي جيجه H. R Giger مصمّم شخصيّة Alien فيما بعد، كما كان لقاؤه برونالد شوست Ronald Shusett لكتابة فيلم Total Recall مؤثّرا جدا، فرونالد كان شريكَه في كتابة Alien أيضا. وبعدما عرضا النصّ على المنتجين، أعيدت كتابة الفيلم بشكل كليّ. كما لم تكن شركة Fox 20th Century لتعطي الضوء الأخضر لإنتاجه لولا النجاح الكبير الذي حقّقه فيلم حرب النجوم حينئذ. لقد كان فيلم Alien النصّ الوحيد المتاح عن المركبات الفضائية!

إنّ كلّ هذه المعلومات مهمّة جدّا لقراءة فيلمٍ لا يُمكنُ إخضاعُه إلى نظرية المؤلّف الكلاسيكيّة Auteur theory، فإسهام ريدلي سكوتّ كان لاحقا لتشكّل أغلب ملامح Alien، بشكل تراكميّ جماعيّ، ولا ينبغي لقراءة الفيلم أن تتجاوز هذه الحقيقة، ليس فقط لأنّها جوهرية في عمليّة الفهم، وإنّما لأنّ الفيلم كان واعيا بها بشكل مدهش.
تتجلّى هذه الحقيقة في كل مشهد في Alien. فكثيرا ما يحيلنا إلى فكرة وفكرة مقابلة أو فكرة موازية، أو أفكار كثيرة أخرى غير مترابطة، ما يجعل محاولة توحيدها أو دمجها أمرا غير مجدٍ. لذلك ارتأيتُ أنّ  التمشّي الأفضل هو أن نزور مشاهد الفيلم الجوهريّة والتي يمثّلُ كلّ منها قسما مستقلاّ قابلا للقراءة بشكل منفصل.

المشهد الأول : الولادة
وسط الظلام الذي يغلّف الكون، ويغمر مركبة الفضاء نوسترومو Nostromo، يتّخذ مشهد الولادة لونا أبيض ساطعا، يبدّد به الظلمة، ويعلن من خلاله نهاية جمود طاقم نوسترومو الطويل.


إنّها الولادة، حيث يخرج رائد الفضاء ليواجه المستقبل والمصير حاملا لواء البشرية جمعاء. يمثّل رائد الفضاء في مدوّنة الخيال العلمي، كلّ فضائل الإنسان الحديث، إنّه الرجل الخارق الذي استطاع تجاوز السماء، بفضل علمه وأخلاقه وقوّته، وهو لذلك كلّه يكون رجلاً لا امرأة، بل إنّه يخفي كلّ صفة جنسيّة له خلف زيّه الأبيض الصّامت، كما لاحظت ذلك فيفيان صُبشاك Vivian Sobchack في دراستها عن "عذرية رائد الفضاء1" .


وما من شكّ أنّ ردلي سكوتّ وطاقمه، لا يجهلون هذه الأفكار، بل لعلّهم استندوا إليها في صنع هذا المشهد. تأمّل هذه الموسيقى الهادئة، وهذا النهوض المتدرّج الناعم من كبسولة التجميد. ثمّ هذه القطع القماشيّة التي تخفي العورات وتنشد العفّة كأنّنا أمام لوحة قروسطيّة لآدم وحوّاء.



أمّا فكرة الولادة، فتحيلنا إليها عناصر ثلاث. فأمّا الأولى ففكرة الاستيقاظ من بعد جمود طويل، كأنّ أعضاء الطاقم السبعة قد منحوا حياة جديدة. وأما الثانية، فخروجهم من كبسولات التجميد الزجاجيّة، كأنّهم صنيعة الأنابيب. لقد كان أطفال الأنابيب أحد أهمّ أحداث السبعينات، ولقد سبّب هذا السبق البيولوجيّ جدلا أخلاقيّا كبيرا انتهى عند ذلك السؤال المفزع : هل بدأ العدّ التنازليّ للتخلّي عن المرأة كحامل للحياة؟ وأمّا العنصر الثالث فهي الأمّ Mother، ذلك الكمبيوتر المركزيّ المشرف على مركبة نوسترومو، والمسؤولُ عن عمليّة الإيقاظ بعد تلقيه إشارات قادمة من كوكب قريب.


تأخذ عمليّة الولادة إذا بعدا رمزيّا يصلح منطلقا مفيدا لقراءة الفيلم. فرائد الفضاء، الذي يمثّل زبدة الحضارة الإنسانية، هو وليد التقنية التي تمثّلها الأمُّ، وهو يدُها التي ستطلقها عميقا في الفضاء لسبر أغواره واختراق أسراره.

ويمضي المشهد الموالي في ذات التوجّه وهو يقدّم للمشاهدين أعضاء الطاقم أثناء تناولهم الطعام. حيث نلحظ منذ البداية، سيطرة العنصر الرجاليّ، فهو الجنس الطبيعيُّ لرواد الفضاء. ومن ضمن الرجال الخمسة، يبرز ثلاثيّ القيادة : دالاس قائد الطاقم الأول، الذي يمثّل فضيلة القيادة، وآش Ash المسؤول العلميّ الذي يرمز إلى فضيلة العلم والمعرفة، وباركر Parker المسؤول الهندسيّ، وهو في الغالب يرمز إلى فضيلة الرّجولة. وهذا الثلاثيّ معا يرمز إلى خصال الرّائد العذريّ، وهو ما يمكن توقّعه من مركبة تُسمّى نوسترومو Nostromo (أو رَجُلُنَا). وحتى على مستوى النساء، فتبدو لامبرت Lambert بشعرها القصير ولباسها المحايد أقرب إلى الذكور، وهي بشكل ما، تمثّل الأنثويّة المقموعة (والهستيرية أيضا).
وحدها ريبلي Ripley تبدو بشعرها الطويل، وسحنة وجهها الواثقة، أقرب إلى حقيقتها الأنثوية. يمثّل القطّ Jones هذه الحقيقة، حيث يجلس هادئا بجانبها على طاولة الطعام. ما علاقة القطّ بحقيقتها الأنثوية؟ هذا سؤال لا يليق طرحه، يكفي التأمّل قليلا في معاني الكلمة بالإنجليزية…

المشهد الثاني : مطوِّق الوجه Facehugger
لئن تميّز القسم الأول من الفيلم بمشهد الولادة، فإنّ  جوهر القسم الثاني كان مشهد "مطوِّق الوجه" Facehugger. لم يكن هجوم الكائن الفضائيِّ على كاين Kane هجوما تقليديّا ولا يشبه ما ألفناه من الفضائيّين في مدوّنات الخيال العلمي، فذلك يحدث غالبا عن بعد، وباستعمال قوى خارقة تسلب إرادة المرء، أو روحه، أو تتحكّم في عقله، ولعلّها تقتله دون أن يَحدث تلامسٌ مباشر. في هذه المرّة، كان الهجومُ أشبه شيء بالافتراس. لقد تحوّل رائد الفضاء إلى طريدة لكائن فضائيّ مجهول، يتصرّف بوحشيّة الأدغال وبدائيّتها، ويحوّل قفزة الإنسان الحضاريّة الكبرى في المستقبل، إلى عودة مخيفة إلى الزمن السحيق، حينما لم يعتلِ بعد قمّة السلسلة الغذائية، ولا يزال طريدة لكائنات أشدّ افتراسا وأقوى.





غير أنّ قراءة المشهد لا تتوقّف عند هذه الرؤية، ذلك أنّها مرتبطة بالعناصر الكثيرة المبثوثة في هذا القسم، والتي لا يسعنا إلاّ اقتفاء آثارها حتّى نفهمه (المشهد) بشكل أشمل.
كانت العلاقات بين أعضاء الطاقم تتطوّر شيئا فشيئا، فتعمّق طورا فكرة الرّائد العذريّ التي يمثّلها المجتمع الأبويّ القائم في المركبة، وتبرزُ طورا آخر، تلك الحالة الخاصّة التي تميّز ريبلي Ripley عن هذا المجتمع.
وفي حين تكشف لامبرت Lambert بشكواها الدائمة عن جانب هستيريّ يرمز إلى القمع الذي تسلّطه على نفسها لتلائم مجتمع الروّاد الذكوريّ (أو اللاجنسيّ)، تتبلورُ أكثر صورة ريبلي المتمرّدة على نواميس هذا المجتمع وسلطته الأبويّة. ريبلي تناقش قرارات القائد دالاس، وتبدي اعتراضها عليها، ريبلي تشكّك في القراءة "العلميّة" للرسالة المستقبَلة وتعتقد أنّها تحذير ما وليست استغاثة، ريبلي تواجه تحرّش باركر بعينين حادّتين، وثقة مربكة. وأخيرا، ريبلي ترفض أوامر القائد المخالفة لقواعد السلامة. إنّ شخصيّة ريبلي تنبني على تحدّي كلّ الخصال التي تؤسس لشخصيّة الرّائد العذريّ، ولذلك من المهمّ قراءة مشهد "مطوّق الوجه" من منظور جنسيّ، خصوصا وأنّ عناصر القراءة وفيرة جدا!


عبّر الفيلم منذ بدايته عن وعيه واستيعابه لصورة الرّائد العذريّ الكلاسيكيّة، ولئن بدا متواطئا معها في مشهد البداية، فمتحدّيا في مشهد الفطور وما يليه، فقد أصبح ساخرا في هذا القسم مستهزئا. واتّخذت المشاهد خفيةً، طابع المحاكاة الساخرة منذ الاقتراب من الكوكب الغامض وحتّى مشهد مطوّق الوجه: هاهي مركبة الرائد العذريّ، أقصى منجزات العقل البشريّ، وزبدة معجزاته التقنيّة تنطلق كحيوان منويّ نحو الكوكب الساكن كبويضة تنتظر التخضيب، لكن بمجرّد الاقتراب من الغلاف الجويّ، يهتزّ الثبات وتمّحي القوّة والاعتدادُ، فترتعش بشكل مثير للشفقة وتنجو من التحطم بمعجزة. ويعاود المشهد تكرار ذات المقاربة، وذات الاستعارات وإن بشكل أكثر وضوحا. هذه المرة، سيخرج الروّاد بأزيائهم البيضاء الناصعة من ممرّ المركبة القضيبيّ، نحو مصدر الرسالة الصوتية التي التقطت الأمُّ إشاراتها : جسم ضخم مهيب، أقرب إلى سفينة مهجورة، تتّخذ شكل الرحم (أو على الأقل جزء المبيضين) بدون أدنى محاولة للمواربة!
وفي داخل السفينة الغامضة، سوف يداهمنا الشعور بأنّ جدران الممرّات تأخذ طابعا عضويّا مألوفا، حتّى إنّ المكان العامر بالبويضات الذي اكتشفه ـ لسوء حظّه ـ كاين Kane لم مفاجئا كثيرا. فما الذي يمكن أن نتوقّع وجوده في آخر النفق المؤدّي إلى المبيض؟ وإلامَ سيفضي استئثار رائد/حيوان منويّ لوحده بالدخول إلى المكان؟ عمليّة إخصاب مثلا. لكنّ عملية الإخصاب حدثت بالاتجاه المعاكس في قلب جديد للصورة والمفاهيم. وخلافا لحادثة ارتجاج السفينة في المقاربة الأولى، لم يكن قلب المفاهيم هنا "ظريفا" بل مرعبا وعنيفا وخاليا من المقدّمات. أطبق مطوّقُ الوجه ـ الشكل البدائيُّ للكائن الفضائيّ ـ على وجه ضحيّته الأولى وتغلغل بجزء خفيّ منه إلى داخل فمه تاركا جزءه الظاهر كيدٍ تمنع فريستها من الصراخ، فالصورة لا تتوقّف عند عملية قلب المفاهيم، من خلال "إخصاب" عكسي من البويضة إلى الرّائد، بل تتجاوزه إلى التعبير عن اعتداء جنسيّ عنيف. فهل له ما يبرّره؟

المشهد الثالث : ممزِّقُ الصدر Chestbuster
يتميّز القسم الثالث من الفيلم، بمشهد ممزّق الصدر Chestbuster الرّهيب، وهو المشهد الأهمّ في الفيلم والأكثر كابوسيّة وتأثيرا في المشاهدين. ولذلك فإنّ لقراءته أوجها عديدة متنوّعة.
ورغم اتّخاذ الكائن الفضائيّ شكلا فيزيولوجيا جديدا، فقد تواصلت طبيعة عدوانه الجسديّة ذات الأبعاد الجنسيّة الواضحة. يستعيرُ الظهور الثاني صورة الولادة، ربّما الولادة القيصرية الدمويّة، ولكنها أيضا ولادةٌ قسرية، تذكّرنا مرّة أخرى أنّ ما حدث في السفينة الغامضة، كان اغتصابا.
وأمعن شكلُ ممزّق الصدر القضيبيُّ في عملية التذكير هذه، وكأنّ عملية الاغتصاب الجديدة تحدث من الداخل إلى الخارج لا العكس. وربّما كان ذلك أحد مصادر الرعب الكبير الذي أحدثه المشهد في النفوس. تؤكّد ذلك كاثرين كونستابل في تحليلها للفيلم، فقد فسّرت الرّعب الذي يمثّله الفضائيُّ بحقيقة أنّه "يقدّم عرضا لما هو داخليٌّ على أنّه خارجيّ، معيدا لعين المشاهد شبحَ لُزُوجَةٍ جسدية تمّ نبذُها". إنّه رعب جسديٌّ ـ جسديٌّ بالأساس، يقف فيه الجسد قبالة نفسه التي أنكرها ويواجه فيها مخاوفه القصوى. ومن أهمّ هذه المخاوف، الإنجاب.

ليس غريبا إذا أن تهتمّ النسويّات بفيلم Alien وأن يكتبن عنه الكثير، بناء على النظرية النسوية Feminist theory. ومن هذا المنظور، من البديهيّ أن يمثّل الفضائيُّ كل رذائل النظام الذكوريّ ووحشيّته، إذ يمارس كلّ أشكال الاغتصاب والاعتداء الجسدي، ويتجلّى في قالب ذكوريّ لاشكّ فيه. وهذه قراءة قاصرة لا تلقي بالا لأشكال الفضائيِّ الأخرى، ولا لمدلولية البويضة التي انبثق منها. كما أنّها تتجاهل حقيقة أنّ ضحيّة الوحش الفضائيّ هنا، هو هذا النظام الأبويّ نفسه، ممثّلا في المركبة الفضائيّة، وفي الرّائد كاين Kane (في هذا المشهد).
ولقد قلبت القراءة النسويّة الثانية هذه الصورة، معتبرة أنّ الفضائيَّ ذو طبيعة أنثويّة أساسا، يحاول قلب نواميس النظام الذكوريّ، بالاعتداء على رمزها الأرقى : الرائد العذريّ. لذلك طالت الاعتداءاتُ الرجالَ، والنساء المكبوتات اللاتي يحاولن الاندماج في النظام الذكوريّ، أي نساءٍ مثل لامبرت Lambert، أما الأنثى التي ترفض ذلك مثل ريبلي، فهي الجديرة بالنجاة.
لكنّ هذه القراءة أيضا تصطدم ببداهة الأشكال الذكوريّة لاعتداءات الكائن الفضائيّ (الاغتصاب الفموي، الشكل القضيبي، استعمال الذيل بعد التحوّل إلى زينومورف، الخ)، إضافة إلى حقيقة أنّ الكائن لا جنسَ له، فهو أقرب للخنثى يجمع بين الذكر والأنثى، مؤكّدا بذلك حقيقة بسيطة : رمزيّةُ الجنس هنا موظّفة في اتجاه معنى خارج مشكل الجندرة أصلا.


لقد اعتمد الفيلمُ على المقاربة الجنسية بشكل مجازيٍّ في رأيي، معتمدا على التشبيه المألوف في الثقافة الغربية الذي يرمز للطبيعة بالمرأة، ويرمز للحضارة بالرجل. فبهذا المعنى، يمثّلُ النظام الذكوريُّ القائم بالمركبة، نظام الإنسان الحديث القائم على التطور التقني، والإيغال في المعرفة للتخلّص من طبيعة الإنسان الوحشيّة. إنّ أسمى صور التفوق التقنيّ حينئذ تتمثّل في التخلّص من الجنس، ومن عملية التكاثر الطبيعية، لصالح ولادة مقنّنة، بشَّر بها الخيال العلميّ ربما منذ رواية Brave New World لهكسلي، ولكنّها أخذت طابعا جدّيا مع أطفال الأنابيب في السبعينات. أمّا الفضائيّ فيمثّل طبيعة الإنسان المتوحّشة الخالصة التي تحاول التقنية قمعها، فتتجلّى بأعنف الصور الممكنة. وبهذا المعنى أيضا، يمكن فهم ما يعنيه هجوم الوحش، على هؤلاء الروّاد، الذين يمثّلون أيدي الحضارة الأكثر رقيّا، وما يعنيه الشكل الجنسيّ لهذا الهجوم.


يتمتّع الفضائيُّ بكلّ تلك الرذائل التي يحاول الإنسان الحديث التملّص منها، رذيلة الجنس وبالأخصّ رذيلة العنف، يتجاوز كلّ طرح أخلاقيّ ممكن لهذه الاعتداءات، على اعتبار أنّه كائن مطارد وأنّ الإنسان طريدته الطبيعيّة، على اعتبار أنّه خلق ليكون أقوى، فهو بلسان نيتشه ما وراء الخير والشرّ. فهل إنّ نزوع الإنسان إلى التملّص من طبيعته الجنسية والعنيفة، هو تملّص من حقيقته الإنسانيّة، ومن تفوّقه؟ هل يمكن أن يمثّل الفضائيُّ وهو يطلّ من صدر كاين المحطّم ذلك الوحش الكامن فينا؟



يجيب تصميم فرويد البنيويّ الشهير للنفس عن هذا التساؤل بشكل ما، إذ يمثّل الفضائيُّ جانب "الهو" Id في الإنسان أي غرائزه ورغباته الدفينة وانفعالاته البدائية مثلما يمثل الروّاد العذريّون، جانب الأنا الأعلى Super Ego فيه، أي مثله العليا وسلطة القمع والكبت فيه. وهي مقاربة لا تفسّر وحشيّة الفضائيِّ فحسب، وإنّما تفسّر سبب هلعنا منه أيضا.


ولو استعرنا فكرة أخرى لفرويد عن الأحلام، يمكن القول بأنّ الفضائيّ كعنصر كابوسيّ، هو حمّالٌ لمعان كثيرة ومختلفة، تماما كما يحدث في عالم الأحلام. إنه الطبيعة المتوحّشة التي لا تقبل أيَّ ترويض، وهو أيضا الهو الوحشيّ الكامن فينا رغم كلّ القمع الذي تمارسه فضائل الحداثة والمعرفة والتقنية. لذلك لا يملك الفضائيُّ جنسا واضحا بعينه، إنّه يمثّل أحيانا الأنثى المتكاثرة الولاّدة البيولوجيّة، وأحيانا سلطة القضيب الذكري القاصمة. ولكنّه في الحالتين، يثير في المتفرّج هلعا لا لأنّه يرى فيه الآخر الذي لا يمكن أن يكونه، كما يحدث عادة مع الشخصية الشريرة، وإنّما لأنّه يرى فيه الآخر الذي يمثّل جزءا منه، إنّه الآخر الذي في داخله. وهو ما يحدث فيه شعورا بالاشمئزاز والدناءة، كما تفترض ذلك نظريّة جوليا كريستيفا Abjection theory.

في هذا القسم من الفيلمِ تتحدّدُ أكثر شخصية ريبلي، كامرأة تجد نفسها في مواجهة دائمة مع بقية الطاقم. تواجه تحرّش باركر وبرت، تواجه سلوك آش Ash المشبوه، وتواجه قرارات دالاس Dallas غير المسؤولة وانتقادات لامبرت Lambert المتبنّية لمنطق قامعيها. ريبلي ترفض أن تبقى في الظّل، وأن تنصاع.

المشهد الرابع : ظهور الزينومورف Xenomorph
في هذا القسم، يمعن المخرج في ما سبق أن أشرنا إليه، أي الإيحاءات الجنسية المتوارية خلف جدار الرعب. إنّ كلّ تفصيل بريء يمكن أن يؤوّل جنسيّا، هو إنذار بجريمة مرتقبة. ففي طريقه إلى الزّينومورف، اخترق دالاس بوّابة دائرية تنفتح كما المهبل، وعندما تحسّس تلك المادّة اللزجة كان الزينومورف أمامه.
لكنّ الفضائيّ أخذ شكله الزينومورف النهائيَّ الذي اشتهر به، قبل أن يهاجم بريت Brett. وقد سبق الهجوم أيضا إشارات واضحة، مثل لقطة الماء المنسكب على وجهه وتجلّيه أوّلا عبر ظلّ ذيله الكبير. كما أنّ الاعتداء تمّ بخروج قسم من فمه الوحشيّ على شاكلة قضيبيّة phallic قامت بالاعتداء.


المشهد الخامس : الأندرويد آش Android Ash
يتمحور هذا القسم أساسا حول شخصيّة آش Ash الذي نكتشف طبيعته الالكترونية، واستتباعاتها. لقد كان هذا الكشف مفاجئا جدّا وبعيدا عن مسار الأحداث. والسبّب أنّه لم يكن موجودا في القصّة الأصليّة، وإنّما كان إضافة المنتجين، ولقد اعترف الكاتب رونالد شوست أنّها كانت إضافة رائعة.
لم يكن هذا الكشف مجرّد بهارات سرديّة وتنويعا في الرعب، بل وقع دمج الفكرة بشكل رائع في فكرة الفيلم الرئيسية، وتمّ الاستفادة منها كما ينبغي. وأعتقد أنّ الفضل في ذلك يعود إلى المخرج ريدلي سكوتّ. إنّ لهذا الرجل منزلة فريدة في عالم الخيال العلمي، ويكفي أنّ إسمه مقترن بهذا الفيلم، وبفيلم Blade Runner الشهير. ورغم أنّ سكوتّ يبدو بالنظر إلى ظروف إنتاج الفيلم، أقرب لمدير التصوير للمخرج المؤلّف، فإنّ بصمته لا تخطئها العين، وقدرته على استيعاب أفكار الكتّاب المساهمين، والفنّانين المصمّمين مبهرة حقّا.

لقد تجلّت هذه القدرة في مشهد خطاب آش Ash الأخير خصوصا، إذ يقف الجميع منصتين إلى رأس الأندرويد المقطوعة المثبتة جوار الجسد الهامد وقد لفظ أسلاكه وسوائله البيضاء المقلقة. لقد تردّد هذا المشهد كثيرا في ما بعد، في أعمال السايبربنك Cyberpunk على وجه الخصوص، وكأنّها الحالة الوحيدة التي ينقاد فيها الأندرويد لقول الحقيقة.






والحقيقة لا تتعلّق بتواطؤ Ash والشركة والأمّ The mother لجلب الزينومورف ولو على حساب حياة الطاقم البشري، وإنّما تتعلّق بما يكنّه الكائن اللابشريّ، هذا الذكاء الصناعيُّ، من "شعور" تجاه الزينومورف. فهو لا يخفي إعجابه العميق بالكائن، وبنقائه. بل إنّه يغبطه، ويعتبره القدوة التي ينبغي اتّباعها، لذلك كان اعتداؤه على ريبلي بالصحيفة الملفوفة بشكل اسطوانيّ، ذا بعد جنسيّ لا غبار عليه. إنّ Ash بحكم طبيعته اللابشريّة، لا يحمل أيّة مشاعر جنسية، ولكنّه يتبنّاها ويتبنّى رمزيّتها ويلفظ ما يفترض أن يمثّله الكائن الآليُّ من رقيّ حضاريّ، وتطوّر تقنيّ مذهل. وبعبارة أخرى، فقد كان Ash الجانب المقابل للزينومرف، جانب العقل والعلم والتجرّد من المشاعر كنقطة ضعف مؤثّرة على السلوك والأفكار. ولكنّه في تمثيله لهذا الجانب، انتهى إلى حقيقة أنّه عاجز أمام هذا الكائن النقيّ المتوحّش الأكثر رقيّا. لقد تعرّض آش للخلل التقنيّ الذي يرافق صناعة الإنسان، بينما لم يبد على الزينومروف أي علامة من علامات النقصان أو الضعف.


المشهد السادس: ريبلي Ripley
في عملية قلب أخرى لما هو مألوف، كانت لامبرت المرأة الهستيرية الشقراء وباركر الأسود آخر ضحايا الزينومورف، ففي أفلام الرعب الكلاسيكيّة يكونان عادة الضحيّة الأولى. في المقابل، كانت لامبرت ضحية كلاسيكيّة جدا، لطباعها الهستيريّ الذي تمتلئ به أفلام الرعب، ولتناسُبِ هذا الطباع مع الإشارة الجنسية القويّة التي يستعملها الوحش قبيل الاعتداء.

في الأثناء، كانت شخصيّة ريبلي التي تتطوّر في كل قسم أكثر تجاه القيادة والأخذ بزمام الأمور، قد باتت جاهزة لفعل ما يجب فعله : مواجهة الأمّ.
كانت الأمّ Mother جهاز الكمبيوتر المركزيّ الذي يدير المركبة، ولقد فهمنا بمرور الوقت أنّ هذه الأمّ التكنولوجيّة لا تمنح الحياة كما أوهمتنا به في مشهد الافتتاح، بل هي أمٌّ تمتلك خصال القتلة. أمٌّ تتآمر لتلقيَ بأبنائها إلى التهلكة، فترسلهم نحو كوكب مجهول، وتسمح بتسرّب الوحش القاتل إلى داخلها. وهاهي في هذا القسم لا تلقي بالا لطلبات ريبلي Ripley. لقد أدركت ريبلي أخيرا، أنّ "أمّها" قاتلة (الحقيقة أنّها استخدمت وصفا آخر أكثر دقّة في الفيلم)، وأنّها إذا ما أرادت البقاء، فعليها الاعتماد على غريزتها.


يمثّل القط جونس Jones طبيعتها الأنثويّة النقيّة من كلّ شوائب الحضارة لذلك لم يكن في أيّة لحظة هدفا للزينومورف. وكلّما بدا لنا وكأنّها تحاول إنقاذ جونز، كان جونز/غريزة الأنثى بداخلها منقذَها. وعندما هرعت إلى داخل سفينة الإنقاذ الصغيرة،
لم تتخلّ ريبلي عن الأمّ وعن مركبة نوسترومو فحسب، بل تخلّت عن انتمائها للرّواد العذريّين، بتجرّدها من زيّها الرسميّ الأبيض، والكشف عن تضاريس جسدها الأنثويّ الذي طالما قمع داخل الزيّ الموحّد. إنّه مشهد هذا القسم الرئيسيّ، وأحد مشاهد الفيلم الأيقونيّة، وبفضله احتفظت سيجورني بإسمها في سماء هوليود. لا أحد يفهم سرّ الأنوثة الطاغية التي أطلّت من ظلال جسدها النحيل الطويل، لتخلّصها من كلّ انتماء إلى الرواد العذريين. لا أحد يفهم السرّ، ولكنّ هناك شبه إجماع على نجاح تأثيره.


كانت النهاية معقولة ومنطقية جدا عند هذا الحدّ، ومتناسقة مع الأفكار التي سبق الحديث عنها. فريبلي بتقبّلها لطبيعتها الأنثويّة، وتمرّدها على منظومة الحضارة، استطاعت أن تتحوّل إلى ندّ كفء للزينومورف والتخلص منه. لكن يبدو أنّ المخرج يراوغنا مرة أخرى بظهور الفضائيّ الأخير. فقد أجبر ظهور الفضائيِّ ريبلي على العودة إلى زيّ الرّائد، وتغطية جسدها من جديد. وكان عليها أن تعود إلى الحضارة مرّة أخرى، وتعتمد على التقنية للتخلّص من الفضائيّ. لقد بدا وكأنّ المخرج لا يريد أن يتّخذ موقفا واضحا، بل يقترح نهايتين مختلفتين ومتناقضتين، متسائلا هل باتّباعنا لطريق العلم والمعرفة، وتخلّصنا من ذواتنا البدائيّة المتوحّشة، نسلك طريقا طبيعيا؟ أم أنّنا نتخلّى عن طبيعتنا؟


تكاد تمرّ أربعون سنة على عرض Alien، ورغم صدور أجزاء كثيرة طوال هذه السنين، لا يزال الجزء الأوّل مصدرا لا ينضب للدراسات والنظريات والجدل. وهذا يطرح أسئلة بخصوص عيوب الأجزاء اللاحقة أكثر ممّا يطرحه بشأن عبقريّة الجزء الأول.

إسم الفيلم : فضائيّ Alien
سنة الإنتاج : 1979
المخرج : ردلي سكوتّ Ridley Scott
الصنف : خيال علمي، رعب
المدّة : 117
البطولة : سيجورني وييفر Segourney Weaver

Sunday, March 26, 2017

رحلة البحث عن شبح داخل القشرة

لايزال يُنظر إلى جنس الخيال العلميّ على أنّه من درجة ثانية، حاملةٌ فنيّة للميزانيات الضخمة، والمؤثرات البصريّة المبهرة. وليس من الصدفة أن يقترن بالرعب بالأكشن. والأكيد أنّ أيقونات سينمائية مثل أوديسا الفضاء 2001، وبلايد رانر Blade Runner لم تحصل على حقّها من التقدير إلاّ بعد مرور وقت طويل على عرضها، كأنّها من الصعوبة والتعقيد بحيث تستعصى على أهل عصرها. ويعتبر جنس الصور المتحرّكة أقل جدّية بما أنه ينسب آليّا للأطفال. ورغم هذا السياق المُحبط ظهر فيلم الأنيمي اليابانيّ "شبح داخل القشرة" Ghost in the Shell كطفرة نوعيّة في جنس الخيال العلميّ والصور المتحرّكة، وكان عليه أن ينتظر بعض الوقت ليتّخذ مكانته التي يستحقّ.





عالم Ghost in the Shell
كأغلب أعمال الانيمي الياباني، يعود أصل "شبح داخل القشرة" إلى قصة مصوّرة يابانية Manga لمؤلّفها ماساموني شيروو Masamune Shirow. أصدر ماساموني ثلاث قصص مختلفة انطلاقا من سنة 1989 إلى حدود سنة 1997، وجميعها تحت عنوان "الشرطة المدرّعة لمكافحة الشغب" Kōkaku Kidōtai مع انفراد كلّ قصّة بعنوان خاصّ، فكان نصيب القصّة الأولى (ظهرت حلقاتها بين 1989 و1990) إسم "الشبح داخل القشرة" وهو ما اعتمده مامورو أوشيي Mamoru Oshii كعنوان للفيلمين اللّذين أخرجهما سنتي 1995 و2004 وأثار بهما الانتباه إلى هذا العالم.


تلى الفيلمَ الأول أعمال أخرى كثيرة للسينما والتلفاز وألعاب الفيديو ومجلاّت القصص المصوّرة، لعلّ أبرزها الجزء الثاني سنة 2004 بعنوان Ghost in the Shell 2.0 : Innocence ومسلسل بجزئين بين 2002 و2005 بعنوان GITS : Stand alone complex.  وانتهى الأمر هذا العام إلى التبييض أو لنقل إلى الأمركة، من خلال فيلم حيّ من بطولة النجمة الهوليوديّة سكارلت جونسون Scarlet Johanson، ولكن لنترك هذا لوقت آخر.


ما يعنينا في هذا الحديث هو الفيلم السينمائيّ الأول الذي أخرجه مامورو أوشي سنة 1995 وأدار به الرقاب مرّة أخرى للأنيمي اليابانيّ كحاملة ملهمة للخيال العلميّ، وذلك بعد النجاح العظيم الذي حقّقه فيلم أكيرا Akira سنة 1988.
غير أنّ فيلم أوشي يذهب بصنف السايبر بانك Cyberpunk إلى مستويات أبعد ممّا جاء به أكيرا، بل وأبعد من فيلم Blade Runner (سنة 1982) الذي أسّس بشكل ما هذا الصنف من الخيال العلميّ. واستطاع بفضل جمعه بين الجماليّات البصريّة والمادّة الفكريّة الثقيلة والشكل السرديّ المعقّد أن يرفع مستوى الخيال العلميّ عموما، وأن يؤثّر بشكل واضح في السينما العالميّة على مدى قصير. ولأنّ عالم Ghost in the Shell ليس عالما بسيطا على غير المهووسين بالسايبر بانك، فقد ارتأيتُ أن أبدأ كتابتي عن الفيلم بشرح قصّته الملتبسة.


سيناريو ملتبس بين الحوار ومشاهد الحركة

يمكن اعتبار GITS من أعقد الأفلام على مستوى السيناريو، ولا يعود ذلك إلى بنية سرديّة غير خطيّة، ولا إلى استعمال أساليب سردية مثل الاسترجاع الفنيّ (flashback)، فالقصّة تتقدّم وفق نسق سرديّ خطيّ بسيط. لكنّ أوشيي لا يقدّم لنا إلا المعلومة التي يعرفها أبطال الرواية (فريق القطاع التاسع Section 9)، أي أنه يفرض علينا مشاركة الفريق في عمليّة تحليل المعلومات وتأليفها لفهم ما يحدث.
لكنّ التعقيد لا يتوقّف عند هذا الأمر، إنّ أبطال الفيلم لا يدلون بتلك المعلومات المهمّة إلا في أسوأ الأوقات وعلى مساحة زمنية محدودة لا تلبث مشاهد الأكشن أن تبتلعها وتشتّت انتباهك بحيث لا تجد الوقت الكافي لاستيعابها. وهو أحد عيوب الفيلم لأنّه لم يستعمل ذات الأسلوب في مشاهد الحوارات الفلسفية التي لا تؤثّر مباشرة على السيناريو.


أما آخر مستويات التعقيد، فهو أنّ المشاهد يُحمل على هذه المهمّة في الوقت الذي يحاول فيه التعرّف على العالم الذي وجد فيه. فلا مقدّمات كثيرة هنا، ويجب عليك أن تتعلّم من بين تفاصيل المشهد أنّك في عالم المدينة الفاسدة (Dystopia)، حيث يسبح كل شيء بما فيه الجريمة في الفضاء السايبري (Cyber) الذي تتجرّد فيه الأشياءُ من كيانها الماديّ وتصبح كيانات معلوماتيّة بحتة (نحن اليوم في عصر انترنت الأشياء IoT بالفعل). عليك أن تدرك أيضا أن الذكاء الصناعيّ بات طاغيَ الحضور، وأنّ تغيير أعضاء الجسد بقطع الكترونية أكثر نجاعة بات ثقافة شعبية تقريبا. وبفضل أسلوب التعزيز (Augmentation) أمكن توصيل الدّماغ بالعالم السايبيري ليتماهى بشكل ما الذكاءُ الطبيعي والصناعيّ في بحر السايبر المعلوماتيّ اللامحدود... وفي وسط كل هذا يعمل القطاع التاسع Section 9 بشكل سريّ، لينجز تلك المهام القذرة التي لا يمكن أن تعلق بسجلات الدولة. يرأسُ القطاع التاسع المديرُ أراماكي Aramaki ويشرف على وحدة التدخل الرائدُ موتوكو كوساناغي Motoko Kusanagi وهي شخصية الفيلم الرئيسيّةُ وتضمّ الفرقةُ فيمن تضمّ باتوو Batou وتوغوسا Togusa.
تقوم قصّةُ الفيلم على قضيّة محرّك الدمى (Puppetmaster) القرصان الذي يخترق مستويات أمنية عالية، ويفرض على وحدة الرائد موتوكو التدخل، ما يجعلها تكتشف تورّط بعض أجهزة الدولة في ممارسات لا قانونية، انجرّ عنها ميلاد كيان جديد في عالم السايبر، ينشد أن يحقّق ذاته من خلال الاندماج مع بطلتنا.
على هذا الرّابط وضعتُ شرحا كاملا للقصّة، حتّى لا أطيل هنا في الحديث عنها، وأنتقل إلى عملية القراءة.


قشرة جمالية تغلّف محتوى عميقا

كانت عناية مامورو أوشي بالصورة بالغة الدقّة، وتتسرّب إلى أطرافها وتفاصيلها الصغيرة، ولقد ذهب في ذلك حتّى التطرّف في الفيلم الثاني. صحيح أنّه لا يمكن فهم السيناريو بدون الانتباه إلى كلّ حرف من الحوار، ولكنّ الصورةَ تحمل جزءا كبيرا من المعنى، وبعيدا عن سيناريو الفيلم، فإنّ أوشيي فكّك شخصيّة الرائد كوساناغي عبر الصورة أكثر من أي شيء آخر، وبفضل عملية التفكيك Deconstruction هذه، اكتسب Ghost in the Shell قيمته الفنية العظيمة.


وقبل التطرّق إلى شخصيّة موتوكو، يجب الاهتمام أولا بالعالم الديستوبيّ الذي لا يدرَك إلاّ من خلال المَشاهد. فالقصة لا تشرح أيّ شيء عنه، والحوار يكتفي بتسمية التقنيات في أغلب الأحيان دون يشرح وظائفها. وحدها الصورة تسمح لنا بفهم كلّ ذلك. لقد فهمنا تقنية التمويه بمجرد أن استعملتها الرّائد موتوكو في بداية الفيلم، وفهمنا أنّها تقنية لا تتاح إلاّ للخاصّة، انطلاقا من ردّة فعل مدير القطاع السادس. كذلك أسلوب الغطس Diving الذي يسمح لشبح/روح الغطّاس بالتدفّق عبر السايبر ومواجهة الأشباح الأخرى أو الحلول في قشرة/جسد آخر. كما استعملت تقنيات أخرى كثيرة دون أي شرح أو تلميح لبداهتها، ولأنّها في سياق زمنها ليست خارقة للعادة يمكن للشخصيات أن تتحدّث حولها، مثل الصور الهولوغراميّة المستعملة في كلّ مكان، والدماغ المعزَّز Augmented بحيث يمكنه التواصل بشكل مباشر على قنوات اتصال خاصّة، وتلك الوصلات خلف رقاب أعضاء القطاع التاسع التي تمكّنهم من الاتصال المباشر بالأشياء.
إنّ عدم حاجة أوشي لشرح كلّ ذلك الكمّ من المصطلحات والتقنيات يدلّ على نجاحه في تصميمها وفي دمجها بالمشهد دون أن يؤثّر ذلك على فهم المُشاهد.


يقرب هذا العالم كثيرا من ذلك الذي صمّمه ريدلي سكوتّ لبلايد رانر Blade Runner، الذي استوحاه بدوره من فيلم ميتروبوليس Metropolis، حيث يتميّز بالمقابلة الحادّة بين البناءات الشاهقة المتطوّرة والحياة السردابيّة underground البدائيّة والمتوحّشة والبائسة، بين كثرة الأضواء المنبعثة من المغازات والإعلانات وإشارات المرور من جهة، والجوّ الليليّ المظلم المخيّم على المشهد من جهة أخرى. في هذا العالم، تكون مراكزُ القرار، ومقرّاتُ أجهزة الدولة، ومقابلاتُ المجرمين الكبار في الأعالي، بينما يوجد المجرمون الصغار، والخراب الناتج عن قرارات الكبار، في الأسفل. لقد كان واضحا أنّ ما يحدث في الأعلى ينعكس دائما سلبا على الأسفل في مقاربة خفيّة مع شخصيّة محرّك الدمى الغامض. لا ننسى هنا أنّ الدمى كانت دائما في الأسفل.




تحاول الرائد موتوكو كوساناغي أن تتخذ موضعا أعلى من المتحكّمين بهذا العالم، وهو ما تعبّر عنه بداية الفيلم المثيرة. تقف فوق قمّة المدينة وتتواصل مع فريقها بحسّ مرح يكشف جزءا من شخصيّتها، قبل أن تتجرّد ببساطة من ملابسها وتقفز من علٍ. ظلّ ذلك المشهد المثيرُ علامة مسجّلة لـ Ghost in the Shell، تباعا لمشهد الخلق العظيم. حيث يراوح أوشي في شارة البداية بين أسماء أعضاء الفريق وبين عمليّة صنع السايبورغ الذي سيصبح الرّائد كوساناغي، وذلك على خلفية موسيقى فريدة من نوعها ابتدعها العبقريُّ كنجي كواي Kenji Kawai انطلاقا من الفولكلور البلغاريّ. تبدو المقاربةُ في مشهد الخلق بين تصنيع كوساناجي وتكوّن الجنين وولادته كبيرة جدا. فإذا كان الثاني ينطلق من نطفة، فإنّ الأول ينطلق من الخلايا العصبيّة التي يعزّزها دماغ الكترونيّ. تختلف التأويلات وتكثر بشأن طبيعة دماغ كوساناجي، بعضهم يعتبره مخّا طبيعيّا وبعضهم يقرّ بأنه صناعيّ تماما وأنّها ليست بذلك كائنا بشريّا. الأرجح أنّ الدماغ كان مخّا بشريّا معزّزا Augmented بشرائح إلكترونيّة تدفع بقدراته وتسمح له بالتواصل مع السايبر وبالتحكم في الأعضاء الالكترونيّة للسايبورغ. ثم إنّ الجسم وقد اكتمل قوامه يتّخذ وضعا شبيها بوضع الجنين، يسبح في ماء كأنه سائل أمينوسيّ، ثمّ يرتفع شيئا فشيئا نحو السطح، فيخرج الرأس أوّلا، ثمّ يمعن الرسّام في المقاربة فتتفتّت القشرة البيضاء وتنجلي عن بشرة آدميّة كأنّها قشرة بيضة.
في المشهد الموالي تماما، نرى الرائد موتوكو في غرفتها، تفتح عينها كأنّها كانت نائمة، تحرّك أصابع يدها، كأنما تحاول التيقّن من أنّها على قيد الحياة، لكنّنا نفهم أنّ المشهد السابق كان حلما أو ذكرى بعيدة...
ومن الواضح أنّ المشهد من البساطة والثراء ما دفع الأختين واشوسكي (أخوان آنذاك) إلى استعماله في الماتركس. والحقيقة أنهما لم يقتصدا كثيرا في استعارتهما من Ghost in the Shell، ويمكن الإشارة بشكل خاصّ إلى استعمال حركة الرموز الخضراء على خلفية سوداء لتشكيل عناوين شارة البداية، ولتشكيل عالم السايبر، حيث أصبحت بعد أربع سنوات فحسب سمة فيلم الماتركس المميّزة.





لا يمنح السايبر بانك مساحة كبيرة لإبداع بيئة القصّة، فعناصر المشهد في الغالب مكرّرة ومعروفة (الظلمة، البناء الشاهق، الزحمة في الأسفل، الذكاء الصناعيّ، الخ)، لكنّ Ghost in the Shell استطاع أن يضفيَ فرادة على بيئته، وأن يمتاز بفضل تصوّر عميق حتّى التفاصيل لمختلف التقنيات المستعملة، ويصبح بذلك جزءا من الثقافة الشعبية العالمية. كما اضطلعت هذه العناصر بوظيفتها الطبيعية في التعبير عن مضمون الفيلم وبشكل خاصّ عن شخصيّة الرّائد موتوكو ورحلتها الوجودية المثيرة.


موتوكو ومحرّك الدّمى

اِنبنت القصّة على مهمّة البحث عن محرّك الدّمى الغامض، ومع تقدّم الأحداث، نكتشف أنّنا في الحقيقة نشارك الرّائد موتوكو رحلة بحثها عن نفسها. إنه ذات القالب العبقريّ الذي عرفناه مع رائعة إنغريد برغمان، Persona.

يبدأ الفيلم مع ما يبدو أنّه ولادتُها، وينتهي عندما يبدو أنّه ولادة جديدة لها، في صورة هي أقرب لفكرة العود الأبدي التي قدّمها نيتشه في "هكذا تكلّم زرادشت". ليس هذا التجلّي الوحيد لفلسفته الوجوديّة، ففكرةُ الارتقاء كانت أيضا جليّة، خصوصا في المشهد الأخير، إذ تجري أحداث المعركة الأخيرة للوصول إلى الحقيقة داخل متحف قديم للبيولوجيا، ولا شكّ أنّ شجرة التطور البيولوجي لم تكن لغرض استيطيقيّ فحسب. لقد أصابت الرصاصات كلّ تلك الأنواع المنقرضة وفتحت الباب لنهاية الإنسان وبداية نوع جديد بشّر به نيتشه تحت إسم "الأرقى من الإنسان" أو الأعلى من الإنسان Übermensch. عند هذه الشجرة المبشِّرة، انصهر شبحا موتوكو ومحرّك الدمى، وولد الكيان الجديد.




بدا الكيان الجديد الذي يمثّل موتوكو أو يحمل وعيها بشكل ما، راضيا عن نتيجة هذا البحث الوجوديّ، رغم أنّه لم يصل في النهاية للإجابة عن سؤال: هل إنّ موتوكو بشر أم ذكاء صناعي؟
كان هذا السؤال شغلها الشاغل منذ بداية الفيلم حينما فتحت عينيها محرّكة أصابعها، متسائلة في قرارة نفسها إن كان مشهد الولادة جزءا من ذاكرتها أم أضغاث أحلام. ومع تقدّم بحثها عن محرّك الدمى تزداد تساؤلاتها بشأن وجودها. فأساس دماغها بشريٌّ تمّ تعزيزه وتغليفه داخل قشرة سايبورغ مصنّعة، لكنّها لم تر دماغها ولا تقدر على ذلك، كما قالت لباتوو، فما الذي يجعلها هي؟


كان هذا التساؤل هو أساس تصميم شخصية موتوكو من قبل ماساموني شيرو، فحالتها مثال عبقريّ لما تخيّله الفيلسوف الفرنسيّ رنيه ديكارت منذ كتابته مقالة المنهج سنة 1641. طرح ديكارت فكرة أنّ وعي الإنسان بذاته مستقلّ عن كل وجود فيزيائيّ، لما يمكن أن تقع فيه الحواسّ من أخطاء في التقدير، واعتبر أنّ الإنسان يدرك وجوده بصفة بديهية بمجرد التفكير فيه، ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة "أنا أفكّر إذا أنا موجود" Cogito ergo sum.
ومع ظهور فلاسفة الوضعية، والماديّة، تمّ دحض هذه الفكرة على اعتبار أنّ عمل التفكير له أساس ماديّ سابق، وأنّه بذلك لا يسبق الكينونة، وهو ما أبرزه كيكرغارد Kiekergaard في نقده للكوجيتو، ف"أنا" التي تسبق "أفكر" تفترض وجود كينونة تمارس عملية التفكير بالفعل.
تمّ تخليص الرائد من جسدها الذي يعدّ دوما دليلا واضحا على كينونتها. ففي هذا العالم المستقبليّ، يبدو منطقيّا جدا أن يحاكي التطور الالكترونيّ حركة العضلات والأعصاب ويجعل من الجسم البشريّ أبعد ما يكون عن المعجزة، ولكنّها مع ذلك تحتفظ بوعيها بذاتها، وإحساسها العميق بكينونتها. إنّ هذا الإحساس هو ما يحدّد وجودها. وهي بذلك تنتصر لكوجيتو ديكارت.


لقد ذهب الكثيرون إلى أنّ الفيلم لم يقدّم إجابة واضحة في ما يخصّ وجود الشبح/الروح أم لا. لكنّني أرى أنّ الفيلم فعل العكس تماما وإن لم يحدّد طبيعة هذا الشبح بشكل قاطع. فلم يكتفِ ماموري أوشي بتجريد الرّائد من كيانها الماديّ، وإنما افترض امكانيّة وجود "كيان" غير مادّي مطلقا من خلال شخصيّة محرّك الدمى. إنّ الجسد البشريّ في هذا العالم لا يعدو أن يكون غير قشرة Shell لجوهر المرء. ومنذ أن كنّا نتحدّث عن عالم ميتافيزيقيّ أفلاطونيّ تسبح فيه الأرواح، صرنا في عالم سايبيريّ متكوّن فحسب من المعلومات تسبح فيه "الأشباح" سواء كانت بشريّةً أم معلوماتيّة بحتة.
لقد عزّز ماموري هذا الانفصال التامّ بين الوعي والجسد، من خلال علاقة الرّائد بجسدها. إنّ هذه العلاقة معقدة وملتبسة وعبقريّة في كلّ مشهد. يتناقض شكل جسدها الأنثويّ الفاتن مع قدراته العضلية المذهلة، وهي رغم هذا وذاك، لا تتصرّف بغلظة الذكور ولا برقّة الأناثي. بل لا يبدو أنّها تقيم وزنا كبيرا لجسدها، ففي كل مرّة تحتاج فيها إلى استعمال تقنية التمويه، تترك ملابسها جانبا بدون أيّ حرج، بل تلقي بالحرج على باتوو الذي يسارع في كلّ مرة بالغطاء. وفي المشهد الموالي لغطسها في البحر، لم يخفَ حرجُه الشديد من تبديل الرّائد لملابسها أمامه في غير مبالاة. وتمعن الرّائد في السخرية من أنثويّة جسدها بتلك المزحة التي ألقتها على باتوو منذ بداية الفيلم حين سألها عن سبب التشويش في ذهنها :"لا بدّ أنه وقت عادتي الشهرية"!
لكنّ الرّائد لا تشعر بجنسها كأنثى بحسب، بل إنّها لا تشعر بجسدها كلّه، ولقد أثبتت ذلك بدون تردّد في المعركة الأخيرة ضدّ المدرّعة، حين استنفرت قواها لاجتثاث رأس المدرّعة، واستهترت تماما بحدود جسدها السايبورغي الذي يبدو أنه غير مجهّز بلاقطات ألم، فتمزّقت أطرافه بقسوة.




لقد أسّس كلُّ ذلك لقطيعة واضحة بين وعي الرّائد بذاتها، ووجودها الماديّ المتمثّل في قشرة لا معنى لها، يمكن الحلول في غيرها ببساطة كما حدث في مشهد تبادل الأجساد في النهاية مع محرّك الدمى، أو المشهد الأخير حين حلّت في جسد طفلة صغيرة. وهذه القطيعة تناقض تماما فلسفة نيتشه الوجوديّة التي تضع الجسد كجوهر في حدّ ذاته. ولكنّها في الآن نفسه تتفق معه في جانب آخر، فرغم رفض الفيلم لطبيعة الكينونة الماديّة، لم يبحث أن يحدّد لها طبيعة ميتافيزيقيّة أيضا. فتمّ استبدال مفهوم الروح بمفهوم تقنيّ يسمّى "الشبح" ليجمع بين الكينونة البشريّة والكينونة المصنّعة، إذ أنّ له قدرة على التدفق على بحر المعلومات مثل برامج الذكاء الصناعيّ، ومثل محرّك الدمى الذي وعى بوجوده دون أن يكون له حلول ماديّ. لقد أقرّ الفيلمُ فعلا بوجود الشبح، وأقرّ ببعض خصاله وقدراته، ولكنّه لم يحدّد أبدا ماهيّته بل وأكساه دوما طابعا غامضا محيرا، كما ورد على لسان موتوكو حينما سئلت عن سبب ترجيحها افتراضا دون آخر :" إنها همسة سمعتها داخل شبحي"، وهذا الهروب من التحديد هو الفكرة الرئيسية لGhost in the Shell.


كان واضحا منذ البداية أن الرّائد كوساناغي تبحث عن إثبات كينونتها وطبيعتها البشريّة لنفسها. في البداية من خلال تلك المقاربة بين تكوّنها وبين عملية الولادة الطبيعية كما تقدّمت بالتّبيين. ثمّ مع تلك الأسئلة التي تفرضها عليها عملية البحث عن محرّك الدمى: إنّها حتما ليست ذلك الجسد الذي تخسره بمجرّد حلولها على التقاعد، وهي ليست ذاكرتها التي يمكن أن تكون مزيّفة كما أثبتت ذلك حادثة عامل النظافة الصّادمة (وهي ذات الفكرة التي قدّمها فيلم Blade Runner بشكل عبقري أيضا). وهي أيضا ليست ما يتحدّد عبر الآخر مثلما قال لها باتوو "أنت تُعاملين على أنّك إنسان، فتوقّفي عن هذا القلق"، فلا أحد يعترف بكينونة محرّك الدمى رغم إصراره على ذلك.
هكذا افتقدت كينونتُها لامتدادها في الماضي ولحلولها في الحاضر، ولم يبق لها من فضاء لتتحدّد فيه سوى المستقبل. أدركت الرّائد كوساناغي في النهاية أنّ كلّ محاولة لتحديد الماهيّة، ليست إلا عمليّة حدّ لها ولقدراتها العظيمة على التطوّر. إنّ كيانها يتشكّل بصفة متواصلة، والخيارات المتاحة عظيمة ـ كما ذكرت في عبارة الختام "الشبكة (السايبر) واسعة ولا حدود لها" ـ وكلّ محاولة للحصر هي في النهاية محاولة للتقليص من هذه الخيارات. بقبولها الاندماج مع محرّك الدّمى، أعلنت الرّائدُ رفضها لهذا التحديد، وتخلّصت من خطيئة البحث عن نفسها، من أجل فضيلة خلق نفسها والارتقاء بها.


إنّ احتفاء الفيلم بعملية التطوّر الارتقاء عظيمة فعلا. يقترح الفيلم أنّ تطوّر الحياة أعمق أثرا مما نلحظه من تطوّر فيزيولوجيّ، إنّه تطوّر للبرنامج الأساسيّ الذي ينبثق عنه الكيان المادّيّ، أي الحامض النووي، أي أنه في النهاية تطوّر للمعلومة ليس إلاّ، وهو بذلك يفتح بابا لنوع من التطوير الرقميّ.
لا تأخذُ الحياةُ قيمتَها إلاّ بفضل الموت، فالموتُ يمنحُ الإنسان الفرصة إلى خلع نسخته (version) القديمة وانتحال نسخة معدّلة، وهو جوهر التطوّر. إلاّ أنّ هذا لا ينتج عن عمليّة نسخ أمينة (copy) وإنما عبر عمليّة تأليفيّة تنتج شيئا جديدا، وتسمّى التكاثر. لقد كان محرّك الدمّى يعي بكل ذلك وهو يستدرج الرّائد موتوكو إلى الخاتمة، كانت فكرته النهائيّةُ هي أن يثبت وجودها بشكل كامل من خلال عملية تكاثر، تنتج شيئا جديدا. أليس هذا رومانسيّا؟
يمكن بشيء من المرونة رؤية القصّة على أنّها قصة حبّ فريدة بين موتوكو ومحرّك الدمى، كان كلّ منهما يبحث عن الآخر في ذاته، أو يبحث عن ذاته في الآخر. عبّرت عن ذلك لقطات موتوكو العديدة أمام سطح عاكس (مرآة، سطح الماء، بلوّر…) ومقابلتها بلقطة النهاية حيث يتواجه الوجهان كانهما انعكاس لبعضهما البعض.
شبحان/روحان يبحثان عن بعضهما البعض طيلة الفيلم كأنّهما نصف يبحث عن نصفه الآخر، يحلّان في قشور (أجساد) مختلفة متنوّعة، حتّى ينتهيا إلى التقابل في عالم السايبر، تماما كتلك الصورة الأفلاطونية الطوبويّة، وتنتهي حياتهما بالاندماج وإنجاب/إنتاج كيان جديد سيواصل الرحلة. لا صدفة إذا أنّ موسيقى مشهد الولادة، هي موسيقى زفاف بالأساس!

 
لكنّ Ghost in the Shell في ثمانين دقيقة فحسب، ينثر أسئلة أكثر من هذه بكثير في أرجاء المشاهد والحوارات، وفي تفاصيل القصّة البسيطة الحبكة، والمعقّدة السرد. لذلك فهو يستحقّ عن جدارة مكانته كأحدث أعظم أفلام الأنيمي على الإطلاق، وأهمّ أفلام الخيال العلميّ والسايبربانك خصوصا رغم كل اللامبالاة التي تلقاها هذه الأصناف من قبل النقاد.

شبح داخل القشرة : شرحُ القصّة كاملة


تبدأ أحداث الفيلم مع تدخّل الرائد موتوكو لمنع مبرمج كمبيوتر من طلب اللجوء إلى دولة أجنبية، وذلك بطلب من القطاع السادس التابع لوزارة الخارجية. لكن الفيلم يتجاوز هذه الحادثة تماما لتبدو كأنّها مدخل لا غير.

كانت المهمّة الأساسية للفريق اقتفاء أثر "محرّك الدّمى"، قرصان كمبيوتر مجهول الهوية، اكتشفت محاولاته لاختراق عقل مترجمة وزير الخارجية، في الوقت الذي يستعدّ فيه الوزير لمقابلة وفد من حكومة دولة Gavel الديمقراطية الجديدة التي جاءت تنشد الدعم. نحن نعلم مسبقا أنّ وزارة الخارجية على اتصال بالزعيم السابق لGavel (إسمه Malles) الذي طلب اللجوء السياسيّ. كان هذا يعني أن محرّك الدمى قد يحاول السيطرة على المترجمة لإفساد الاجتماع لصالح Malles أو بالعكس، لإيهامهم بأنّ Malles يريد إثارة المشاكل.

يتمكّن ثلاثيُّ القطاع التاسع من التوصّل إلى مصدر الإشارة: عامل نظافة بسيط تمّ التلاعب بذاكرته تماما بحيث يمارس عملية الاختراق عبر الموزعات الآلية التي يمرّ بها، ظنّا منه أنه يقرصن حساب زوجته الوهمية ليكشف خداعها. ولقد قادهم في غمرة جزعه إلى المجرم الذي لقّنه عملية الاختراق، لكنّ المجرم نفسه كان إحدى دمى المحرّك الخفيّ أيضا.

في القسم الثاني من الفيلم، نرى امرأة عارية تتعرّض لحادث بالطريق السيارة، وتنقل إلى القطاع التاسع عندما يتّضح أنّها جسم آليّ مفرغ تماما من كلّ برنامج تحكم ما يجعل حركتها التلقائية أمرا مستحيلا.

وتتعاظم الحيرة بعد تحليل الدماغ حيث يتبيّن للخبراء وجود آثار لما يسمّى الشبح (ذلك الجانب اللامادّيّ الذي يميّز الكائن الحيّ على السايبر) رغم عدم وجود خلايا دماغية حيّة. نعرف هنا أنّ أجزاء السايبورغ التي يملكها أعضاء الفريق، مصنّعة من نفس الشركة التي صنعت هذه الدمية، كما نعرف بشكل واضح أن الرائد كوساناغي تملك جسد سايبورغ خالص ولا يتجاوز جزؤها البشريّ تلك الخلايا الدماغيّة التي سمحت بوجود "شبحها". تقرّر الرائد أن "تغطس" داخل السايبر لملاقاة شبح الدمية المحيّر.

في الأثناء كان على المدير آراماكي أن يستقبل مدير القطاع السادس رفقة رجل أمريكيّ قيل أنه مشرف على اقتفاء أثر محرّك الدمى. يطلب الزائران تسليمهما الدمية العارية على اعتبار أنّ ما بداخلها هو شبح محرّك الدمى الذي "غطس" داخلها قبل أن يفقد جسده الحقيقيّ. كما أنّ القطاع السادس كان يدير مشروعا يعرف ب2501 للقبض على القرصان.

لكنّ محرّك الدمى تكلم عبر تلك الدمية المهشمة، مكذّبا كلام القطاع السادس، ومعلنا أنّه لم يكن يوما يملك جسدا، وإنما هو كائن حيّ جديد خلق وسط السايبر بفعل المعلومات المتراكمة، وأنّه في لحظة ما كسب وعيا بنفسه سمح بتكوين "شبح" حقيقيّ، وأنّه كان جزءا من المشروع 2501 وليس هدفا له. ولكن لأنّه لم يكن يستطيع مغادرة MegaTech بسبب حائط النار (Firewall) فقد ارتأى الهرب عبر النفاذ إلى قشرة مادية (الدمية العارية).

لكنّ مدير القطاع السادس كان مصحوبا بمدد خفيّ يستعمل تقنية التمويه غير المرخّصة لقطاعه (ألهمته الرائد كوساناغي فكرة استعمالها حين التقيا أول الفيلم في قضية اغتيال الديبلوماسيّ) لخطف القشرة والهروب بها، وكان فريق القطاع التاسع في المطاردة.

كان على الرائد أن تواجه مدرّعة آليّة للوصول إلى محرك الدمى، ولقد استنزفت جسدها السايبورغيّ في ذلك وكادت تهلك لولا وصول باتوو Batou في الوقت المناسب. أخيرا تقرر الغطس داخل السايبر ومواجهة شبح محرّك الدمى. يسرّ إليها الكائنُ أن أصله يعود إلى مشروع 2501، برنامج جوسسة وضعه القطاع السادس يقوم بتنصيب برامج في أدمغة الضحايا للسيطرة عليهم. وحين خلق وعي لهذا الكائن، ظنّه المبرمجون (كان مبرمج حادثة اغتيال الديبلوماسي أحدهم) علّة في البرنامج (bug) فتمّ عزله عن شبكة الاتصالات بسجنه في قشرة سايبورغ.
ثم إنّ محرّك الدمى طلب من الرائد أن يندمجا، ذلك أنّها الوسيلة الوحيدة بالنسبة له أن يتكاثر مثل كلّ كائن حيّ وهو ما حصل في النهاية قبل أن تُجهز طائرات القطاع السادس على قشرة الرائد ومحرّك الدمى.




في المشهد الأخير كان نجاح الدمج واضحا من خلال القشرة الجديدة التي أوجدها باتوو Batou لما يفترض كونه الرائد. كانت قشرة طفلة صغيرة توحي أنّها ثمرة هذا الاندماج.

Friday, February 17, 2017

وصول وعبءُ اللغة


يحكي لنا سفر التكوين عن قصّة بناء برج بابل الشهير، وكيف أنّ الله "بلبل" ألسنة الناس فصاروا يتحدّثون بلغات كثيرة وفقدوا القدرة على التواصل، فعجزوا عن البناء، وانتشروا في الأرض. تحمل هذه القصة البسيطة معانٍ عميقة عن اللغة والحضارة. تبدو اللغة مهدا معقولا للحضارة لما تمنحه من إمكانية لتبادل الأفكار ونشرها وثراء دلاليّ ملهم لها، وهي ـ أي اللغة ـ تنافس العلمَ في هذا الانتساب. وبقدر ما تسهم اللغةُ في التواصل، تملك قدرةً هائلة على خلق سوء الفهم. لقد سبّبت بلبلةُ الألسن في ظهور المجتمعات المختلفة وقد كانت شعبا واحدا، أفلا يعني ذلك تأثير اللغة المباشر في طرق التفكير ما أدّى إلى أنماط عيش مختلفة؟
لم يكن غريبا أن أفكّر في قصة برج بابل وأنا أشاهد فيلمَ وصول Arrival، فكلاهما يطرح الأسئلة ذاتها تقريبا...

إلاّ أنّ فيلم المخرج الكنديّ دنيس فيلنوف Denis Villeneuve من نوع الخيال العلميّ. وتحديدا فئة أفلام "الاتّصال الأوّل" First Contact وهي فئة تهتمّ أساسا بتصوّر الاتّصال الأول للإنسان مع الكائنات الفضائية. لقد قدّمت السينما أعمالا كثيرة تندرج في هذه الفئة منذ بدايات القرن الماضي، ولقد تنامى الاهتمامُ بها خصوصا مع بداية الحرب الباردة، حيث عبّرت أعمالٌ مثل "حرب العالم" The war of the world (سنة 1953) و"اليوم الذي شلّت الأرضُ فيه" The day the Earth stood still (سنة 1951) عن نوع من الرّهاب الجماعيّ للمجتمع الأمريكيّ من الآخر بسبب الحرب الباردة. كما غذّى العداءُ الأمريكيُّ السوفياتيُّ علاقة السينما بفئة الاتصال الأول، من خلال احتدام التنافس في الستينات على غزو الفضاء. وظهرت بذلك أعمال سينمائيّة خالدة من قبيل "2001، أوديسا الفضاء" للأمريكيّ ستانلي كيوبرك Stanley Kubrick وسولاريس Solaris للسوفياتيّ العبقريّ أندري تاركوفسكي Andrei Tarkovsky.
ولم تنقطع هذه الفئة عن إلهام السينمائيّين، وإن كان إلهاما ذا نفسٍ عجائبيّ (Fantastic) أقرب للخرافات المثيرة منه للخيال العلميّ الصارم، ربما لو استثنينا فيلم ستيفن سبيلبرغ الشهير "لقاءات من النوع الثالث" Close encounters of the third kind (سنة 1977) وفيلم اتّصال Contact (سنة 1997) الذي كتبه كارل ساغان العالم الشهير. لذلك كلّه كان فيلمُ فيلنوف مهمّة صعبة، فكيف يوفّق بين الإمتاع الدراميّ والصرامة العلميّة في مبحث عسير كهذا؟

ومثلما يحدّثنا العنوان، يتصوّر الفيلم أحداث وصول حضارة فضائيّة إلى الأرض، عبر اثني عشر مركبة بيضاويّة الشكل استقرّت في مناطق مختلفة من الأرض ومنها الولايات المتحدة. تنطلق بطلة الفيلم، خبيرةُ الألسنيّات لويز Louise إلى مكان المركبة إذ تشرفُ ضمن البعثة الأمريكيّة على عملية التواصل مع الفضائيّين.
ومع التقدّم المدهش الذي تحرزه لويز وصديقُها عالم الفيزياء أيان Ian، كانت بعضُ الدول تشعر بالخوف وبسوء العاقبة من هذه الكائنات المتحفّظة عديمة الملامح، وبدا أن التوافق كان آخر ما يتميّز به أهل الأرض في ما بينهم تجاه الأزمة. فالكائنات تعرض عليهم "سلاحا" ما، دون أن تبيّن ماهو السلاح وما الغرض من إعطائه" وكان على لويز أن تتأكّد من أنّ ما يعنيه الفضائيون بمصطلح سلاح، أنه أداة مفيدة tool وليست أداة للقتل weapon. وفي خضمّ ذلك كان عليها أن تواجه تلك الصور الحزينة في ذاكرتها والتي تجمعها بابنتها منذ ولادتها وحتّى وفاتها بمرض نادر لا شفاء منه.

راوح الفيلم بذلك بين المواجهة التي تشهدها الأرض مع الفضائيّين وبين ما يبدو أنّه معاناة لويز من ذاكرتها، حتّى يخال المشاهدُ أنّ لويز هي الجامع الوحيد بين المسألتين، وأنّ دنيس فيلنوف أضاف ذلك من باب التقرّب من الشخصيّة الرئيسية وإضفاء طابع دراميّ إنسانيّ لمشهد سينما ربّما كان غارقا في التفلسف العلميّ. لكنّنا كنّا طبعا مخطئين، والفضل في ذلك يعود إلى الآداء الرائع للممثّلة آمي أدامز Amy Adams في دور لويز. لقد نجحت آمي في خداعنا طوال قسم الفيلم الأول بملامح وجهها الموحية بالحزن بينما كانت نوعا من الصفحة البيضاء التي كتب فيها دنيس فيلنوف عبر تقنية المونتاج، ما أراد لنا أن نقرأه. قادنا فيلنوف بخبث ومهارة نحو الحلقة الدائريّة المفرغة التي انبنت عليها الحكاية، رغم أنّ المشاهدَ الفطنَ لم يكن لتفوته مقدّمة الفيلم الموحية بلعبة المخرج.

لم تكن هذه البنية الدائرية للقصة أو للسيناريو مجانيّة، فهي ترجمة سينمائيّة لمضمون الفيلم، وأنا أحب هذا الانسجام في المبنى وفي المعنى، بل هذا الالتحام الذي يجعل المبنى مؤثّرا في تلقّي المعنى. أحاط فيلنوف القصّة بالكثير من العناصر التي تشير إلى دائريّة الزمن وعلاقة ذلك باللغة، فقد استعمل موسيقى الخلفيّة التي لا تستحيل بالانعكاس (palindromic) في المقدّمة والخاتمة عن قصد واضح، وأشار إلى هذا البديع اللغويّ المرتبط أساسا بالكتابة من خلال تسمية لويز ابنتَها حنّا Hannah فالإسم يُقرأ في الاتجاهين بشكل واحد. تماما مثل الكتابة الدائريّة التي يستعملها الفضائيون، وكان على لويز فكّ شفرتها.
لقد كان اهتمام المخرج بلغة الفضائيين يعكس جدّيّة طرحه، وعمقه، ويحملنا على أخذ العمل بالتمعّن المطلوب. وجّه المخرج جهودَ الباحثين نحو اللغة المكتوبة بواقعية ممتازة، فاللغة الصوتية لم تكن غير مفهومة فحسب، بل غير قابلة للفهم، ولقد تخلّت لويز عن محاولة البحث فيها منذ نهاية الزيارة الأولى، لتبدأ بالتواصل البصريّ مثلما يفعل خبراء الانثروبولوجيا. خلق فيلنوف من أجل الفيلم لغة بصريّة حقيقيّة هي ال  heptapod B (سباعيّ الأرجل إشارة إلى الفضائيين) بالاستعانة بفريق من الخبراء، وصنّفوا كتابا صغيرا يضمّ أكثر من مائة رسم لفظيّ (Logogram) دائريّ الشكل، لكنّهم لم يستعملوا منه للفيلم أكثر من سبعة وعشرين رسما. كما أنّ تلك البرامج التي استخدمها الخبراءُ ومنهم لويز لتشكيل المعاني بلغة الهيبتابود بي، وتلك الاكواد التي تظهر على شاشات المحللّين للغة، هي فعلا أكواد وبرامج حقيقيّة صنعها ستيفن وولفرام، باستخدام "لغة وولفرام" Wolfram Language.
ومع كلّ هذه الدقة فمن الطبيعيّ أنّ اختيار الحلقة كشكل أساسيّ للغة الفضائيين لم يكن عشوائيا. فهي مثل الكتابات التي لا تستحيل بالانعكاس، لا اتجاه فيها، بل هي ضربٌ موغل في القابلية للانعكاس بما أن الحلقة لا بداية لها ولا نهاية. إنّها الشكل الأمثل للتعبير عن نوع من التحرّر من الزمن.

ولم يكن هذا العمل اللغويُّ مجانيّا، فإذا كانت فكرة التواصل لبَّ الفيلم، فاللغةُ قشرته المتينة. إنّها المرة الأولى ـ ربّما ـ التي يتجاوز فيها فيلمُ خيال علميٍّ يتعلق بالفضائيين، كلَّ نقاش عن الفيزياء ونظريات الكم والنسبية ليلتفت إلى العلوم الانسانيّة. وبشكل أوضح، يعتمد الخيال العلميُّ عادةً على دفع الحقيقة العلميّة بعيدا نحو افاق متخيّلةٍ وإن معقولة أو محتملة. ولم يشذّ فيلم وصول عن ذلك، إلاّ أنّ الحقيقة التي استرسل في تخيّل أبعادها، تتعلّق بتأثير اللغة على تفكير متكلّمها، وكيف أنّها تحمله على نمط تفكير معيّن دون غيره. تعرف هذه الفكرة بفرضيّة سابير وورف Sapir-Whorf hypothesis وفيها رؤيتان، رؤية حتميّة determinist وقد تمّ دحضها، وتقول إنّ اللغة تحدّد نمط التفكير بشكل قاطع، بحيث أنّ تعلّمك مثلا للغة اليابانيين يجعلك تفكّر مثل اليابانيين، وهي أمر مفروغ من استحالته، أما الرؤية الثانية، فهي تأثيرية وتعني أنّ اللغة تؤثّر على نمط التفكير فتلهمه أو توجهه ولو بقدر ضئيل. وهي رؤية لا تزال موضع جدل بين اللغويّين. لكنّ كثيرا من الأدباء اعتمدها، وأشهرهم جورج أورويل في رائعته 1984 حيث كان الأخ الأكبر يقضي بتصنيف معجم لغويّ للمفردات المسموح بها كل مرة، وكان هذا المعجم يصغر في كلّ نسخة جديدة حتّى يمنع الناس من كلّ قدرة على التعبير عن معاني التمرد والحرية والرفض، وبذلك يجنح تفكيرهم إلى الخضوع.
أخذ فيلنوف هذه الفرضيّةَ ببساطة وسأل السؤال : كيف يكون تأثير اللغة على الإنسان، إذا كانت قادمة ممّا وراء النجوم؟ وكان تصوّره للإجابة جديرا بخيال علميّ محترم.
ربّما بإمكاننا أن نستغرب سرعة التغيير الذي طرأ على تركيبة لويز الذهنية، فهي لم تتقن اللغة الفضائية بالبراعة المطلوبة حينما بدأت الصورُ تراودها. كما أنّ تغيّر طريقة تفكيرها أثّر بشكل منعزل على رؤيتها للزمن، لا أثار جانبيّة إطلاقا فلويز هي لويز. يمكن أن يُعزى ذلك إلى الجانب الخيالي في القصة، أي الجزء الذي تُستغلُّ فيه الفرضيّة العلميّةُ إلى منتهاها بشكل مبالغ حتّى الخيال.




ورغم الاتقان الكبير الذي ميّز الجانب اللغويّ فيما يتعلق بالخطاب الأرضيّ الفضائي، فقد كان فيلنوف مستهترا قليلا بنفس الجانب حينما يتعلق بالخطاب الأرضيّ أرضيّ. لقد رأينا على شاشات التلفاز التي تنقل للأمريكيّين وقائع ما يحدث في دول العالم الأخرى التي استقبلت الفضائيين، كوارث لغوية، وعبارات لا تمتّ للأحداث بصلة، كأنّ فيلنوف لا يعلم أنّ فيلمه ستستقبله الاف الشعوب على الأرض وتشاهده. ربّما كنتُ العربيَّ الوحيد الذي يضحك ساخرا من عناوين الأخبار السودانيّة في قاعة السينما الفرنسيّة التي تابعتُ فيها الفيلم، لكن من المؤكد أنّ هناك صينيّين وباكستانيين ودنماركيين ضحكوا لعشوائية العبارات المكتوبة أيضا. كما يبدو أنّ فيلنوف استهان كثيرا باللغة الصينيّة التي تعتبر أساسيّة جدا في حبكة الفيلم. وذلك على مستويات عديدة :

  • لويز لم تكن تتحدّث بصينية سليمة، بل لم تكن تتحدث بأي شيء يشبه صينيّة الماندارين التي ذكرت أنّها تجيدها أو حتّى صينيّة يو (Cantonese). وأعتقد أنّه كان بالامكان تلافي هذا الأمر بتدريب آمي أدامز ولو لشهر على نطق تلك العبارات.
  • قائد الجيش نفسُه كان يتحدّث بصينيّة ماندارين ركيكة مع الكثير من صينيّة يو ممّا لا يليق بشخص في مثل رتبته. (الممثّل تسي ما Tzi Ma من مواليد هونغ كونغ التي تتحدث صينية يو بالأساس)
  • عمليّة ترجمة المحادثة التي التقطها الأمريكيون عن الصينيّين والتي تتعلّق بعزم الصينيّين تعليم الفضائيين اللغة بواسطة لعبة الأوراق الصينيّة الشهيرة Mahjong، جعلت لويز تخلط في التأويل بين "suit" بمعنى منظومة الأوراق، و"suit" بمعنى البدلة، وهذا أمر غير ممكن إلاّ في الانكليزيّة، لأنّ الكلمتين في الصينيّة كما في العربيّة مختلفتان تماما.

ورغم أنّ مشاهدا مثلي لا يمكنه التفريق بين أنواع الصينيّة لم يكن ليكشف أغلب هذه الهنّات، إلاّ فكرة الخلط في التأويل كانت بشكل ما واضحة ومحبطة، لأنّها أساسيّة للحبكة وتعبّر عن معنى مهمّ في الفيلم. فقد أدّى تعليم الصينيّين للفضائيين لعبةَ الورق، أنّهم استعملوا معجما قريبا لتبليغ أفكارهم وهو ما أدّى إلى ذعر الصينيّين بخصوص "السلاح" الذي اقترحه الفضائيّون.

ظهر هذا التهاونُ أيضا في عمليّة إسقاط أزمة سوء الفهم على العلاقة بين البشر. فكما سبق ذكره، تمثّل المشكلة اللغويّةُ غلافا متينا لمشكلة التواصل بما أنّ التواصل يمرّ ضرورة عبر اللغة. وكما تساهم اللغة في إرساء التواصل، يمكن أن تساهم أيضا في سوء الفهم. ولقد حاول فيلنوف إبراز هذه الفكرة من خلال مثال التواصل مع الفضائيّين، ليلمّح إلى أنّها أيضا مشكل أساسيٌّ بين الشعوب. لقد لاحظنا أنّ الخوفَ (وهو المحرّك الأساسيُّ للحماقات الناجمة عن سوء الفهم) الذي ولّده سوء فهم الفضائيّين، أسفر عن انقطاع التواصل بين مختلف الحكومات، رغم أنّ غرض الفضائيّين من وراء التموضع في اثني عشر موقعا مختلفا، كان إجبار الأرضيّين على التعامل في بينهم والتعاون والاتحاد.
وحتّى عملية الإنقاذ الأخيرة، كانت وراءها رمزيّة واضحة تقدّم الحوار مع الآخر كحلّ أساسيّ لتجاوز الخلافات. فإن كانت اللغة مصدرا لسوء الفهم، فإنّ الكثير منها قد يكون دواءً لسوء الفهم هذا.
غير أنّ المشهدَ الذي أراده فيلنوف أن يبدوَ رومانسيّا بهذا الشكل، عبّر أيضا عن أمر آخر. سنلاحظ بسهولة أنّ الصين كانت تشجّع الحلّ العسكريّ عكس الولايات المتّحدة، وبمنظور الفيلم يمكن اعتبارها الجانب المعرقلَ أو الشرّير، ولقد تبعت الصين في ذلك، السودان وروسيا، ما يجعل الصورة أشبه بنسيج من إعداد واشنطن لا هوليود. وهي بذلك صورة تفتقر كثيرا لمعرفة الآخر وتقع في سوء الفهم الذي تحاول انتقاده.

كما يمكن أن نضيف إلى عناصر السذاجة في الفيلم، بعض المسائل المتعلّقة بلزوميّات الدراما الهوليودية في مقابل الصورة الواقعيّة التي يتطلّبها هذا النوع من الخيال العلميّ الثقيل Hard Science Fiction. لويز مثلا عالمة اللسانيات تبدو أقرب إلى خبيرة ترجمة، فهي تجيد الحديث بلغات كثيرة ومختلفة بل وتجيد الترجمة الفوريّة أيضا بشكل أثار حفيظة خبيرة اللسانيّات الّتي رافقت آمي أدامز Amy Adams خلال تجسيدها للدور. لكنّهم قالوا لها : هذه هوليود!
وبمثل ذلك الشكل المسرحيّ، هرع العقيد ويبر Colonel Weber قائد المنطقة العسكرية المغلقة قرب المركبة الفضائية إلى مكتب لويز، تاركا مسؤوليّاته الجسيمة خلفه رغم أنّه لم يمرّ على الوصول أكثر من يومين، ولا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث. هل كان استدعاء خبيرة لسانيّات يحتّم قدومه شخصيا؟ ولو فرضنا أن السرية تحتّم، هل بدت المنطقة العسكرية على هذا القدر من السريّة خصوصا بعد محاولة بعض الجنود تفجير المركبة؟
ماذا عن فريق البحث؟ جاءت لويز لتجد فريقا جاهزا ينتظر فقط قيادتها. على ماذا كان يعمل؟ وهل هو فريق من خبراء اللسانيات أم فريق من التقنيين المكلّفين بالتنفيذ (تنفيذ ماذا؟) أجل غادر رئيس الفريق بعد اللقاء الأول، ولكن لماذا لم يضعوا خبيرا من الفريق محلّه؟ لماذا يأتون بشخص آخر ليرأس من جديد؟ ثم هل غادر رئيس فريق اللسانيات ورئيس الفريق العلميّ معا في الوقت نفسه؟ أخيرا كيف يقرّر نظراؤهم في الدول الأخرى قطع البثّ دون العودة إلى سلطة الإشراف السياسية؟ وبمناسبة الحديث عن سلطة الإشراف السياسية، لماذا تبدو الصين العظيمة ذات المليار ونصف ساكن، مجرّد رجل واحد، يقود الجيش، يتخذ القرار السياسيّ، يلقي الخطب، ويحضر في الحفلات أيضا! هل كان الحديث عن عناده أمام رؤسائه كافيا ليدحض تلك الصورة الشبيهة بكيم جونغ أون؟



غير أنّني لا أريد أن أبدوَ متشائما. لقد كان وصول رغم كل هذه الهنّات على مستوى التصوّر الدراميّ، متين الحبكة، مشوّق القصة، مثيرا في لحظات كثيرة، وكانت المادّة العلميّة فيه على قدر محترم من الدقّة والعناية. وكان المحتوى على انسجام كبير مع المبنى. ما جعل المفارقة الزمنيّة التي سبّبتها معرفةُ لويز المسبّقة بما سيحدث، مقبولةً ورومانسيّة أيضا. تقول لويز في النهاية "رغم معرفتي بالرحلة وإلى أين ستذهب بي في النهاية، فأنا أحضنها، وأرحّب بكلّ لحظة منها." (مع ذلك رأينا كيف فاجأتها الدكتورة بالخبر المريع وكيف انتابتها نوبة بكاء مرير).

مع وصول، تبرزُ اللغةُ كعامل حاسم لخلق الإنسان الجديد، الإنسان القادر على تجاوز حدود الزمن وحدود الفلك، مثلما كانت عاملا حاسما في خلق الحضارة. لكن هل يمرّ ذلك وجوبا عبر توحيد اللغة؟ هل نحتاج إلى لغة كونيّة واحدة تجبرنا على التوحّد وتجاوز سوء الفهم في ما بيننا؟ تبدو الدعوة إلى التوحيد في الفيلم متوازية مع الدعوة إلى الاعتماد على اللغة كوسيلة للتقارب وفض النزاعات، فهل يشير فيلنوف إلى عولمة اللغة، أم إلى الانفتاح على تنوّعها وتعدّد رؤى الإنسان للعالم عبرها؟

العنوان : وصول Arrival
السنة : 2016
المخرج : دنيس فيلنوف Denis Villeneuve
البطولة : آمي أدامز Amy Adams، جيرمي رينّر Jeremy Renner
الصنف : خيال علمي، دراما
المدّة : 116 دقيقة

There was an error in this gadget

Translate