Sunday, March 26, 2017

رحلة البحث عن شبح داخل القشرة

لايزال يُنظر إلى جنس الخيال العلميّ على أنّه من درجة ثانية، حاملةٌ فنيّة للميزانيات الضخمة، والمؤثرات البصريّة المبهرة. وليس من الصدفة أن يقترن بالرعب بالأكشن. والأكيد أنّ أيقونات سينمائية مثل أوديسا الفضاء 2001، وبلايد رانر Blade Runner لم تحصل على حقّها من التقدير إلاّ بعد مرور وقت طويل على عرضها، كأنّها من الصعوبة والتعقيد بحيث تستعصى على أهل عصرها. ويعتبر جنس الصور المتحرّكة أقل جدّية بما أنه ينسب آليّا للأطفال. ورغم هذا السياق المُحبط ظهر فيلم الأنيمي اليابانيّ "شبح داخل القشرة" Ghost in the Shell كطفرة نوعيّة في جنس الخيال العلميّ والصور المتحرّكة، وكان عليه أن ينتظر بعض الوقت ليتّخذ مكانته التي يستحقّ.





عالم Ghost in the Shell
كأغلب أعمال الانيمي الياباني، يعود أصل "شبح داخل القشرة" إلى قصة مصوّرة يابانية Manga لمؤلّفها ماساموني شيروو Masamune Shirow. أصدر ماساموني ثلاث قصص مختلفة انطلاقا من سنة 1989 إلى حدود سنة 1997، وجميعها تحت عنوان "الشرطة المدرّعة لمكافحة الشغب" Kōkaku Kidōtai مع انفراد كلّ قصّة بعنوان خاصّ، فكان نصيب القصّة الأولى (ظهرت حلقاتها بين 1989 و1990) إسم "الشبح داخل القشرة" وهو ما اعتمده مامورو أوشيي Mamoru Oshii كعنوان للفيلمين اللّذين أخرجهما سنتي 1995 و2004 وأثار بهما الانتباه إلى هذا العالم.


تلى الفيلمَ الأول أعمال أخرى كثيرة للسينما والتلفاز وألعاب الفيديو ومجلاّت القصص المصوّرة، لعلّ أبرزها الجزء الثاني سنة 2004 بعنوان Ghost in the Shell 2.0 : Innocence ومسلسل بجزئين بين 2002 و2005 بعنوان GITS : Stand alone complex.  وانتهى الأمر هذا العام إلى التبييض أو لنقل إلى الأمركة، من خلال فيلم حيّ من بطولة النجمة الهوليوديّة سكارلت جونسون Scarlet Johanson، ولكن لنترك هذا لوقت آخر.


ما يعنينا في هذا الحديث هو الفيلم السينمائيّ الأول الذي أخرجه مامورو أوشي سنة 1995 وأدار به الرقاب مرّة أخرى للأنيمي اليابانيّ كحاملة ملهمة للخيال العلميّ، وذلك بعد النجاح العظيم الذي حقّقه فيلم أكيرا Akira سنة 1988.
غير أنّ فيلم أوشي يذهب بصنف السايبر بانك Cyberpunk إلى مستويات أبعد ممّا جاء به أكيرا، بل وأبعد من فيلم Blade Runner (سنة 1982) الذي أسّس بشكل ما هذا الصنف من الخيال العلميّ. واستطاع بفضل جمعه بين الجماليّات البصريّة والمادّة الفكريّة الثقيلة والشكل السرديّ المعقّد أن يرفع مستوى الخيال العلميّ عموما، وأن يؤثّر بشكل واضح في السينما العالميّة على مدى قصير. ولأنّ عالم Ghost in the Shell ليس عالما بسيطا على غير المهووسين بالسايبر بانك، فقد ارتأيتُ أن أبدأ كتابتي عن الفيلم بشرح قصّته الملتبسة.


سيناريو ملتبس بين الحوار ومشاهد الحركة

يمكن اعتبار GITS من أعقد الأفلام على مستوى السيناريو، ولا يعود ذلك إلى بنية سرديّة غير خطيّة، ولا إلى استعمال أساليب سردية مثل الاسترجاع الفنيّ (flashback)، فالقصّة تتقدّم وفق نسق سرديّ خطيّ بسيط. لكنّ أوشيي لا يقدّم لنا إلا المعلومة التي يعرفها أبطال الرواية (فريق القطاع التاسع Section 9)، أي أنه يفرض علينا مشاركة الفريق في عمليّة تحليل المعلومات وتأليفها لفهم ما يحدث.
لكنّ التعقيد لا يتوقّف عند هذا الأمر، إنّ أبطال الفيلم لا يدلون بتلك المعلومات المهمّة إلا في أسوأ الأوقات وعلى مساحة زمنية محدودة لا تلبث مشاهد الأكشن أن تبتلعها وتشتّت انتباهك بحيث لا تجد الوقت الكافي لاستيعابها. وهو أحد عيوب الفيلم لأنّه لم يستعمل ذات الأسلوب في مشاهد الحوارات الفلسفية التي لا تؤثّر مباشرة على السيناريو.


أما آخر مستويات التعقيد، فهو أنّ المشاهد يُحمل على هذه المهمّة في الوقت الذي يحاول فيه التعرّف على العالم الذي وجد فيه. فلا مقدّمات كثيرة هنا، ويجب عليك أن تتعلّم من بين تفاصيل المشهد أنّك في عالم المدينة الفاسدة (Dystopia)، حيث يسبح كل شيء بما فيه الجريمة في الفضاء السايبري (Cyber) الذي تتجرّد فيه الأشياءُ من كيانها الماديّ وتصبح كيانات معلوماتيّة بحتة (نحن اليوم في عصر انترنت الأشياء IoT بالفعل). عليك أن تدرك أيضا أن الذكاء الصناعيّ بات طاغيَ الحضور، وأنّ تغيير أعضاء الجسد بقطع الكترونية أكثر نجاعة بات ثقافة شعبية تقريبا. وبفضل أسلوب التعزيز (Augmentation) أمكن توصيل الدّماغ بالعالم السايبيري ليتماهى بشكل ما الذكاءُ الطبيعي والصناعيّ في بحر السايبر المعلوماتيّ اللامحدود... وفي وسط كل هذا يعمل القطاع التاسع Section 9 بشكل سريّ، لينجز تلك المهام القذرة التي لا يمكن أن تعلق بسجلات الدولة. يرأسُ القطاع التاسع المديرُ أراماكي Aramaki ويشرف على وحدة التدخل الرائدُ موتوكو كوساناغي Motoko Kusanagi وهي شخصية الفيلم الرئيسيّةُ وتضمّ الفرقةُ فيمن تضمّ باتوو Batou وتوغوسا Togusa.
تقوم قصّةُ الفيلم على قضيّة محرّك الدمى (Puppetmaster) القرصان الذي يخترق مستويات أمنية عالية، ويفرض على وحدة الرائد موتوكو التدخل، ما يجعلها تكتشف تورّط بعض أجهزة الدولة في ممارسات لا قانونية، انجرّ عنها ميلاد كيان جديد في عالم السايبر، ينشد أن يحقّق ذاته من خلال الاندماج مع بطلتنا.
على هذا الرّابط وضعتُ شرحا كاملا للقصّة، حتّى لا أطيل هنا في الحديث عنها، وأنتقل إلى عملية القراءة.


قشرة جمالية تغلّف محتوى عميقا

كانت عناية مامورو أوشي بالصورة بالغة الدقّة، وتتسرّب إلى أطرافها وتفاصيلها الصغيرة، ولقد ذهب في ذلك حتّى التطرّف في الفيلم الثاني. صحيح أنّه لا يمكن فهم السيناريو بدون الانتباه إلى كلّ حرف من الحوار، ولكنّ الصورةَ تحمل جزءا كبيرا من المعنى، وبعيدا عن سيناريو الفيلم، فإنّ أوشيي فكّك شخصيّة الرائد كوساناغي عبر الصورة أكثر من أي شيء آخر، وبفضل عملية التفكيك Deconstruction هذه، اكتسب Ghost in the Shell قيمته الفنية العظيمة.


وقبل التطرّق إلى شخصيّة موتوكو، يجب الاهتمام أولا بالعالم الديستوبيّ الذي لا يدرَك إلاّ من خلال المَشاهد. فالقصة لا تشرح أيّ شيء عنه، والحوار يكتفي بتسمية التقنيات في أغلب الأحيان دون يشرح وظائفها. وحدها الصورة تسمح لنا بفهم كلّ ذلك. لقد فهمنا تقنية التمويه بمجرد أن استعملتها الرّائد موتوكو في بداية الفيلم، وفهمنا أنّها تقنية لا تتاح إلاّ للخاصّة، انطلاقا من ردّة فعل مدير القطاع السادس. كذلك أسلوب الغطس Diving الذي يسمح لشبح/روح الغطّاس بالتدفّق عبر السايبر ومواجهة الأشباح الأخرى أو الحلول في قشرة/جسد آخر. كما استعملت تقنيات أخرى كثيرة دون أي شرح أو تلميح لبداهتها، ولأنّها في سياق زمنها ليست خارقة للعادة يمكن للشخصيات أن تتحدّث حولها، مثل الصور الهولوغراميّة المستعملة في كلّ مكان، والدماغ المعزَّز Augmented بحيث يمكنه التواصل بشكل مباشر على قنوات اتصال خاصّة، وتلك الوصلات خلف رقاب أعضاء القطاع التاسع التي تمكّنهم من الاتصال المباشر بالأشياء.
إنّ عدم حاجة أوشي لشرح كلّ ذلك الكمّ من المصطلحات والتقنيات يدلّ على نجاحه في تصميمها وفي دمجها بالمشهد دون أن يؤثّر ذلك على فهم المُشاهد.


يقرب هذا العالم كثيرا من ذلك الذي صمّمه ريدلي سكوتّ لبلايد رانر Blade Runner، الذي استوحاه بدوره من فيلم ميتروبوليس Metropolis، حيث يتميّز بالمقابلة الحادّة بين البناءات الشاهقة المتطوّرة والحياة السردابيّة underground البدائيّة والمتوحّشة والبائسة، بين كثرة الأضواء المنبعثة من المغازات والإعلانات وإشارات المرور من جهة، والجوّ الليليّ المظلم المخيّم على المشهد من جهة أخرى. في هذا العالم، تكون مراكزُ القرار، ومقرّاتُ أجهزة الدولة، ومقابلاتُ المجرمين الكبار في الأعالي، بينما يوجد المجرمون الصغار، والخراب الناتج عن قرارات الكبار، في الأسفل. لقد كان واضحا أنّ ما يحدث في الأعلى ينعكس دائما سلبا على الأسفل في مقاربة خفيّة مع شخصيّة محرّك الدمى الغامض. لا ننسى هنا أنّ الدمى كانت دائما في الأسفل.




تحاول الرائد موتوكو كوساناغي أن تتخذ موضعا أعلى من المتحكّمين بهذا العالم، وهو ما تعبّر عنه بداية الفيلم المثيرة. تقف فوق قمّة المدينة وتتواصل مع فريقها بحسّ مرح يكشف جزءا من شخصيّتها، قبل أن تتجرّد ببساطة من ملابسها وتقفز من علٍ. ظلّ ذلك المشهد المثيرُ علامة مسجّلة لـ Ghost in the Shell، تباعا لمشهد الخلق العظيم. حيث يراوح أوشي في شارة البداية بين أسماء أعضاء الفريق وبين عمليّة صنع السايبورغ الذي سيصبح الرّائد كوساناغي، وذلك على خلفية موسيقى فريدة من نوعها ابتدعها العبقريُّ كنجي كواي Kenji Kawai انطلاقا من الفولكلور البلغاريّ. تبدو المقاربةُ في مشهد الخلق بين تصنيع كوساناجي وتكوّن الجنين وولادته كبيرة جدا. فإذا كان الثاني ينطلق من نطفة، فإنّ الأول ينطلق من الخلايا العصبيّة التي يعزّزها دماغ الكترونيّ. تختلف التأويلات وتكثر بشأن طبيعة دماغ كوساناجي، بعضهم يعتبره مخّا طبيعيّا وبعضهم يقرّ بأنه صناعيّ تماما وأنّها ليست بذلك كائنا بشريّا. الأرجح أنّ الدماغ كان مخّا بشريّا معزّزا Augmented بشرائح إلكترونيّة تدفع بقدراته وتسمح له بالتواصل مع السايبر وبالتحكم في الأعضاء الالكترونيّة للسايبورغ. ثم إنّ الجسم وقد اكتمل قوامه يتّخذ وضعا شبيها بوضع الجنين، يسبح في ماء كأنه سائل أمينوسيّ، ثمّ يرتفع شيئا فشيئا نحو السطح، فيخرج الرأس أوّلا، ثمّ يمعن الرسّام في المقاربة فتتفتّت القشرة البيضاء وتنجلي عن بشرة آدميّة كأنّها قشرة بيضة.
في المشهد الموالي تماما، نرى الرائد موتوكو في غرفتها، تفتح عينها كأنّها كانت نائمة، تحرّك أصابع يدها، كأنما تحاول التيقّن من أنّها على قيد الحياة، لكنّنا نفهم أنّ المشهد السابق كان حلما أو ذكرى بعيدة...
ومن الواضح أنّ المشهد من البساطة والثراء ما دفع الأختين واشوسكي (أخوان آنذاك) إلى استعماله في الماتركس. والحقيقة أنهما لم يقتصدا كثيرا في استعارتهما من Ghost in the Shell، ويمكن الإشارة بشكل خاصّ إلى استعمال حركة الرموز الخضراء على خلفية سوداء لتشكيل عناوين شارة البداية، ولتشكيل عالم السايبر، حيث أصبحت بعد أربع سنوات فحسب سمة فيلم الماتركس المميّزة.





لا يمنح السايبر بانك مساحة كبيرة لإبداع بيئة القصّة، فعناصر المشهد في الغالب مكرّرة ومعروفة (الظلمة، البناء الشاهق، الزحمة في الأسفل، الذكاء الصناعيّ، الخ)، لكنّ Ghost in the Shell استطاع أن يضفيَ فرادة على بيئته، وأن يمتاز بفضل تصوّر عميق حتّى التفاصيل لمختلف التقنيات المستعملة، ويصبح بذلك جزءا من الثقافة الشعبية العالمية. كما اضطلعت هذه العناصر بوظيفتها الطبيعية في التعبير عن مضمون الفيلم وبشكل خاصّ عن شخصيّة الرّائد موتوكو ورحلتها الوجودية المثيرة.


موتوكو ومحرّك الدّمى

اِنبنت القصّة على مهمّة البحث عن محرّك الدّمى الغامض، ومع تقدّم الأحداث، نكتشف أنّنا في الحقيقة نشارك الرّائد موتوكو رحلة بحثها عن نفسها. إنه ذات القالب العبقريّ الذي عرفناه مع رائعة إنغريد برغمان، Persona.

يبدأ الفيلم مع ما يبدو أنّه ولادتُها، وينتهي عندما يبدو أنّه ولادة جديدة لها، في صورة هي أقرب لفكرة العود الأبدي التي قدّمها نيتشه في "هكذا تكلّم زرادشت". ليس هذا التجلّي الوحيد لفلسفته الوجوديّة، ففكرةُ الارتقاء كانت أيضا جليّة، خصوصا في المشهد الأخير، إذ تجري أحداث المعركة الأخيرة للوصول إلى الحقيقة داخل متحف قديم للبيولوجيا، ولا شكّ أنّ شجرة التطور البيولوجي لم تكن لغرض استيطيقيّ فحسب. لقد أصابت الرصاصات كلّ تلك الأنواع المنقرضة وفتحت الباب لنهاية الإنسان وبداية نوع جديد بشّر به نيتشه تحت إسم "الأرقى من الإنسان" أو الأعلى من الإنسان Übermensch. عند هذه الشجرة المبشِّرة، انصهر شبحا موتوكو ومحرّك الدمى، وولد الكيان الجديد.




بدا الكيان الجديد الذي يمثّل موتوكو أو يحمل وعيها بشكل ما، راضيا عن نتيجة هذا البحث الوجوديّ، رغم أنّه لم يصل في النهاية للإجابة عن سؤال: هل إنّ موتوكو بشر أم ذكاء صناعي؟
كان هذا السؤال شغلها الشاغل منذ بداية الفيلم حينما فتحت عينيها محرّكة أصابعها، متسائلة في قرارة نفسها إن كان مشهد الولادة جزءا من ذاكرتها أم أضغاث أحلام. ومع تقدّم بحثها عن محرّك الدمى تزداد تساؤلاتها بشأن وجودها. فأساس دماغها بشريٌّ تمّ تعزيزه وتغليفه داخل قشرة سايبورغ مصنّعة، لكنّها لم تر دماغها ولا تقدر على ذلك، كما قالت لباتوو، فما الذي يجعلها هي؟


كان هذا التساؤل هو أساس تصميم شخصية موتوكو من قبل ماساموني شيرو، فحالتها مثال عبقريّ لما تخيّله الفيلسوف الفرنسيّ رنيه ديكارت منذ كتابته مقالة المنهج سنة 1641. طرح ديكارت فكرة أنّ وعي الإنسان بذاته مستقلّ عن كل وجود فيزيائيّ، لما يمكن أن تقع فيه الحواسّ من أخطاء في التقدير، واعتبر أنّ الإنسان يدرك وجوده بصفة بديهية بمجرد التفكير فيه، ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة "أنا أفكّر إذا أنا موجود" Cogito ergo sum.
ومع ظهور فلاسفة الوضعية، والماديّة، تمّ دحض هذه الفكرة على اعتبار أنّ عمل التفكير له أساس ماديّ سابق، وأنّه بذلك لا يسبق الكينونة، وهو ما أبرزه كيكرغارد Kiekergaard في نقده للكوجيتو، ف"أنا" التي تسبق "أفكر" تفترض وجود كينونة تمارس عملية التفكير بالفعل.
تمّ تخليص الرائد من جسدها الذي يعدّ دوما دليلا واضحا على كينونتها. ففي هذا العالم المستقبليّ، يبدو منطقيّا جدا أن يحاكي التطور الالكترونيّ حركة العضلات والأعصاب ويجعل من الجسم البشريّ أبعد ما يكون عن المعجزة، ولكنّها مع ذلك تحتفظ بوعيها بذاتها، وإحساسها العميق بكينونتها. إنّ هذا الإحساس هو ما يحدّد وجودها. وهي بذلك تنتصر لكوجيتو ديكارت.


لقد ذهب الكثيرون إلى أنّ الفيلم لم يقدّم إجابة واضحة في ما يخصّ وجود الشبح/الروح أم لا. لكنّني أرى أنّ الفيلم فعل العكس تماما وإن لم يحدّد طبيعة هذا الشبح بشكل قاطع. فلم يكتفِ ماموري أوشي بتجريد الرّائد من كيانها الماديّ، وإنما افترض امكانيّة وجود "كيان" غير مادّي مطلقا من خلال شخصيّة محرّك الدمى. إنّ الجسد البشريّ في هذا العالم لا يعدو أن يكون غير قشرة Shell لجوهر المرء. ومنذ أن كنّا نتحدّث عن عالم ميتافيزيقيّ أفلاطونيّ تسبح فيه الأرواح، صرنا في عالم سايبيريّ متكوّن فحسب من المعلومات تسبح فيه "الأشباح" سواء كانت بشريّةً أم معلوماتيّة بحتة.
لقد عزّز ماموري هذا الانفصال التامّ بين الوعي والجسد، من خلال علاقة الرّائد بجسدها. إنّ هذه العلاقة معقدة وملتبسة وعبقريّة في كلّ مشهد. يتناقض شكل جسدها الأنثويّ الفاتن مع قدراته العضلية المذهلة، وهي رغم هذا وذاك، لا تتصرّف بغلظة الذكور ولا برقّة الأناثي. بل لا يبدو أنّها تقيم وزنا كبيرا لجسدها، ففي كل مرّة تحتاج فيها إلى استعمال تقنية التمويه، تترك ملابسها جانبا بدون أيّ حرج، بل تلقي بالحرج على باتوو الذي يسارع في كلّ مرة بالغطاء. وفي المشهد الموالي لغطسها في البحر، لم يخفَ حرجُه الشديد من تبديل الرّائد لملابسها أمامه في غير مبالاة. وتمعن الرّائد في السخرية من أنثويّة جسدها بتلك المزحة التي ألقتها على باتوو منذ بداية الفيلم حين سألها عن سبب التشويش في ذهنها :"لا بدّ أنه وقت عادتي الشهرية"!
لكنّ الرّائد لا تشعر بجنسها كأنثى بحسب، بل إنّها لا تشعر بجسدها كلّه، ولقد أثبتت ذلك بدون تردّد في المعركة الأخيرة ضدّ المدرّعة، حين استنفرت قواها لاجتثاث رأس المدرّعة، واستهترت تماما بحدود جسدها السايبورغي الذي يبدو أنه غير مجهّز بلاقطات ألم، فتمزّقت أطرافه بقسوة.




لقد أسّس كلُّ ذلك لقطيعة واضحة بين وعي الرّائد بذاتها، ووجودها الماديّ المتمثّل في قشرة لا معنى لها، يمكن الحلول في غيرها ببساطة كما حدث في مشهد تبادل الأجساد في النهاية مع محرّك الدمى، أو المشهد الأخير حين حلّت في جسد طفلة صغيرة. وهذه القطيعة تناقض تماما فلسفة نيتشه الوجوديّة التي تضع الجسد كجوهر في حدّ ذاته. ولكنّها في الآن نفسه تتفق معه في جانب آخر، فرغم رفض الفيلم لطبيعة الكينونة الماديّة، لم يبحث أن يحدّد لها طبيعة ميتافيزيقيّة أيضا. فتمّ استبدال مفهوم الروح بمفهوم تقنيّ يسمّى "الشبح" ليجمع بين الكينونة البشريّة والكينونة المصنّعة، إذ أنّ له قدرة على التدفق على بحر المعلومات مثل برامج الذكاء الصناعيّ، ومثل محرّك الدمى الذي وعى بوجوده دون أن يكون له حلول ماديّ. لقد أقرّ الفيلمُ فعلا بوجود الشبح، وأقرّ ببعض خصاله وقدراته، ولكنّه لم يحدّد أبدا ماهيّته بل وأكساه دوما طابعا غامضا محيرا، كما ورد على لسان موتوكو حينما سئلت عن سبب ترجيحها افتراضا دون آخر :" إنها همسة سمعتها داخل شبحي"، وهذا الهروب من التحديد هو الفكرة الرئيسية لGhost in the Shell.


كان واضحا منذ البداية أن الرّائد كوساناغي تبحث عن إثبات كينونتها وطبيعتها البشريّة لنفسها. في البداية من خلال تلك المقاربة بين تكوّنها وبين عملية الولادة الطبيعية كما تقدّمت بالتّبيين. ثمّ مع تلك الأسئلة التي تفرضها عليها عملية البحث عن محرّك الدمى: إنّها حتما ليست ذلك الجسد الذي تخسره بمجرّد حلولها على التقاعد، وهي ليست ذاكرتها التي يمكن أن تكون مزيّفة كما أثبتت ذلك حادثة عامل النظافة الصّادمة (وهي ذات الفكرة التي قدّمها فيلم Blade Runner بشكل عبقري أيضا). وهي أيضا ليست ما يتحدّد عبر الآخر مثلما قال لها باتوو "أنت تُعاملين على أنّك إنسان، فتوقّفي عن هذا القلق"، فلا أحد يعترف بكينونة محرّك الدمى رغم إصراره على ذلك.
هكذا افتقدت كينونتُها لامتدادها في الماضي ولحلولها في الحاضر، ولم يبق لها من فضاء لتتحدّد فيه سوى المستقبل. أدركت الرّائد كوساناغي في النهاية أنّ كلّ محاولة لتحديد الماهيّة، ليست إلا عمليّة حدّ لها ولقدراتها العظيمة على التطوّر. إنّ كيانها يتشكّل بصفة متواصلة، والخيارات المتاحة عظيمة ـ كما ذكرت في عبارة الختام "الشبكة (السايبر) واسعة ولا حدود لها" ـ وكلّ محاولة للحصر هي في النهاية محاولة للتقليص من هذه الخيارات. بقبولها الاندماج مع محرّك الدّمى، أعلنت الرّائدُ رفضها لهذا التحديد، وتخلّصت من خطيئة البحث عن نفسها، من أجل فضيلة خلق نفسها والارتقاء بها.


إنّ احتفاء الفيلم بعملية التطوّر الارتقاء عظيمة فعلا. يقترح الفيلم أنّ تطوّر الحياة أعمق أثرا مما نلحظه من تطوّر فيزيولوجيّ، إنّه تطوّر للبرنامج الأساسيّ الذي ينبثق عنه الكيان المادّيّ، أي الحامض النووي، أي أنه في النهاية تطوّر للمعلومة ليس إلاّ، وهو بذلك يفتح بابا لنوع من التطوير الرقميّ.
لا تأخذُ الحياةُ قيمتَها إلاّ بفضل الموت، فالموتُ يمنحُ الإنسان الفرصة إلى خلع نسخته (version) القديمة وانتحال نسخة معدّلة، وهو جوهر التطوّر. إلاّ أنّ هذا لا ينتج عن عمليّة نسخ أمينة (copy) وإنما عبر عمليّة تأليفيّة تنتج شيئا جديدا، وتسمّى التكاثر. لقد كان محرّك الدمّى يعي بكل ذلك وهو يستدرج الرّائد موتوكو إلى الخاتمة، كانت فكرته النهائيّةُ هي أن يثبت وجودها بشكل كامل من خلال عملية تكاثر، تنتج شيئا جديدا. أليس هذا رومانسيّا؟
يمكن بشيء من المرونة رؤية القصّة على أنّها قصة حبّ فريدة بين موتوكو ومحرّك الدمى، كان كلّ منهما يبحث عن الآخر في ذاته، أو يبحث عن ذاته في الآخر. عبّرت عن ذلك لقطات موتوكو العديدة أمام سطح عاكس (مرآة، سطح الماء، بلوّر…) ومقابلتها بلقطة النهاية حيث يتواجه الوجهان كانهما انعكاس لبعضهما البعض.
شبحان/روحان يبحثان عن بعضهما البعض طيلة الفيلم كأنّهما نصف يبحث عن نصفه الآخر، يحلّان في قشور (أجساد) مختلفة متنوّعة، حتّى ينتهيا إلى التقابل في عالم السايبر، تماما كتلك الصورة الأفلاطونية الطوبويّة، وتنتهي حياتهما بالاندماج وإنجاب/إنتاج كيان جديد سيواصل الرحلة. لا صدفة إذا أنّ موسيقى مشهد الولادة، هي موسيقى زفاف بالأساس!

 
لكنّ Ghost in the Shell في ثمانين دقيقة فحسب، ينثر أسئلة أكثر من هذه بكثير في أرجاء المشاهد والحوارات، وفي تفاصيل القصّة البسيطة الحبكة، والمعقّدة السرد. لذلك فهو يستحقّ عن جدارة مكانته كأحدث أعظم أفلام الأنيمي على الإطلاق، وأهمّ أفلام الخيال العلميّ والسايبربانك خصوصا رغم كل اللامبالاة التي تلقاها هذه الأصناف من قبل النقاد.

شبح داخل القشرة : شرحُ القصّة كاملة


تبدأ أحداث الفيلم مع تدخّل الرائد موتوكو لمنع مبرمج كمبيوتر من طلب اللجوء إلى دولة أجنبية، وذلك بطلب من القطاع السادس التابع لوزارة الخارجية. لكن الفيلم يتجاوز هذه الحادثة تماما لتبدو كأنّها مدخل لا غير.

كانت المهمّة الأساسية للفريق اقتفاء أثر "محرّك الدّمى"، قرصان كمبيوتر مجهول الهوية، اكتشفت محاولاته لاختراق عقل مترجمة وزير الخارجية، في الوقت الذي يستعدّ فيه الوزير لمقابلة وفد من حكومة دولة Gavel الديمقراطية الجديدة التي جاءت تنشد الدعم. نحن نعلم مسبقا أنّ وزارة الخارجية على اتصال بالزعيم السابق لGavel (إسمه Malles) الذي طلب اللجوء السياسيّ. كان هذا يعني أن محرّك الدمى قد يحاول السيطرة على المترجمة لإفساد الاجتماع لصالح Malles أو بالعكس، لإيهامهم بأنّ Malles يريد إثارة المشاكل.

يتمكّن ثلاثيُّ القطاع التاسع من التوصّل إلى مصدر الإشارة: عامل نظافة بسيط تمّ التلاعب بذاكرته تماما بحيث يمارس عملية الاختراق عبر الموزعات الآلية التي يمرّ بها، ظنّا منه أنه يقرصن حساب زوجته الوهمية ليكشف خداعها. ولقد قادهم في غمرة جزعه إلى المجرم الذي لقّنه عملية الاختراق، لكنّ المجرم نفسه كان إحدى دمى المحرّك الخفيّ أيضا.

في القسم الثاني من الفيلم، نرى امرأة عارية تتعرّض لحادث بالطريق السيارة، وتنقل إلى القطاع التاسع عندما يتّضح أنّها جسم آليّ مفرغ تماما من كلّ برنامج تحكم ما يجعل حركتها التلقائية أمرا مستحيلا.

وتتعاظم الحيرة بعد تحليل الدماغ حيث يتبيّن للخبراء وجود آثار لما يسمّى الشبح (ذلك الجانب اللامادّيّ الذي يميّز الكائن الحيّ على السايبر) رغم عدم وجود خلايا دماغية حيّة. نعرف هنا أنّ أجزاء السايبورغ التي يملكها أعضاء الفريق، مصنّعة من نفس الشركة التي صنعت هذه الدمية، كما نعرف بشكل واضح أن الرائد كوساناغي تملك جسد سايبورغ خالص ولا يتجاوز جزؤها البشريّ تلك الخلايا الدماغيّة التي سمحت بوجود "شبحها". تقرّر الرائد أن "تغطس" داخل السايبر لملاقاة شبح الدمية المحيّر.

في الأثناء كان على المدير آراماكي أن يستقبل مدير القطاع السادس رفقة رجل أمريكيّ قيل أنه مشرف على اقتفاء أثر محرّك الدمى. يطلب الزائران تسليمهما الدمية العارية على اعتبار أنّ ما بداخلها هو شبح محرّك الدمى الذي "غطس" داخلها قبل أن يفقد جسده الحقيقيّ. كما أنّ القطاع السادس كان يدير مشروعا يعرف ب2501 للقبض على القرصان.

لكنّ محرّك الدمى تكلم عبر تلك الدمية المهشمة، مكذّبا كلام القطاع السادس، ومعلنا أنّه لم يكن يوما يملك جسدا، وإنما هو كائن حيّ جديد خلق وسط السايبر بفعل المعلومات المتراكمة، وأنّه في لحظة ما كسب وعيا بنفسه سمح بتكوين "شبح" حقيقيّ، وأنّه كان جزءا من المشروع 2501 وليس هدفا له. ولكن لأنّه لم يكن يستطيع مغادرة MegaTech بسبب حائط النار (Firewall) فقد ارتأى الهرب عبر النفاذ إلى قشرة مادية (الدمية العارية).

لكنّ مدير القطاع السادس كان مصحوبا بمدد خفيّ يستعمل تقنية التمويه غير المرخّصة لقطاعه (ألهمته الرائد كوساناغي فكرة استعمالها حين التقيا أول الفيلم في قضية اغتيال الديبلوماسيّ) لخطف القشرة والهروب بها، وكان فريق القطاع التاسع في المطاردة.

كان على الرائد أن تواجه مدرّعة آليّة للوصول إلى محرك الدمى، ولقد استنزفت جسدها السايبورغيّ في ذلك وكادت تهلك لولا وصول باتوو Batou في الوقت المناسب. أخيرا تقرر الغطس داخل السايبر ومواجهة شبح محرّك الدمى. يسرّ إليها الكائنُ أن أصله يعود إلى مشروع 2501، برنامج جوسسة وضعه القطاع السادس يقوم بتنصيب برامج في أدمغة الضحايا للسيطرة عليهم. وحين خلق وعي لهذا الكائن، ظنّه المبرمجون (كان مبرمج حادثة اغتيال الديبلوماسي أحدهم) علّة في البرنامج (bug) فتمّ عزله عن شبكة الاتصالات بسجنه في قشرة سايبورغ.
ثم إنّ محرّك الدمى طلب من الرائد أن يندمجا، ذلك أنّها الوسيلة الوحيدة بالنسبة له أن يتكاثر مثل كلّ كائن حيّ وهو ما حصل في النهاية قبل أن تُجهز طائرات القطاع السادس على قشرة الرائد ومحرّك الدمى.




في المشهد الأخير كان نجاح الدمج واضحا من خلال القشرة الجديدة التي أوجدها باتوو Batou لما يفترض كونه الرائد. كانت قشرة طفلة صغيرة توحي أنّها ثمرة هذا الاندماج.

Friday, February 17, 2017

وصول وعبءُ اللغة


يحكي لنا سفر التكوين عن قصّة بناء برج بابل الشهير، وكيف أنّ الله "بلبل" ألسنة الناس فصاروا يتحدّثون بلغات كثيرة وفقدوا القدرة على التواصل، فعجزوا عن البناء، وانتشروا في الأرض. تحمل هذه القصة البسيطة معانٍ عميقة عن اللغة والحضارة. تبدو اللغة مهدا معقولا للحضارة لما تمنحه من إمكانية لتبادل الأفكار ونشرها وثراء دلاليّ ملهم لها، وهي ـ أي اللغة ـ تنافس العلمَ في هذا الانتساب. وبقدر ما تسهم اللغةُ في التواصل، تملك قدرةً هائلة على خلق سوء الفهم. لقد سبّبت بلبلةُ الألسن في ظهور المجتمعات المختلفة وقد كانت شعبا واحدا، أفلا يعني ذلك تأثير اللغة المباشر في طرق التفكير ما أدّى إلى أنماط عيش مختلفة؟
لم يكن غريبا أن أفكّر في قصة برج بابل وأنا أشاهد فيلمَ وصول Arrival، فكلاهما يطرح الأسئلة ذاتها تقريبا...

إلاّ أنّ فيلم المخرج الكنديّ دنيس فيلنوف Denis Villeneuve من نوع الخيال العلميّ. وتحديدا فئة أفلام "الاتّصال الأوّل" First Contact وهي فئة تهتمّ أساسا بتصوّر الاتّصال الأول للإنسان مع الكائنات الفضائية. لقد قدّمت السينما أعمالا كثيرة تندرج في هذه الفئة منذ بدايات القرن الماضي، ولقد تنامى الاهتمامُ بها خصوصا مع بداية الحرب الباردة، حيث عبّرت أعمالٌ مثل "حرب العالم" The war of the world (سنة 1953) و"اليوم الذي شلّت الأرضُ فيه" The day the Earth stood still (سنة 1951) عن نوع من الرّهاب الجماعيّ للمجتمع الأمريكيّ من الآخر بسبب الحرب الباردة. كما غذّى العداءُ الأمريكيُّ السوفياتيُّ علاقة السينما بفئة الاتصال الأول، من خلال احتدام التنافس في الستينات على غزو الفضاء. وظهرت بذلك أعمال سينمائيّة خالدة من قبيل "2001، أوديسا الفضاء" للأمريكيّ ستانلي كيوبرك Stanley Kubrick وسولاريس Solaris للسوفياتيّ العبقريّ أندري تاركوفسكي Andrei Tarkovsky.
ولم تنقطع هذه الفئة عن إلهام السينمائيّين، وإن كان إلهاما ذا نفسٍ عجائبيّ (Fantastic) أقرب للخرافات المثيرة منه للخيال العلميّ الصارم، ربما لو استثنينا فيلم ستيفن سبيلبرغ الشهير "لقاءات من النوع الثالث" Close encounters of the third kind (سنة 1977) وفيلم اتّصال Contact (سنة 1997) الذي كتبه كارل ساغان العالم الشهير. لذلك كلّه كان فيلمُ فيلنوف مهمّة صعبة، فكيف يوفّق بين الإمتاع الدراميّ والصرامة العلميّة في مبحث عسير كهذا؟

ومثلما يحدّثنا العنوان، يتصوّر الفيلم أحداث وصول حضارة فضائيّة إلى الأرض، عبر اثني عشر مركبة بيضاويّة الشكل استقرّت في مناطق مختلفة من الأرض ومنها الولايات المتحدة. تنطلق بطلة الفيلم، خبيرةُ الألسنيّات لويز Louise إلى مكان المركبة إذ تشرفُ ضمن البعثة الأمريكيّة على عملية التواصل مع الفضائيّين.
ومع التقدّم المدهش الذي تحرزه لويز وصديقُها عالم الفيزياء أيان Ian، كانت بعضُ الدول تشعر بالخوف وبسوء العاقبة من هذه الكائنات المتحفّظة عديمة الملامح، وبدا أن التوافق كان آخر ما يتميّز به أهل الأرض في ما بينهم تجاه الأزمة. فالكائنات تعرض عليهم "سلاحا" ما، دون أن تبيّن ماهو السلاح وما الغرض من إعطائه" وكان على لويز أن تتأكّد من أنّ ما يعنيه الفضائيون بمصطلح سلاح، أنه أداة مفيدة tool وليست أداة للقتل weapon. وفي خضمّ ذلك كان عليها أن تواجه تلك الصور الحزينة في ذاكرتها والتي تجمعها بابنتها منذ ولادتها وحتّى وفاتها بمرض نادر لا شفاء منه.

راوح الفيلم بذلك بين المواجهة التي تشهدها الأرض مع الفضائيّين وبين ما يبدو أنّه معاناة لويز من ذاكرتها، حتّى يخال المشاهدُ أنّ لويز هي الجامع الوحيد بين المسألتين، وأنّ دنيس فيلنوف أضاف ذلك من باب التقرّب من الشخصيّة الرئيسية وإضفاء طابع دراميّ إنسانيّ لمشهد سينما ربّما كان غارقا في التفلسف العلميّ. لكنّنا كنّا طبعا مخطئين، والفضل في ذلك يعود إلى الآداء الرائع للممثّلة آمي أدامز Amy Adams في دور لويز. لقد نجحت آمي في خداعنا طوال قسم الفيلم الأول بملامح وجهها الموحية بالحزن بينما كانت نوعا من الصفحة البيضاء التي كتب فيها دنيس فيلنوف عبر تقنية المونتاج، ما أراد لنا أن نقرأه. قادنا فيلنوف بخبث ومهارة نحو الحلقة الدائريّة المفرغة التي انبنت عليها الحكاية، رغم أنّ المشاهدَ الفطنَ لم يكن لتفوته مقدّمة الفيلم الموحية بلعبة المخرج.

لم تكن هذه البنية الدائرية للقصة أو للسيناريو مجانيّة، فهي ترجمة سينمائيّة لمضمون الفيلم، وأنا أحب هذا الانسجام في المبنى وفي المعنى، بل هذا الالتحام الذي يجعل المبنى مؤثّرا في تلقّي المعنى. أحاط فيلنوف القصّة بالكثير من العناصر التي تشير إلى دائريّة الزمن وعلاقة ذلك باللغة، فقد استعمل موسيقى الخلفيّة التي لا تستحيل بالانعكاس (palindromic) في المقدّمة والخاتمة عن قصد واضح، وأشار إلى هذا البديع اللغويّ المرتبط أساسا بالكتابة من خلال تسمية لويز ابنتَها حنّا Hannah فالإسم يُقرأ في الاتجاهين بشكل واحد. تماما مثل الكتابة الدائريّة التي يستعملها الفضائيون، وكان على لويز فكّ شفرتها.
لقد كان اهتمام المخرج بلغة الفضائيين يعكس جدّيّة طرحه، وعمقه، ويحملنا على أخذ العمل بالتمعّن المطلوب. وجّه المخرج جهودَ الباحثين نحو اللغة المكتوبة بواقعية ممتازة، فاللغة الصوتية لم تكن غير مفهومة فحسب، بل غير قابلة للفهم، ولقد تخلّت لويز عن محاولة البحث فيها منذ نهاية الزيارة الأولى، لتبدأ بالتواصل البصريّ مثلما يفعل خبراء الانثروبولوجيا. خلق فيلنوف من أجل الفيلم لغة بصريّة حقيقيّة هي ال  heptapod B (سباعيّ الأرجل إشارة إلى الفضائيين) بالاستعانة بفريق من الخبراء، وصنّفوا كتابا صغيرا يضمّ أكثر من مائة رسم لفظيّ (Logogram) دائريّ الشكل، لكنّهم لم يستعملوا منه للفيلم أكثر من سبعة وعشرين رسما. كما أنّ تلك البرامج التي استخدمها الخبراءُ ومنهم لويز لتشكيل المعاني بلغة الهيبتابود بي، وتلك الاكواد التي تظهر على شاشات المحللّين للغة، هي فعلا أكواد وبرامج حقيقيّة صنعها ستيفن وولفرام، باستخدام "لغة وولفرام" Wolfram Language.
ومع كلّ هذه الدقة فمن الطبيعيّ أنّ اختيار الحلقة كشكل أساسيّ للغة الفضائيين لم يكن عشوائيا. فهي مثل الكتابات التي لا تستحيل بالانعكاس، لا اتجاه فيها، بل هي ضربٌ موغل في القابلية للانعكاس بما أن الحلقة لا بداية لها ولا نهاية. إنّها الشكل الأمثل للتعبير عن نوع من التحرّر من الزمن.

ولم يكن هذا العمل اللغويُّ مجانيّا، فإذا كانت فكرة التواصل لبَّ الفيلم، فاللغةُ قشرته المتينة. إنّها المرة الأولى ـ ربّما ـ التي يتجاوز فيها فيلمُ خيال علميٍّ يتعلق بالفضائيين، كلَّ نقاش عن الفيزياء ونظريات الكم والنسبية ليلتفت إلى العلوم الانسانيّة. وبشكل أوضح، يعتمد الخيال العلميُّ عادةً على دفع الحقيقة العلميّة بعيدا نحو افاق متخيّلةٍ وإن معقولة أو محتملة. ولم يشذّ فيلم وصول عن ذلك، إلاّ أنّ الحقيقة التي استرسل في تخيّل أبعادها، تتعلّق بتأثير اللغة على تفكير متكلّمها، وكيف أنّها تحمله على نمط تفكير معيّن دون غيره. تعرف هذه الفكرة بفرضيّة سابير وورف Sapir-Whorf hypothesis وفيها رؤيتان، رؤية حتميّة determinist وقد تمّ دحضها، وتقول إنّ اللغة تحدّد نمط التفكير بشكل قاطع، بحيث أنّ تعلّمك مثلا للغة اليابانيين يجعلك تفكّر مثل اليابانيين، وهي أمر مفروغ من استحالته، أما الرؤية الثانية، فهي تأثيرية وتعني أنّ اللغة تؤثّر على نمط التفكير فتلهمه أو توجهه ولو بقدر ضئيل. وهي رؤية لا تزال موضع جدل بين اللغويّين. لكنّ كثيرا من الأدباء اعتمدها، وأشهرهم جورج أورويل في رائعته 1984 حيث كان الأخ الأكبر يقضي بتصنيف معجم لغويّ للمفردات المسموح بها كل مرة، وكان هذا المعجم يصغر في كلّ نسخة جديدة حتّى يمنع الناس من كلّ قدرة على التعبير عن معاني التمرد والحرية والرفض، وبذلك يجنح تفكيرهم إلى الخضوع.
أخذ فيلنوف هذه الفرضيّةَ ببساطة وسأل السؤال : كيف يكون تأثير اللغة على الإنسان، إذا كانت قادمة ممّا وراء النجوم؟ وكان تصوّره للإجابة جديرا بخيال علميّ محترم.
ربّما بإمكاننا أن نستغرب سرعة التغيير الذي طرأ على تركيبة لويز الذهنية، فهي لم تتقن اللغة الفضائية بالبراعة المطلوبة حينما بدأت الصورُ تراودها. كما أنّ تغيّر طريقة تفكيرها أثّر بشكل منعزل على رؤيتها للزمن، لا أثار جانبيّة إطلاقا فلويز هي لويز. يمكن أن يُعزى ذلك إلى الجانب الخيالي في القصة، أي الجزء الذي تُستغلُّ فيه الفرضيّة العلميّةُ إلى منتهاها بشكل مبالغ حتّى الخيال.




ورغم الاتقان الكبير الذي ميّز الجانب اللغويّ فيما يتعلق بالخطاب الأرضيّ الفضائي، فقد كان فيلنوف مستهترا قليلا بنفس الجانب حينما يتعلق بالخطاب الأرضيّ أرضيّ. لقد رأينا على شاشات التلفاز التي تنقل للأمريكيّين وقائع ما يحدث في دول العالم الأخرى التي استقبلت الفضائيين، كوارث لغوية، وعبارات لا تمتّ للأحداث بصلة، كأنّ فيلنوف لا يعلم أنّ فيلمه ستستقبله الاف الشعوب على الأرض وتشاهده. ربّما كنتُ العربيَّ الوحيد الذي يضحك ساخرا من عناوين الأخبار السودانيّة في قاعة السينما الفرنسيّة التي تابعتُ فيها الفيلم، لكن من المؤكد أنّ هناك صينيّين وباكستانيين ودنماركيين ضحكوا لعشوائية العبارات المكتوبة أيضا. كما يبدو أنّ فيلنوف استهان كثيرا باللغة الصينيّة التي تعتبر أساسيّة جدا في حبكة الفيلم. وذلك على مستويات عديدة :

  • لويز لم تكن تتحدّث بصينية سليمة، بل لم تكن تتحدث بأي شيء يشبه صينيّة الماندارين التي ذكرت أنّها تجيدها أو حتّى صينيّة يو (Cantonese). وأعتقد أنّه كان بالامكان تلافي هذا الأمر بتدريب آمي أدامز ولو لشهر على نطق تلك العبارات.
  • قائد الجيش نفسُه كان يتحدّث بصينيّة ماندارين ركيكة مع الكثير من صينيّة يو ممّا لا يليق بشخص في مثل رتبته. (الممثّل تسي ما Tzi Ma من مواليد هونغ كونغ التي تتحدث صينية يو بالأساس)
  • عمليّة ترجمة المحادثة التي التقطها الأمريكيون عن الصينيّين والتي تتعلّق بعزم الصينيّين تعليم الفضائيين اللغة بواسطة لعبة الأوراق الصينيّة الشهيرة Mahjong، جعلت لويز تخلط في التأويل بين "suit" بمعنى منظومة الأوراق، و"suit" بمعنى البدلة، وهذا أمر غير ممكن إلاّ في الانكليزيّة، لأنّ الكلمتين في الصينيّة كما في العربيّة مختلفتان تماما.

ورغم أنّ مشاهدا مثلي لا يمكنه التفريق بين أنواع الصينيّة لم يكن ليكشف أغلب هذه الهنّات، إلاّ فكرة الخلط في التأويل كانت بشكل ما واضحة ومحبطة، لأنّها أساسيّة للحبكة وتعبّر عن معنى مهمّ في الفيلم. فقد أدّى تعليم الصينيّين للفضائيين لعبةَ الورق، أنّهم استعملوا معجما قريبا لتبليغ أفكارهم وهو ما أدّى إلى ذعر الصينيّين بخصوص "السلاح" الذي اقترحه الفضائيّون.

ظهر هذا التهاونُ أيضا في عمليّة إسقاط أزمة سوء الفهم على العلاقة بين البشر. فكما سبق ذكره، تمثّل المشكلة اللغويّةُ غلافا متينا لمشكلة التواصل بما أنّ التواصل يمرّ ضرورة عبر اللغة. وكما تساهم اللغة في إرساء التواصل، يمكن أن تساهم أيضا في سوء الفهم. ولقد حاول فيلنوف إبراز هذه الفكرة من خلال مثال التواصل مع الفضائيّين، ليلمّح إلى أنّها أيضا مشكل أساسيٌّ بين الشعوب. لقد لاحظنا أنّ الخوفَ (وهو المحرّك الأساسيُّ للحماقات الناجمة عن سوء الفهم) الذي ولّده سوء فهم الفضائيّين، أسفر عن انقطاع التواصل بين مختلف الحكومات، رغم أنّ غرض الفضائيّين من وراء التموضع في اثني عشر موقعا مختلفا، كان إجبار الأرضيّين على التعامل في بينهم والتعاون والاتحاد.
وحتّى عملية الإنقاذ الأخيرة، كانت وراءها رمزيّة واضحة تقدّم الحوار مع الآخر كحلّ أساسيّ لتجاوز الخلافات. فإن كانت اللغة مصدرا لسوء الفهم، فإنّ الكثير منها قد يكون دواءً لسوء الفهم هذا.
غير أنّ المشهدَ الذي أراده فيلنوف أن يبدوَ رومانسيّا بهذا الشكل، عبّر أيضا عن أمر آخر. سنلاحظ بسهولة أنّ الصين كانت تشجّع الحلّ العسكريّ عكس الولايات المتّحدة، وبمنظور الفيلم يمكن اعتبارها الجانب المعرقلَ أو الشرّير، ولقد تبعت الصين في ذلك، السودان وروسيا، ما يجعل الصورة أشبه بنسيج من إعداد واشنطن لا هوليود. وهي بذلك صورة تفتقر كثيرا لمعرفة الآخر وتقع في سوء الفهم الذي تحاول انتقاده.

كما يمكن أن نضيف إلى عناصر السذاجة في الفيلم، بعض المسائل المتعلّقة بلزوميّات الدراما الهوليودية في مقابل الصورة الواقعيّة التي يتطلّبها هذا النوع من الخيال العلميّ الثقيل Hard Science Fiction. لويز مثلا عالمة اللسانيات تبدو أقرب إلى خبيرة ترجمة، فهي تجيد الحديث بلغات كثيرة ومختلفة بل وتجيد الترجمة الفوريّة أيضا بشكل أثار حفيظة خبيرة اللسانيّات الّتي رافقت آمي أدامز Amy Adams خلال تجسيدها للدور. لكنّهم قالوا لها : هذه هوليود!
وبمثل ذلك الشكل المسرحيّ، هرع العقيد ويبر Colonel Weber قائد المنطقة العسكرية المغلقة قرب المركبة الفضائية إلى مكتب لويز، تاركا مسؤوليّاته الجسيمة خلفه رغم أنّه لم يمرّ على الوصول أكثر من يومين، ولا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث. هل كان استدعاء خبيرة لسانيّات يحتّم قدومه شخصيا؟ ولو فرضنا أن السرية تحتّم، هل بدت المنطقة العسكرية على هذا القدر من السريّة خصوصا بعد محاولة بعض الجنود تفجير المركبة؟
ماذا عن فريق البحث؟ جاءت لويز لتجد فريقا جاهزا ينتظر فقط قيادتها. على ماذا كان يعمل؟ وهل هو فريق من خبراء اللسانيات أم فريق من التقنيين المكلّفين بالتنفيذ (تنفيذ ماذا؟) أجل غادر رئيس الفريق بعد اللقاء الأول، ولكن لماذا لم يضعوا خبيرا من الفريق محلّه؟ لماذا يأتون بشخص آخر ليرأس من جديد؟ ثم هل غادر رئيس فريق اللسانيات ورئيس الفريق العلميّ معا في الوقت نفسه؟ أخيرا كيف يقرّر نظراؤهم في الدول الأخرى قطع البثّ دون العودة إلى سلطة الإشراف السياسية؟ وبمناسبة الحديث عن سلطة الإشراف السياسية، لماذا تبدو الصين العظيمة ذات المليار ونصف ساكن، مجرّد رجل واحد، يقود الجيش، يتخذ القرار السياسيّ، يلقي الخطب، ويحضر في الحفلات أيضا! هل كان الحديث عن عناده أمام رؤسائه كافيا ليدحض تلك الصورة الشبيهة بكيم جونغ أون؟



غير أنّني لا أريد أن أبدوَ متشائما. لقد كان وصول رغم كل هذه الهنّات على مستوى التصوّر الدراميّ، متين الحبكة، مشوّق القصة، مثيرا في لحظات كثيرة، وكانت المادّة العلميّة فيه على قدر محترم من الدقّة والعناية. وكان المحتوى على انسجام كبير مع المبنى. ما جعل المفارقة الزمنيّة التي سبّبتها معرفةُ لويز المسبّقة بما سيحدث، مقبولةً ورومانسيّة أيضا. تقول لويز في النهاية "رغم معرفتي بالرحلة وإلى أين ستذهب بي في النهاية، فأنا أحضنها، وأرحّب بكلّ لحظة منها." (مع ذلك رأينا كيف فاجأتها الدكتورة بالخبر المريع وكيف انتابتها نوبة بكاء مرير).

مع وصول، تبرزُ اللغةُ كعامل حاسم لخلق الإنسان الجديد، الإنسان القادر على تجاوز حدود الزمن وحدود الفلك، مثلما كانت عاملا حاسما في خلق الحضارة. لكن هل يمرّ ذلك وجوبا عبر توحيد اللغة؟ هل نحتاج إلى لغة كونيّة واحدة تجبرنا على التوحّد وتجاوز سوء الفهم في ما بيننا؟ تبدو الدعوة إلى التوحيد في الفيلم متوازية مع الدعوة إلى الاعتماد على اللغة كوسيلة للتقارب وفض النزاعات، فهل يشير فيلنوف إلى عولمة اللغة، أم إلى الانفتاح على تنوّعها وتعدّد رؤى الإنسان للعالم عبرها؟

العنوان : وصول Arrival
السنة : 2016
المخرج : دنيس فيلنوف Denis Villeneuve
البطولة : آمي أدامز Amy Adams، جيرمي رينّر Jeremy Renner
الصنف : خيال علمي، دراما
المدّة : 116 دقيقة

Sunday, February 12, 2017

الخلق بالكتابة والخلق بالقراءة في حيوانات ليليّة


لايزال جاك جيلنهال Jake Gyllenhaal عبقريا في اختيار أعماله وأصبح حضوره في أي عمل سينمائيّ أشبه بعلامة جودة. في هذه المرّة اختار بطل Donnie Darko و Enemy الانضمام إلى فريق رجُلِ الموضة توم فورد Tom Ford لإنجاز مشروعه السينمائيّ الجديد. ورغم كون المشروع مخاطرة حقيقيّة مع مخرج لا يملك إلاّ فيلما يتيما، فقد خاطر جيلنهال ونجح في المخاطرة. أثار فيلمُ حيوانات ليليّة Nocturnal Animals الانتباهَ في مهرجان البندقية في الخريف الفارط، ومنذ ذلك الوقت لم ينفكّ عن إسالة الحبر وإطلاق النظريّات.

يتميّز فيلم جون فورد ببنيته السرديّة الفريدة. لسنا إزاء قصّة واحدة، وإنّما ثلاث قصص تجمعها علاقات متباينة وتتداخل في ما بينها بلغة سينمائيّة متينة. في القصّة الرئيسية، نتعرّف على سوزن Susan (آمي أدامز Amy Adams) صاحبة رواق فنّي كبير في لوس أنْجِلِس. تعيش سوزن مع زوجها في عالم لا نكاد نصدّق وجوده، كلّ شيء فيه أقرب إلى الأحلام، من الملابس التي لم يصمّمها جون فورد، إلى التماثيل الممضيّة باسم "دجِفّْ كونز" Jeff Koons وأعمال دامْيَن هيرست Damien Hirst وجون كورِنز John Currins التشكيلية. لكنّ سوزن لا تبدو سعيدة بكلّ البذخ الذي يحيط بها، ولا تبدو علاقتها بزوجها أفضل من شعورها تجاه الفنّ الذي تشرف على تقديمه في رواقها. كان هناك شعور عام بالزيف وانعدام الأصالة. وحينما تلقّت سوزن تلك الرسالة، تجرح إصبعها بمجرّد فتحها ويسيل الدّم القاني تهيئةً لتنتقل إلى عالم حقيقيّ.
إنّه عالم "حيوانات ليلية"، رواية جديدة كتبها زوجُها السابق إدوارد وأرسلها إليها بإهداء خاصّ في المقدّمة، ودعوة للّقاء. وعبر قراءة سوزن للرواية، يفتح توم فورد خطّا سرديّا جديدا داخل الخطّ الرئيسيّ، حيث يقصّ علينا ما حدث لطوني Tony وزوجته وابنته وهم يعبرون إحدى طرق تكساس الخالية أو تكاد. إذ تتعرّض العائلة إلى اعتداء عنيف من بعض المنحرفين، وينجو الأب بأعجوبة ويتّصل بالشرطة في محاولة للعثور على عائلته والجناة. كانت القصّة من العنفوان ما اهتزّت له سوزن وخرجت به من عالمها الفارغ والكئيب، ودفع بها أثناء القراءة إلى العودة عشرين عاما إلى الوراء وتذكّر حياتها السابقة مع إدوارد كاتب الرواية. وقد شكّلت هذه الذكريات الخطّ السرديّ الثالث داخل الفيلم.
في هذا الخطّ، نتعرّف على سوزن الصغيرة المندفعة الرومانسية، التي تقع في هوى إدوارد الكاتب الشابّ الرقيق، وتواجه والدتها المحافظة وعائلتها الثريّة من أجل الزواج منه. ترفض سوزن أن تتشبّه بوالدتها التي تمثّل كل القيم اليمينية والمادّية التي تكرهها. لكنّها تجد نفسها شيئا فشيئا تتحوّل إلى نسخة منها. أصبحت رومانسيةُ إدوارد هشاشةً لا تليق بأحلامها وفكرتها عن المستقبل، خصوصا وأنها لا تؤمن كثيرا بموهبته ككاتب. وفي غمرة أزمة علاقتهما تعرّفت سوزن على ذلك الذي سيصبح فيما بعدُ زوجها، أما إدوارد فقد افترقا بعد أن آذته بشكل لا ينسى.






يمثّل كلّ خطّ سرديّ بمفرده قصّة على شيء من البساطة والسذاجة، لكنّ العلائق التي أُحدثت بينها أضفت على حيوانات ليليّة كثيرا من العمق والأصالة. لقد سمحت لنا ذكريات سوزن أن نكشف أنّ "طوني" بطل الرواية يحمل وجه كاتبها أي زوجها السابق. وأدركنا بذلك أن توم فورد ينقل لنا أحداث هذه الرواية من منظور سوزن وخيالها وتأويلها. وتدفعنا هذه المعلومة الأساسيّة، إلى محاولة البحث في العناصر المشتركة بين خطّ سرد الذكريات وخطّ سرد "حيوانات ليلية"، وهي مهمّة عسيرة بالنظر إلى عامل التشويق المسيطر على أحداث هذا الخطّ. لم تكن زوجة "طوني" تحمل ملامح سوزن، ولكنّها حمراء الشعر، وتشببها إلى حدّ ما. ستلاحظون أيضا أنّ السيّارة هي نفسها المرسيدس التي كانت فيها "سوزن" رفقة هوتون Hutton (زوجها المستقبليّ) حين حدثت تلك الواقعة التي أنهت علاقتهما. وحتّى سيّارة المعتدين، سنتعرّف عليها في ذلك المشهد الذي أخبرت فيه سوزن إدوارد أنّها لم تعد سعيدة معه.
تحملنا كلّ هذه العناصر المشتركة إلى إجراء مقاربة حتميّة بين خطّ الرواية، وخطّ الذاكرة، ومع ما نعرفه بشأن خصومة إدوارد وسوزن الأولى بشأن جودة كتابته وإصراره على الكتابة عن نفسه، ندرك أنّ رواية حيوانات ليليّة، ليست إلا قولبة قصصيّة لما حدث بينهما منذ عشرين سنة، أو على الأقل، كان ذلك ما رأته سوزن جليّا في الرواية، وكان سببا في زلزلة حاضرها.

توجد تأويلات كثيرة لصنع المقاربة بين الخطّين، يمكن أن أقترح أحدها لأنّ كثيرا ممّن شاهدوا الفيلم لم يتفطّنوا إلى هذه العلاقة الأساسيّة لفهم الفيلم. لذلك فهذه فقرة تحرق الأحداث تماما. يمثّل طوني وعائلتُه في القصة، إدوارد وسوزن وابنتَهما التي لم تولد في عالم الواقع. كان يفترض أن يكوّن ثلاثتهم عائلة سعيدة تمضي في طريقها بسلام. حين ظهر المنحرفون وحاولوا أن يعرقلوا مسيرة العائلة، كانت البنت أوّل المتدخّلين بحركة غاضبة بإصبعها، وكان تدخّلها سببا مباشرا في عملية الاعتداء. ترمز هذه الصورة بشكل واضح إلى الجنين الذي اكتشفت سوزن أمره، ذلك أنه بالنسبة لإدوارد ربما كان بشيرا لعلاقة زوجية أفضل، لكنّ ما حدث، أنّه أخرج ذلك الشيطان الكامن في سوزن. اِستجلبه لتُجهض وتقتل كلّ شيء، وتحيل حياة إدوارد حطاما. تبدو هذه المقاربة أكثر وضوحا من خلال العنوان، فقد ذكرت سوزن أنّ إداورد كان يناديها "حيوانا ليليّا" وكان السيّاق يوهمنا أنّ الأمر يتعلّق بأرقها. لكنّ سياق الرواية كان أجرأ في التعبير. ماذا يمكن أن نسمّي ثلّة من المنحرفين الذين يقطعون طريق المرء ليلا ويعتدون عليه؟ يرمز المنحرفون إلى سوزن السيّئة، سوزن القاتلة، سوزن المعتدية على حياة إدوارد السعيدة أو تكاد، ويتجلى شيطانها في وجه زعيمهم ري Ray الّذي أدّى دوره ببراعة مثيرة هارون تايلر دجونسن Aaron Taylor-Johnson. لم يكتفِ "ري" بقتل سوزن القديمة كما عرفها إدوارد، وإنما أيضا بقتل ابنته. لكنّ مأساة إدوارد/طوني تكمن في عجزه عن حماية عائلته، وعن القدرة على الانتقام. ففي خطّ الذاكرة، لم يطق إدوارد امتعاض زوجته من روايةٍ كتـبَها، وغمره إحساس بالفشل والعجز، كما أنّه لم يكن قادرا على الانتقام من سوزن حينما فعلت به ما فعلت واكتفى بالمغادرة. كذلك كان طوني في خطّ الرواية عاجزا عن إيجاد المجرمين أو الانتقام منهم، وحتّى عندما وجدهم بفضل جهود المفتش بوبي آندس Bobby Andes، لم يكن قادرا على إثبات جرائمهم. عناصر المقاربة كما نرى واضحة. بقي أن نفهم قيمة هذه المقاربة.

تكمن قيمة العلاقة فيمن أوجدها. فنحن نعرف أنّنا نرى أحداث الرواية بعينيْ قارئتها. إنّ سوزن هي من تخيّل طوني بوجه إدوارد، وهي من انتقى عناصر المشهد المفزع انطلاقا من ماضيها القديم. ونحن بذلك نخضع لقراءة غير موضوعية للقصّة، وإن كانت قراءة ذكيّة مبرّرة كما رأينا. يتمحور الفيلم أساسا حول تلقّي العمل الفنّي، فوصفَ خصائص هذه العملية ببراعة، وبيّن كيف يتمّ خلالها إحداث روابط بين المخيّلة والذاكرة، أو إسقاط المتخيّل على الواقع، أو إيجاد الأنا في هذه الفكرة الخارجيّة المستقلّة. الحقيقة أنّ رواية "حيوانات ليليّة" وإن كانت تتّسم بالعنف، فهي لا تبدو قادرة على زعزعة وجدان خبيرة بالفنّ مثل سوزن، يوحي كلّ ركن من منزلها ورواقها التشكيليّ بتعوّدها على الأعمال الصادمة، وليست مقدّمة الفيلم إلا مثالا واضحا على ذلك. لكنّ الذي هزّ أعماقها كان عنف الرابط الذي أوجدته، وحجم الذكريات التي استخرجتها من أعماقها صفحاتُ الكتاب.
لقد ركّز توم فورد كثيرا على هذا الجانب من خلال اعتماد تركيب التطابق (Match cut) للانتقال بين خطّي السرد (الرواية والحاضر). أحدث هذا الأسلوب تناظرا بين معاناة طوني بطل الرواية، وبين معاناة سوزن القارئة. فهي تتقلّب في الفراش حينما يتقلّب، وهي تشدّ بيديها على رأسها في الحمّام حينما يفعل، وهي تعاني من الأرق بقدر ما يعاني. إنّ هذا الإحساس العظيم وحده ما ما يحملنا على إجلال عمل فنيّ ما.
أما من جانب الضفّة الأخرى، فقد حاول الفيلم أن يجيب عن سؤال بسيط هو : هل يجب أن يكون العمل الفنّيُّ شخصيّا؟ يخبرنا مشهدُ خصامِ الزوجين في خط سرد الذكريات عن موقف كل منهما من السؤال. إذ لم تستسغ سوزن ذاتيّةَ الكتابة عند إدوارد واعتبرتها تمظهرا لهشاشته النفسية وقلّة خياله وربما نوعا من النرجسية. لكن إدوارد أصرّ على موقفه وأثبت لسوزن بعد نحو عشرين سنة أنّه لا يمكن خلق الفنّ من خارج الذات. إذ أنّ الكتابة ذاتيّةٌ في جوهرها ثم تكسب غلافَها الإبداعيَّ من عملية التَّوْرية الّتي قد تحدث في لاوعي الكاتب غالبا. ومن المؤكد أن أولئك الذين سيقرؤون الرواية حين تنشر لن يربطوا أبدا بين أحداثها وذات الكاتب. بل سيقومون بإحداث علائقَ جديدة بين العمل وذواتهم. وحدها قراءةُ سوزن ترتبط وثيقا بأصول النص نفسه. ولأنّ كاتبه كان يدرك ذلك فلنا أن نستنتج أنّ من وراء رسالته غرضا.


كثر الجدل بخصوص حقيقة نوايا إدوارد من إرسال الرواية، خصوصا بعد النهاية "المفتوحة"، وصنعت الافتراضاتُ مستوياتٍ عدّة من التعقيد، ربّما ظنّا أنّ بنيةً سرديّةً بهذا التعقيد لا بدَّ أن يقابلها طرحٌ على ذات الدرجة من العمق. لكنّني لا أرى داعيا للذهاب بعيدا عندما تكون القراءةُ متكاملة العناصر متينة الأركان. فحين ضعُف إيمانُ سوزن بحبّها لزوجها، أدرك كلاهما أنّها تبنّت فكرة أمّها عن إدوارد، شخص هشٌّ ضعيف عاجزٌ لا يمكنه حمايتها أو توفير ما تستحقُّه امرأةٌ جليلةٌ مثلها. وكذلك كان طوني بطل الرواية طيلة مواجهته للحيوانات الليليّة، وحتى عندما قابلهم من جديد من وراء ظهر المفتّش بوبي أنداس Bobby Andes.
غير أنّ ظهور شخصيّة المفتّش في الرواية، حدثٌ بارزٌ قلب العلاقة بين الرواية والواقع من التقليد إلى التأسيس. وبمعنى أوضح، فمع ظهور آنداس، لم تعد الروايةُ ترمزُ إلى ماحدث لإدوارد وسوزن، وإنّما تلمّح لما سيحدثُ بينهما. (لا أنصح بقراءة هذه الفقرة لمن لم يشاهد الفيلم) أدّى الممثّلُ مايكل شانون Michael Shannon شخصيّةَ المفتّش بإبداع يثير الجذل، وعرف كيف يجمع بين المزاج البارد الفظّ لشريف Sheriff بلدة في الجنوب باندفاع رجلٍ شريفٍ لا يبالي بموته بقدر ما يبالي بشرور العالم الذي سيغادره. لقد دفع المفتّشُ أنداس طوني نحو الانتقام مادام العالم قاسيا لا يبالي بمعاناة الضعفاء، وبذلك عبّر إدوارد من خلاله عن مشاريعه بشأن سوزن. سوزن التي كانت تقف كلّ مرّة أمام أعمال فنيّة ترمز بشكل صارخ للجريمة والانتقام، لم ترَ ذلك، أو لعلّها رأته، ولكنّها مع ذلك أذعنت لأنّها بشكل ما تشعر بذنب حادٍّ تريد التخلّص منه ببعض الألم. لذلك منّت نفسها بمقابلة إدوارد من جديد. ولذلك تجمّلت، وانتظرت الساعات قدومه. لقد انتقم إدوارد لنفسه على مستويات عدّة، فقد أثبت لزوجته السابقة أنّه كان أقدر منها على تجاوز نفسه وبناء حياته من جديد، ولئن كنّا لا نعلم فعلا كيف يعيش حياته الحاضرة، إلاّ أنّنا نعلم على الأقل أنّه بات كاتبا موهوبا. وفي هذا أيضا مستوى ثانٍ من الانتقام، ذلك أنّه أثبت لها أنّها كانت مخطئة في تقييم موهبته، وأنّها كانت مخطئة في فكرتها بخصوص الكتابة الذاتيّة. وأخيرا، أثبت لها أنّه كان محقّا حينما قال لها منذ عشرين سنة "عندما تشعرين بالحبّ تجاه شخص ما، اِحذري التفريط في هذا الشعور، فقد تفقدينه إلى الأبد".



وإذا ما اعتمدنا على هذا الافتراض الذي يبدو منطقيّا، فكيف نرسم المقاربة بين انتقام طوني في الرواية، وانتقام إدوارد في الواقع؟ اِعتبرت بعض القراءاتِ أنّ المفتش يرمز إلى ضمير طوني أو أناه الأعلى، وقد بدا لي هذا الافتراض خاليا من كلّ أساس بنيويّ، بينما لا يوجد في الواقع أية إشارة ذات طابع أخلاقيّ أو متعلّق بالمبادئ. فأداة انتقام إدوارد لم تكن سوى الرواية نفسها، ذلك أنّ الأدب مثلما يحيي أشياءً فهو يقتلها. والمفتّش أنداس وإن لم يقتل "ري" فقد كان مدبّر العمليّة كلها، وكان يدفعُ طوني باستمرار نحو وجوب تحقيق العدالة. كان يعاني من سوء التقدير من قبل المسؤولين. ولا أحد يؤمن به سوى نفسه. كان تشخيصا طريفا لمَلكة الإبداع عند إدوارد، تلك المَلَكة التي لم يؤمن بها، ولكنّها آمنت بنفسها ودفعت إدوارد دفعا لإنجاز الكتاب والانتقام.

ربما كان مؤلما أن يتحوّل شخص رقيق مثل إدوارد إلى كائن حقود لا ينسى طيلة عشرين سنة. يقولون إن الانتقام طبق يفضَّل أن يقدّم باردا، لكنّني أرى في انتقامه دليلا أنّه ربما لم يتجاوز، وأنّه لا يزال ضعيفا أو لا يزال عاشقا.
وربما لتجاوز صورة باهتة كهذه، خطر لي أنّ إدوارد لم يكن ـ ربما ـ يبحث عن الانتقام بقدر ما يبحث عن المساعدة. نحن نعرف أنّ سوزن كانت تحلم أن تصبح فنّانة لكنّها تخلّت عن الفكرة مقتنعة أنّ طباعها المفرط في السخرية cynical يمنعها من ذلك. لم يبدُ إدوارد مقتنعا بذلك، مثلما لم يبدُ مقتنعا برأيها في أدبه. لكنّه بعد عشرين سنة، وقد كتبَ شيئا ذي بال، ربّما اقتنع أنّه لم يكن ليكتب شيئا جيّدا كهذا لولا المعاناة التي عاشها. لم يكن ربما ليصرّ على المواصلة لولا إهانتها له، لقد حضرت عند الكتابة عاطفةٌ أقوى من كلّ احتمال للسخرية، ولعلّه فكّر أنّ هذا ما يلزمها للتخلّص من الشعور المزمن بالغثيان تجاه كلّ الفنّ الذي يحيط بها. ربّما فكّر أنّ الألم هو الوسيلة الأنجع للخلق.




وأيّا كانت فكرة إدوارد، فمن المؤكّد أنّ توم فورد قد نجح في تصوير العلاقة الحميمية التي تجمع القارئ بالكتاب من جهة، والكاتب بما يكتب من جهة أخرى. وذلك في تواز جميل ومركب جعل من حيوانات ليليّة، تجربة سينمائيّة فذّة.

----------------------------------------------------
الفيلم : حيوانات ليليّة Nocturnal Animals
النوع : دراما، إثارة
المدّة : 116 دقيقة
السنة : 2016
المخرج : توم فورد Tom Ford
البطولة : آمي آدامز Amy Adams دجايك جيلنهال Jake Gyllenhaal، مايكل شانون Michael Shannon

Tuesday, February 7, 2017

الرقص في مدينة النجوم


للسينما ـ مثل المسرح ـ قدرة عجيبة على الجمع بين فكرتين عن الفنّ متناقضتين أو لعلّهما متكاملتان. ففي حين تستفزّ بعض الفنون فعلَ الإدراك عند المتلقّي، كما تفعل الفنون التشكيليّة وفنون الكلام من شعر ورواية، تستفزّ فنونٌ أخرى فعل الشعور فيه، وهو ما يتجلّى بشكل خاصّ في الرقص والموسيقى. وتتفرّد الدراما الغنائية بين السينما والمسرح ببلوغ درجة عالية من الاكتمال الفنيّ في جمعها بين الثلج واللهب، في إثارة مكامن الأحاسيس وبؤر الأفكار والمدرَكات بشكل منسجم ومتزامن. لقد عرفت هوليود حقبتها الذهبية من خلال الأفلام الغنائية، واقترن حلم الانتماء إلى هوليود بأسماء مثل جودي غارلند Judy Garland (الساحر أوز The wizard of Oz) وديبي رينولدز Debbie Reynolds (الغناء تحت المطر) وطبعا جين كيلي Gene Kelly (الغناء تحت المطر، أمريكيٌّ في باريس الخ) ومارلين مونرو (خير الرجال يفضّلون الشقراوات Gentlemen prefer blondes). تغيّرت السينما كثيرا عمّا كانت عليه في الخمسينات، لكنّ هوليود تبدو عاجزة أن تصنع لنفسها حقبة كلاسيكية جديدة. ذلك أنّ المرء "لا يستطيع أن يكون ثوريّا وهو لايزال تقليديّا"، أو هكذا ـ ربما ـ قيل للعبقريّ داميان شازال Damien Chazelle ما دفعه لانجاز تحفة هذا العام لا لا لاند La La Land.

منذ أن افتتح لا لا لاند مهرجان البندقية بنهاية الصائفة الماضية، لم يكفّ عن إثارة الحديث عنه في كلّ المحافل السينمائية وكان آخرها تتويجه بسبعة جوائز غولدن غلوب Golden globes في سابقة تاريخية، وترشيحه لأربعة عشر جائزة أوسكار كاملة لهذه السنة، وهو رقم لم يبلغ مثله إلا فيلمان فحسب هما تايتانك Titanic وكلّ شيء عن حواء All about eve. ومع أنّ التتويج بكل الترشيحات الأربعة عشر يبدو مستحيلا مع المنافسة القائمة، فإنّ هناك احتمالا بأن يكسر لا لا لاند رقم "قصّة الحي الغربي" West side story الذي حاز على عشرة أوسكارات كاملة.
ما سرّ هذا النجاح اللافت للا لا لاند؟ وما الذي حوّله من فيلم جيّد إلى حالة إبداعيّة راقية؟

فيلم يختصر نفسه في عناصره
لم يحتج داميان شازال إلى وقت كثير ليحمل الناس على الحديث عن نبوغه، ومنذ فيلمه الثاني Whiplash كان واضحا أنّ خرّيج جامعة هارفارد يسيطر على عجينته سيطرة مطلقة قبل كلّ عمليّة خلق. في لا لا لاند، كان مستوى السيطرة عاليا جدّا إلى درجة أنّ أغلب مشاهد الفيلم تعبّر بشكل أو بآخر عن الفيلم كلّه. فكّر في أي من المشاهد، ستسجّل وجود أحد البطلين أو كليهما (مع إشارة إلى الآخر)، ستلحظ في الجدار لوحة لأحد نجوم هوليود و ستسمع مقطع جاز، بينما تعمّ الخلفية أحد معالم مدينة لوس أنجليس.
لقد كان الفيلم بشكل ما تفصيلا لمقدّمته التي لم أرَ أجمل منها منذ وقت طويل. في أربع دقائق تقريبا، رأينا الطريق السيّارة نحو مدينة النجوم وهي تعجّ بهؤلاء الشباب الحالمين، يرقصون في حبور ويمنّون أنفسهم بأن ينضمّوا إلى هذا العالم الذي كانوا يشاهدونه في قاعات السينما. كانت كلمات الأغنية تتنبأ ـ ببراءة الذكريات ـ بما سيحدث لبطلينا العالقين في زحمة الطريق كما سنتبيّن لاحقا.
وبذات البراعة، كانت الموسيقى توحي بأغاني الحقبة الذهبية دون أن تقع فيها. وقد انعكس ذلك على أزياء الراقصين وطريقة أدائهم. تذكّروا السوداء الجميلة ووشاحها المعقود فوق رأسها على طريقة شقراء we can do it الشهيرة. ألوان السيّارات والألبسة أحاديةٌ برّاقة تتراوح بين الأصفر والأحمر والأخضر والأزرق السماويّ، غلّفت جميعها بطبقة شاحبة كأنّ المشهد لوّن بتقنية الtechnicolor كما كانت الأغنية تقول. وفي الوقت الذي خلنا شازال قد أخذه الحنين إلى الخمسينات بشكل كامل، امتلأ المشهد فجأة بضربات الطبول ورقص الفلامنكو والـRaggae والعرقيات المتنوّعة المختلفة... لم يعد المشهدُ عودة إلى الماضي الهوليودي، بقدر ما بدا عناقا بينه وبين لوس أنجليس اليوم، بتنوعها وثرائها.




وبذات البلاغة والإيجاز خبّرنا المشهدُ عن بطلينا العالقين في الزحام، كان أحدهما (الوسيم Ryan Gosling) يحاول جاهدا تشغيل قارئ الموسيقى في سيارته العتيقة، والاستماع لشيء من الجاز. أما الثانية (المتألقة Emma Stone) فقد كانت تستغلّ زحمة السير للتدرّب على دور تمثيليّ ما..  أما المشاحنة السريعة بينهما فقد أنبأت عن الحب بأكثر ممّا أنبأت عن العداء… لقد روى المشهد كلّ شيء تقريبا في أربع دقائق جميلة!

ماهي لالالاند؟
جذب لالالاند اهتمام خاصّة السينما قبل عامّتها، وحينما تحوّل الفيلمُ إلى ظاهرة عالمية، تعدّدت تأويلات الفيلم المناوئة والمعادية، والمضحكة أحيانا. لقد انطلقت أغلب هذه القراءات من الإحالات الكثيرة لسينما العصر الذهبيّ.

تذهب القراءة الأولى إلى أنّ الفيلم موجّه بالأساس إلى المهوسين بالسينما Cinema Geeks، وذلك بتشكيل عمل فنّي من إيحاءات واقتباسات سينمائية متعدّدة ومتنوعة. وهي قراءة تستخفّ بعناصر الفيلم الأخرى وتكتفي بالشكل في مستواه الظاهر فحسب. فكلما من شاهد لالالاند يعرف أنّ قصة الحب التي جمعت بين ميا وسيبستيان أكثر تعقيدا من تلك التي جمعت دون لوكوود بكايثي في الغناء تحت المطر، وأنّ الإشكالات التي بحث فيها الفيلم، لن يجدها المرء في فيلم مظلاّت شيغبوغ (Les parapluies de Cherbourg) أو في Sweet Charity أو في "أمريكيّ في باريس" وهي أكثر الأفلام المشار إليها في لالالاند.




وفي قراءة أكثر إيجابية، يمكن أن ينظر إلى لالالاند على أنّه فيلم غنائيّ عن لوس أنجليس، أعني أنّ قصّة الحبّ هنا، لا تتعلّق بميا Mia (إيما ستون) وسيبستيان Sebastian (ريان غوسلنغ) وإنّما بلوس أنجليس والسينما. لالالاند (وهو أحد أسماء المدينة) هي هبة السينما، يمكنك أن تدرك ذلك أينما ولّيْت وجهك. من هذه النافذة أطلّ بطلا "الدار البيضاء" (Casablanca) الأسطورتان همفري بوغرت Humphrey Bogart وإنغريد برغمان Ingrid Bergman، وعلى تلك الطريق السيّارة كان كينو ريفز Keanu Reeves يحاول تفكيك القنبلة في فيلم Speed، أما في مرصد غريفيث Griffith Observatory فقد قاتل جيمس دين "المتمرّد بلا قضيّة" (Rebel without a cause) بالسكين في مشهد أسطوريّ. دعك من الأستوديو المركزيّ لهوليود الذي مرّ به العاشقان وهما يتحدثان عن الجاز.
ولأنّ شازال كان يرى في لوس أنجليس أكثر من مدينة للسينما، فقد أخذنا أيضا إلى بعض معالمها الأخرى الشهيرة، وإلى بعض حانات الجاز كمقهى المنارة Lighthouse Café. وفي كل مشهد تقريبا، تتخلّى لوس أنجليس عن دورها كإطار مكانيّ لتأخذ دور البطولة بشكل أو بآخر. وحتّى الإطار الزمانيّ، الذي جزّأ المخرجُ به الفيلمَ إلى خمسة "فصول" فهو زمان استثنائيّ يميّز لوس أنجليس التي تستوي فيها الفصول وتتشابه، فلا تعدّ السباحة شتاء فيها أمرا غير معقول.

مدينة النجوم بحسب هذه القراءة ممجّدة مبجّلة، يتمّ تكريمها عبر أركانها الجميلة وعبر نجومها الخالدين، وعبر الأفلام الغنائية التي رسّخت عصرها الذهبيّ. لكنّ هذه القراءة لا تلقي بالا للوجه الآخر للوس أنجليس. ذلك الذي أبرزه شازال بدءا من عنوان الفيلم وصولا إلى مشهد النهاية.

لالالاند هو الكنية التي تطلق على لوس أنجليس كمدينة خرافية، مدينة للأحلام بالأساس. فهل كان شازال يعني ذلك بالفعل أم يسخر منه؟
يستحضرني مشهد الكاستينغ الأوّل حين كانت ميا تطلق دموعها بسخاء وتبهر المشاهد دون أن تحرّك في أعضاء لجنة الاختبار ذرّة شعور. من الصعب تخيّل حجم الإهانة التي يشعر بها امرؤ يطلب منه التوقف في ذروة عطائه الفنّيّ من أجل مكالمة هاتفية سخيفة. يخرج فيجد عشرات مثله، لا يتميّز عنهم سوى بلطخة ضخمة على القميص الأبيض سبّبها عملُه كنادل في مقهى. هذه أيضا هوليود، بل هذه هي هوليود الحقيقيّة، تلك التي لا نراها في "أمريكي في باريس" ولا نراها في "Casablanca". في هوليود، كلّ من يعمل نادلا في مقهى، ليس إلا أحد الحالمين الذين ينتظرون دورا في الغالب لن يأتي. لا يمكن القول إن علاقة الحبّ التي جمعت بين ميا وسيبستيان تشبه العصر الذهبيّ الذي يتغنّى به الفيلم، بل لعلّ هذه العلاقةَ بشكل ما تتهم ذلك العصر وأفلامه بالزيف وببيع الأوهام.
يبرز هذا المعنى بشكل كبير في الخاتمة الجميلة التي تختصر الفيلم مثل مقدّمته. يعيد المخرجُ بتركيب عبقريّ سريع صياغة القصّة كما لو كانت دراما غنائية هوليودية، فيضفي على الأحداث بُعدا سحريا بهيجا يذلّل كل العراقيل ويتجاوزها بيسر ليجمع بين البطلين ويحقّق كلّ أحلامهما المؤجلة. لكنّ هذه الصورة، لا تعدو أن تكون خاطرة بين نقرتين على البيانو، نوعا من التمنّي اليائس الذي يأخذ شكل اللحن الحزين. هوليود لا تمنح المرءَ النهايات السعيدة التي روّجت لها. هنا يجب أن تضحّي بشيء ما، ربما تخسر حبيبا، أو مشروعا فنيّا عظيما، أو وعدا بالثراء والشهرة.

أعتقد أن شازال لم يحاول أن يمجّد لوس أنجليس أو يلعنها، لقد حاول أن يعبر عن المدينة بازدواجيتها، بجانبها الخيالي الأسطوريّ، وبجانبها الواقعيّ القاسي والعنيف أحيانا. ولقد وفّق في تبليغ هذه الفكرة بشكل رائع.

قصة حبّ أم قصة نجاح؟
لا أفهم كيف اعتبر البعضُ علاقة ميا وسيبستيان نمطيّة ومستهلكة. إن أغلب قصص الحبّ في السينما تتعرّض إلى عراقيل خارجية بالأساس، يحاول المحبّان مغالبتها فيَغلبان أو يُغلبان. أما في لالالاند، فلا توجد مشاكل خارجيّة حقيقيّة. كان على البطلين أن يختارا، لأنّ مدينة الأحلام لا تمنح المرء كلّ شيء، وكانا في اختيارهما متوافقين، لذلك عندما التقيا بعد خمس سنين، ورغم وجع اللقاء وما كان يوحي به من امكانيات سحريّة هوليودية، خلُصا إلى تبادل الابتسام. ذلك الابتسام الذي يعبّر عن رضا واكتفاء بما مُنحاه.

وبهذا المعنى، تصبح لحظة الخيار أهمّ من لحظة البوح بين العاشقين، وتتحوّل قصة الحبّ إلى قصّة عن النجاح. لا أسحب هنا الطابع الرومانسيّ للفيلم، فذلك عنصر جوهريّ على المستوى الاستيتيقيّ. لكنّ شازال استفاد من هذه العلاقة الشكلية ليطرح رؤى متنوّعة لا عن المدينة فحسب ـ كما وصفت ـ بل عن كفاح المبدعين.

يبدو شازال مهووسا بفكرة النجاح، ولقد عبّر عن ذلك كما ينبغي في فيلمه السابق Whiplash. لكن يبدو أنه لم يحقّق حاجته بعدُ، ولا يزال مبحث النجاح يراوده ويضنيه. في هذه المرة، بدا شازال راضيا عن فكرة التضحية بكلّ شيء حتّى بالحبّ من أجل النجاح في تحقيق الحلم الإبداعيّ، لكنّه لا ينكر أنّه نجاح منقوص، مؤلم ولا يشبه كثيرا وعود هوليود القديمة. فهل يستحقّ التمثيل السينمائيّ أو عزف الجاز كل ذلك؟
تبدو الإجابة عن سؤال كهذا نسبية جدا، ولكنّ لالالاند المدينة السحرية على أيّة حال هي ثمرة هؤلاء الذين ضحّوا وقرّروا أن الفنّ يستحقّ.




من أجل إنقاذ الجاز
أجرى شازال مقاربة رائعة بين السينما الغنائية كمزج بين الدراما والموسيقى وبين الحبّ الذي جمع ميا الممثّلة المغمورة بسيبستيان عازف الجاز الطموح. ولئن أسقط على ميّا بشكل خاصّ قسوة لوس أنجليس على مريديها، فقد أسقط على كفاح سيبستيان من أجل إنقاذ الجاز مسألةً ربّما كانت جوهر الفيلم نفسه.
كان سيبستيان يجلّ الجاز النقيّ كما عرفه مع نوابغ الخمسينات. يطلق على هؤلاء أهل الـ neo-bop وهم موسيقيّون نقائيّون يرفضون دمج الجاز بالألوان الموسيقيّة الأخرى كما ظهرت مع تيار الـFusion Jazz. يعتقد سيبستيان أن الجاز في خطر، وأن إنقاذه يعني إحياء الطرق القديمة والقطع مع محاولات التجديد التي تنتقص منه وتظهره في حاجة إلى فنون الموسيقى الأخرى.

لقد أثارت رؤية سيباستيان حفيظة موسيقيّي الجاز، واعتبر الكثيرون أن شازال يهين جهود الموسيقيّين الشبّان المجددين وأنّ الفيلم لا يعكس بأيّ شكل حقيقة عالم الجاز اليوم. وهذه برأيي إحدى عشرات القراءات المتعسّفة التي جاءت نتيجة لرواجه الكبير. ربّما نزع المخرج قليلا إلى الكاريكاتور في التعبير عن إحساس بطله برداءة الموسيقى التي يُحمل على عزفها، سواء في الحفلات المنزلية، أو في النوادي الليلية والحانات. لكنّه لم يكن يهاجم ألوان الجاز الأخرى بقدر ما كان يحاول تبيين وجهة نظر بطله التي لا يتّفق معها بالضرورة. لو عدنا إلى فيلمه الأول "Whiplash" سنجد أنّ بطله لا يمانع عزف أنواع الجاز العصرية. لكنّ المخرج هنا يحاول أن يخلق للبطل هويّته المستقلة التي تقع في صراع فكريّ لا بأس به. حينما انضمّ سيبستيان إلى فرقة The Messenger، كان واضحا أنّ الموسيقى لا تعجبه، وأنها لا تعجب ميّا التي وجدت نفسها في مشهد الحفلة تُدفع بعيدا عن حبيبها. لكنّ ذلك لا يعني أن الموسيقى نفسها سيئة. وما كان المخرجُ نفسه ليطلب من مغنّ جميل الصوت مثل John Legend أن يؤدّي دور كايث Keith قائد الفرقة إذا كان يبحث لها عن صورة مضحكة. كما أنّ كايث قال لسيبستيان عبارة جوهرية في كلّ العمل : كيف تريد أن تحدث ثورة حينما تكون تقليديّا بهذا القدر؟ أنت تتعلّق بالماضي، ولكنّ الجاز متعلّق بالمستقبل".




لو أسقطنا العبارة على السينما الغنائيّة لرأينا أنّ شازال في حقيقة الأمر يعيش صراعا بين كايث وسيبستيان، بين الحنين إلى الماضي المجيد، وبين الحاجة إلى الخلق والتجديد. وهذا الصراع هو ما أنتج لالالاند نفسه. لذلك قلت إن لالالاند ليس مجرّد تكريم لسينما الخمسينات، بل هو محاولة للانطلاق من عناصرها الجماليّة لتأسيس غنائيّة معاصرة. لالالاند هو الإجابة عن سؤال كايث، هو قصّة الحبّ التي تبدأ بشكل كلاسيكيّ وتنتهي بشكل غير مألوف، هو لقاء العاشقين في السينما الذي لا ينتهي بقبلة، هو هوليود الساحرة الجميلة والقاسية العنيفة في آن.
لالالاند لا يشبه في الحقيقة سينما الخمسينات إلا في كونه وعدا بغنائية أيقونية بدأت تحجز لها مكانا في الثقافة الشعبية بالفعل.

إسم الفيلم : لالالاند La La Land
سنة الصدور : 2016
المخرج : داميان شازال Damien Chazelle
البطولة : إيما ستون Emma Stone، ريان غوسلنغ Ryan Gosling
النوع : فيلم غنائي أو موسيقيّ Musical
There was an error in this gadget

Translate