Monday, December 26, 2011

كوميديا الطلبة..



مرحبا مجدّدا، في هذه المساحة يمكن أن تتركوا آراءكم و ملحوظاتكم بخصوص أقصوصة "كوميديا الطلبة".
كان العنوان الأول للقصة "شيء من المسرح" لكنّني وجدتُ فيما بعد أن هذا الاسم أكثر حيوية و أكثر تعبيرا عن روح القصة.. طبعا نوّهتُ طويلا أن تشابه الأسماء محض هذيان ليس الا، لكنني لا ألوم من قد يأخذ هذياني مأخذ الجدّ.. كالعادة أنا لا أحسن التفريق بين ما تختزنه ذاكرتي و ما تفرزه مخيّلتي..
كوميديا الطلبة بسيطة جدا، و في الواقع لم تستهلك كتابتها وقتا طويلا.. ربّما لتعوّدي على أسلوب الكتابة الذي اعتمدتُه فيها، و ربّما لأنني عشتُ أغلب مشاهده (بصورة متفرّقة) في حياتي.. لا لم تحدث مثل تلك الفوضى حيث درستُ و لم يتصارع الاخوة و الرفاق هناك.. لكن .. لأترك لهم متعة (همّ) الاكتشاف بأنفسكم.. 
إليكم مقطعا من العمل و عذرا على السّباب الكثير الوارد بالقصة، كما تعلمون، لستُ أنا من يتحدّث هنا :D

"تي فكي على الز** ما نقضيش، برّي شوفي ولدك وين هامل و كلـّميه.."
و أغلق هاتفه بعنف و هو يطلق سبابا لا فائدة في ذكره... كلّ الظروف مهيّأة ليوافق كما ترى..
"أو.. سي جمال.."
"اش حاجتك بنـ... شنوة تحبّ؟"
".. سامحني، عندنا خاطر مسرحية و ..."
"بالله أخطى ز*** ناقصكم كان انتم.."
كان قد استدار مواصلا طريقه حينما اقترف "العـَمري" ذلك الخطأ الذي لا يجب أن يقترفه المرءُ أبدا مع جمال :
"عندنا ورقة مالإدارة!"
"تهدد في الز*** بالادارة؟ برة قول للمدير يمسح بيها الورقة ! باهي؟"

هذه عبارة لا إجابة لها كما تعلم، لذا بقينا صامتين نتابع في حيرة ابتعاده و لا ندري أي انفعال يجب أن ينتابنا... و كانت وقفتنا بليغة جدا، بليغة إلى حدّ منع بقية الرفاق للحاق بنا و السؤال..

و للقصة بقية.. 

تونس، منزل بورقيبة
20 ـ 31 كانون (ديسمبر) 2011



ملحوظة : 
إن كل تماه أو تشابه بين اسماء الشخصيات و الواقع، هو افتراء و تجنّ من الكاتب.
هذا الحديث هو عبارة امتنان لناد عشتُ معه تجربة لا تنسى. استمتعوا بجنونكم..

Tuesday, November 1, 2011

مباركة : آمال عريضة




فاجأتنا العريضة، قبل أن تفاجئ الآخرين... فاجأتنا العريضة، و جعلتنا نتلفت حولنا في ارتياع، و نبحث بعيدا عنا، عمّ حصل، كابوس رهيب أحس به كثيرون، ربما الفائزون بالانتخابات قبل الخاسرين.. بعضنا كان يضحك ساخرا من تصريحات الهاشمي الحامدي منذ يومين او ثلاثة بشأن حيرته بين الاقامة في قرطاج او في ضاحية شعبية. و بعضنا الآخر لم يسمع عن حزب الهاشمي الحامدي الذي ساند قوائم العريضة الشعبية المستقلة (مثلما ساند حزب العمال قوائم البديل الثوري مثلا) . لكن الغالبية العظمى لم تكن تعرف شيئا عن العريضة الشعبية، بل و سمعت من يتساءل في حذر : من هو الهاشمي الحامدي؟!

طبعا لن أنطلق من هذه النقطة، فلا يهمني الكثير عن تاريخ الهاشمي الحامدي و تاريخ اذاعته المستقلة سوى كونها كانت قبلة كل المعارضين، و محط اهتمام التونسيين، قبل ان يقع الهاشمي في غرام ليلى بن علي و تقواها و يقتل كل تجربة اعلامية معارضة من بعده.
سأبدأ منذ ذلك اليوم الذي نزل فيه ممثل حزب المحافظين التقدميين ضيفا على برنامج ساحة الاحزاب.. كان واثقا، معتدا، يتحدث عن الدكتور الهاشمي الحامدي حديث الواثق المتيقن من نتيجة الانتخابات. و انتظرت الهاشمي في الحملة الانتخابية، انتظرته في الاعلام التونسي، فلم أر منه شيئا، و اعتقدته أنه لم يكن جدّيّا تمام الجدية في ما يذهب اليه، و رسخ ظني حينما سمعت حديث الحامدي على قناته، و  حيرته بشأن مسكنه الجديد. كنت مستغربا أن يصدر عن رجل مثله كلاما كهذا. أ أصيب بلوثة عقلية؟ لم يكن كذلك قط. أي لعبة يلعبها؟ طبعا لم أتخيل أن يوم الاحد كان قادما باجابة سريعة جدا..
لماذا نجح الحامدي و فشل آخرون؟ هذا هو السؤال و التفسيرات الكثيرة لم يشأ أصحابها أن يتعاملوا مع الافكار الاخرى التي قد تمسّ منهم و تنتقدهم، لكنني هنا أؤثر أن أبحث في جميع الاسباب التي تظافرت لانجاح العريضة.

التجمع :
تقول سهام بن سدرين الصحفية المختصة في تتبع التجمعيين و البوليس السياسي و اقتفاء آثارهم، ان العريضة يقف وراءها تجمعيون و يسهرون على انجاحها. و دعمتها هيئة كمال الجندوبي باسقاط بعض قوائم العريضة. العريضة مدعومة بالتجمعيين لا من خلال ممثليها فحسب، بل من خلال عملية الدعاية اليها. فقط التجمعيون يعرفون مسالك تونس المظلمة. وحدهم التجمعيون يحسنون الغوص في أعماق البلاد، و يسيطرون على العمد و الشيوخ، في القرى و الأرياف. وحدهم التجمعيون يملكون القدرة على التجميع و التسويق في مناطق كثيرة قليلة السكان، لكنها مجتمعة قد تمثل قوة انتخابية لم يفكر فيها الكثير من الاحزاب.
من المعروف أن التجمع أخرج من رحمه احزابا كثيرة لا قبل لنا بحصرها، يقودها ولاة و وزراء و قيادات تجمعية سابقة يسهل كشفها، هل كانت تلك خطة التجمعيين لتمويه الجميع و العمل سرية؟ لا أخال ذلك. أعتقد أن التجمع لعب على كل المستويات الممكنة. كثرة الاحزاب تعطي فرصة اكبر من المقاعد. اللعب على الجهويات لها مفعولها أيضا و هو ما قدم 5 مقاعد لكمال مرجان. لكن رهان العريضة الشعبية كان الاكثر فاعلية. لماذا؟ لأسباب أخرى.

الأرياف :
أغلب الأحزاب التونسية تعمل في المدن. أعتقد أن الأمر عاديّ تماما، فكل الاحزاب تقريبا حديثة النشأة و لا تزال في مرحلة البناء و تأسيسي المكاتب المحلية. من الصعب جدا أن تنجح الاحزاب اذا في الدخول الى الأرياف فما بالك بتأسيس قواعد بشرية لها. أما العريضة، فكان ذلك موجودا و جاهزا للاستعمال أيضا.
لم يصل خطاب الكثير من الاحزاب الى الارياف، و بعض الاحزاب اكتفت بزيارات عابرة في حدود ما تسمع به امكاناتها المادية، و اكتفت بتوزيع منشورات على أناس لا يقرؤون أصلا. منشورات لا يعيرها الناخب اهتماما حقيقيا حين عملية تقرير المصير.
هل اعتقدت الاحزاب أن الارياف بضعف كثافتها السكانية، لا تمثل قوة انتخابية كبيرة؟ ربما. ربما فكرت جميعها بهذا الشكل، و تقاتلت من اجل اقتسام غنيمة المدن، بينما كانت خلايا العريضة تعمل منفردة في هذه المناطق.
أما الاحزاب التي تتهم العريضة و تهاجمها، فتقول اليوم انها لم تر العريضة في الحملة الانتخابية. أجيبها ببساطة، ان العاطل عن العمل، المستلقي في مخدعه، لا يمكنه أن يرى عمل الآخرين.

الإعلام :
لم تكن الاحزاب المنافسة فقط من عمي عن هذه الارياف و المناطق، بل الاعلام أيضا. الاعلام في الواقع لم يتنبه للارياف فقط، بل لم ينتبه الا للمدن الكبرى الثلاثة لا غير. كان اعلاما متقوقعا جدا في استوديوهاته، يناقش الاحزاب الشُوس العارفين، بعضهم يتحدث بصوت الحكمة و بعضهم يتحدث بصوت الثورة، و ربما يتحدث الاخرون بصوت الشعب. و لا أحد فيهم زار الشعب أو عرف احتياجاته.
حينما قدمت قناة "حنّبعل" مشاهد من جولتها حول المدن و الأرياف المغيّبة، فزعنا و اعتبرنا خطابها استهبالا للمواطن، و قامت عرائض احتجاج من جندوبة و من مدن اخرى رفضا لشكر باعث القناة، و ترشيحه رئيسا من الكثير من الناس. و لم يدر بخلد أحد منا أن الامر يتجاوز التمثيلية الرخيصة، الى  مطلب حقيقي من أناس وجدوا لأول مرة في حياتهم من يلتفت اليهم و الى معاناتهم. لم يدر بخلدهم أن التلفاز الذي يرون فيه تونس الغريبة عنهم، جعلهم لأول مرة تونسيين.
مارس الإعلام اذا اضطهاده المعتاد لاغلب مناطق الجمهورية و لم يزرها الا لو حدث طارئ، اما الاكثر خطورة، فهو أنه لا يتبنى خطابهم، بل مثلي أنا الآن، يعتمد خطابا يحضر فيه الجمع الغائب بكثافة، فأعظم سكان تونس "هم" و سكان المدن التي توجد فيها اذاعاتنا و قنواتنا "نحن"! كان خطاب "هم" و "نحن" حاضرا بصفة ضخمة لم يتنبه اليها احد "منّا" ربما لأننا "نحن"!
هذا الاعلام لم يصور حملات العريضة الشعبية، و صورتها بعض الهواتف منذ أفريل|نيسان الماضي، فتبيّننا أن العريضة قدمت حملة شعبية عادية جدا، لم تكن في جنح الظلام، و لم تكن تقدم المعونات الضخمة كما رأينا الاتحاد الوطني الحر، و لا "الاعمال الخيرية" التي تقوم بها النهضة "بدون مقابل"..
و لأن الاعلام التونسي الرائع لم يلتفت الى تونس و اهتم باستوديوهاته و ما جاورها، فهو لم يعلم بالظاهرة التي تسمّى عريضة، و لم يستدع أيّا من ابنائها، و هنا يمكن لي بشيء من الخيال أن أرى جماعة العريضة يقدمون برنامجهم الخيالي امام اعين الناس، فيجيبهم بعض الخبراء و يثبتون لهم (ان صدقوا فعلا كلام الحامدي) و لمنتخبيهم استحالة ما يذهبون اليه.
و لأن الاعلام التونسي الوطني، مقروءا و مسموعا و مرئيّا بات غريبا عن البلاد، يتحدث بلغة لا يفهمونها، يستعمل ألفاظا فرنسية كثيرة "يتوه" معها المواطن خصوصا اذا ما انحشرت ـ مجانا ـ في كلام النخب (حتى يبدوَ اكثر نخبوية ربما، او ربما لأنه بالفعل لا يعرف لغة القوم الذين يواجههم بالخطاب)، فقد كانت القطيعة بينه و بين التونسيين (و هنا حينما اتحدث عن التونسيين، اعني "هم" )، و كان التفسير لعدد الناس الذين تسألهم الاذاعات عن الانتخابات فيجيب تلك الاجابة الشهيرة "ماني فاهم شيء من هالانتخابات."
لكن الاعلام استمر طبعا في مسايرته للنخبة، و كأنه ينتظر من المواطنين ان يتحولوا بين عشية و ضحاها الى اكاديميين، او حملة شهائد او على الاقل اصحاب تعليم ثانوي. الحقيقة غير ذلك.. الحقيقة أن 23% من التونسيين لم يقرأوا في حياتهم كتابا. و الحقيقة أن نسبة الأمية لاتزال مرتفعة، و الحقيقة أيضا ان تونس ليست فرانكوفونية برغم كل ما ذهبنا فيه من فرنسة.
بين عتمة الاعلام و تعتيمه، جاءت العريضة بعيدا عن عدسات الكاميرا، بعيدا عن المعارضين، بعيدا عن من يكشف للناس حقيقتها، فقدمت خطابا كان أيضا سببا رئيسيا في نجاحها.

الخطاب :
من الممتع أن أتخيل عم حمد، الرجل الطيب في حومتنا، و أمامه الهاشمي الحامدي و حمّة الهمامي يحاولان اقناعه ببرنامجيهما و تصوراتهما للمستقبل. عم حمد ليس أميّا و لا جاهلا، بل يملك السيزيام، و يطالع ما أمكن له أن يطالع. أتخيل أمامه حمّة الهمامي الذي سمع أنه شيوعي (لم يصل به الحد الى قراءة رأس المال و لا عن المادية الجدلية)، يحدثه عن المسار الثوري، و صندوق النقد الدولي و النضال التقدمي، صراع الطبقات، و جمهورية البروليتاريا و الكادحين (و هو كادح جدا بالمناسبة)، ثم أتخيل الهاشمي الحامدي يخاطبه بلهجته البوزيدية و كلامه الشعبي، فيختصر له المسافة و يقول له الصحة بلاش، و النقل بلاش للكبار، و نزيدو في تسكرة الطيارة و غيرها كيف ما تعمل تونيزيانا، الخ الخ... اي خطاب منها سيقنعه؟ طبعا الثاني، على الاقل، هو لن يذكر شيئا من خطاب الاول سوى انه خطاب شيوعي (ملحد و هي فكرة تظل في باطن الشخص و قد تطفو احيانا).
قد يكون لعم حمد بعض التحفظات بشأن الاشخاص المرشحين عن البديل الثوري في جهة بنزرت، لأنه يعرف بعضهم و يعرف شهرة مقاعدهم في حانات المدينة، (و هو ما يعتبر عيبا عند التونسيين ـ هم ـ مرة أخرى). لكن ماذا عن سليانة، و ماذا عن قفصة، و ماذا عن سيدي بوزيد؟؟؟ الم يكن كبار مناضلي اليسار مثلا يعولون كثيرا على هذه المناطق؟ اين رأينا حمّة يقود حملته الانتخابية؟ كيف لم يحط علما بشعبية العريضة في تلك المناطق؟ كيف لم ير علامات الاستغراب في وجوه القوم و هو يحدثهم حديثه الذي ساقه؟
التجمع قاد العريضة الى تلك المناطق، لكنه لم يشتر الاصوات ( على الاقل لا اخاله يملك ثمن كل هذه الاصوات) بل أقنعهم و انتصر على اليساريين مثلا الذي كانوا في الميدان نفسه و عادوا بمقاعد ثلاث مثيرة للشفقة.
للخطاب قيمته، الخطاب الذي يتوجه مباشرة الى الصحة و النقل و ضروريات الحياة التي يحلم بها المواطن التونسي، بدون مواربة و لا تخف وراء لغة ايديولوجية غير مألوفة للأذن التونسية. قد يقول المرء ان خطاب الهاشمي الشعبوي هو في نهاية الأمر ضرب من التحيل، بل هو الاحتيال بعينه، و هو أمر لا يتجادل فيه اثنان، لكن الخطاب الشعبي لا يتناقض مبدئيا مع الواقعية و تقديم البرامج الدسمة. قد لا يفهم عم حمد مصطلح العدالة الاجتماعية، لكنه يفهم نتائجها : الصحة في متناول الجميع، ليس مجانا و ليس غدا، لأن ذلك غير ممكن، و لكن يجب توفير المال للدولة أولا، و لتوفير المال للدولة، يجب ان نقضيَ على السرقات، و يجب أن نتخلص من الديون. و كي نقضي على السرقة، يجب أن نحاسب السارقين، و كي نحاسبهم يجب أن نوفر قضاة شرفاء. اذا يجب أن نبدأ من القضاء، الخ..
التونسي ليس غبيا، حتى و ان لم يقرأ كتابا في حياته، فهو حتما ليس غبيا و هو حتما يمكنه ان يستمع اليك، و يفهمك، لو قدمت له خطابا قابلا للفهم، لو قدمت له برنامجا بلغته التي يفهم. بل ربما تكون اللغة عاملا في استمالة التونسي و الظفر بمودته، في ظل احساسه بالعزلة و الاختناق و التهميش من قبلـ"نا" نحن، "المتحضرون" أصحاب اللغة الراقية، او اللغة "التقدمية" او "الحداثية" أو "الاسلامية"..
لقد عبر إبراهيم القصاص عن ذلك أحسن تعبير حينما هاتف الهاشمي الحامدي على قناته، و أكد له أنه يعمل جاهدا من اجل اقناع قبلي بالتصويت للهاشمي، لا حبا فيه، بل نكاية و شماتة في الاحزاب الاخرى التي تنزل ضيفة على القنوات التلفزية، فتقذف مشاهديها بما شاء لها ان تقذف من بغائها الخطابيّ و تعاليه، فلا هو يفهم شيئا و لا عائلته تفهم شيئا، سوى أنهم غرباء تماما عن وطنهم كمعظم اهاليهم.


قداش تتحملي يا مباركة -- جمهورية قبلي المستقلة -- from ibrahim chedli on Vimeo.


ان ما حدث في الواقع، هو مجموعة من الظروف البريئة و غير البريئة التي اجتهدت و تعاونت، لا كي تكسر عرس الانتخابات، بل كي تعرّي حقيقة فاتت كثيرين منا. تونس كانت لنحو 20% من سكانها، بينما يعيش الاخرون في ظلنا. تونس ليست ساحلا سعيدا و داخلا منكوبا، بل ان التعساء بيننا، يعيشون في ظلنا، قد تقابل بعضه في طريق عملك، فلا تتساءل البتة أية حياة تراه يحياها، و اية لغة تراه يتحدث بها، و اي فكر يعتمل في نفسه، و اية آمال بسيطة تجول في خاطره.. ان ما حدث هو أن الهاشمي الحامدي كشف لنا ـ في لوثة ركضه وراء السلطة ـ عن وطن نغتصبه من أصحابه باسم "مباركة"...




Saturday, August 20, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ "حدت"

و يسمى أيضا حزب نجيب الشابي، و أعتقد أن التعرف على الحزب يمرّ عبر التعرف على هذا الرجل تحديدا.
في الواقع لا يمكن سرد كل تجربته السياسية هنا، و لكن اختصارا، برز اسم أحمد نجيب الشابي منذ الستينات كعضو في منظمة أفاق الاشتراكية قبل أن يتعرض هو رفاقه الى جملة من الاحكام بالسجن و الاقامات الجبرية خرج منها سنة 83 بتأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي مع "الانفتاح" الرسمي على التعددية الحزبية، أترك لكم حرية استنتاج توجهاته من خلال ما صرح به الشابي أنذاك في ندوته الصحفية : ‫
" وينهض مبدؤنا الاشتراكي على ‫أساس ملكية المنتجين أنفسهم لوسائل الإنتاج الكبرى، ووجوب تسييرهم لها،‬ ‫وأن حركتنا تنتسب إلى الفكر الاشتراكي العمالي العالمي، ولهذا فهي ترى، أن ‫الطبقة العاملة مدعوة إلى أن تلعب الدور القيادي في عملية التحول هذه من‬ ‫الرأسمالية إلـى الاشتراكية، الذي ننشده .. ولذلك فإننا نعمل على إقامة نظام ‫اشتراكي قوامه الديمقراطية.” ‬
و رغم التطور الحاصل في بعض مواقف الشابي التي كانت أكثر راديكالية في ما مضى، فإنه حافظ نقاط مشتركة مع قوى اليسار، مبينا معاداته لقوى الامبريالية "أمريكا و الكيان الصهيوني" و مطالبته بشراكة اكثر فاعلية مع الاتحاد السوفياتي.
كما ظهرت حينئذ جريدة الموقف، التي كانت فيما بعد خير معوّض لصحيفة الرأي الشهيرة، و كانت بشكل ما صداعا لأجهزة الدولة التي حاولت قمعها أكثر من مرة فيما بعد..
لكن لنعد إلى الخط "التقدمي" الذي سار عليه نجيب الشابي، فبعد محاكمته سنة 87 كأغلب قوى المعارضة، صادق بعد استلام بن علي السلطة، على الميثاق الوطني شأنه شأن بقية الاحزاب (باستثناء حمة الهمامي حينئذ) و أبدى تجاوبا مع النظام الجديد ـ القديم، ربما أكثر من غيره من القوى السياسية آنذاك، و كان أن أُرسل أحمد نجيب الشابي مبعوثا شخصيا من بن عليّ الى الخليج لتبيين موقف الدولة من حرب الخليج. و هو ما يوحي بضرب من التماهي بين موقف الحزب و موقف الدولة. و لكن الغزل لم يستمرّ، خصوصا حينما أدرك الشابي أن التجمع الدستوري لا ينوي تشريك اي حزب اخر في الحكم، و بعد سكوته على تزوير انتخابات 89 و سكوته على عمليات قمعية قام بها النظام في تلك الفترة، اعلن الحزب عن تخليه عن مساندة النظام سنة 91 حينما بدأت محاكمة الاسلاميين...
و بغض النظر عن الدوافع وراء هذا التغير ـ ان كان بالفعل ادراكا متأخرا جدا لحقيقة النظام، أو خيبة امل في نظام امطره وعودا ـ فإن مقاومة الحزب طيلة فترة بن علي كانت واضحة و لا يمكن نكرانها، و كحزب معترف بوجوده كان الطرف الاقسى على النظام، و كانت صحيفة الموقف تمثل نورا خافتا وسط ظلمة الاعلام التونسي طيلة السنوات الثلاث و العشرين التجمعية.
لكن لنعد إلى مسيرة الحزب، فقد تركناه ذا نزعة اشتراكية واضحة معادية للامبريالية الامريكية، و تنتصر للقيم الشيوعية، لكن ذلك بدأ يتلاشى مع مرور السنوات، خصوصا مع انضمام العديد من المناضلين من تيارات ايديولوجية اخرى الى الحزب، و بدا أن خط مقاومة الدكتاتورية أكثر أهمية من الخط الاشتراكي.. لقد تحدثت تقارير كثيرة عن التقارب بين الحزب الاشتراكي التقدمي (الذي تخلى في مؤتمر 2001 عن تسمية اشتراكي، و أصبح الحزب الديمقراطية التقدمي ـ حدت) و الادارة الامريكية. و لكن ما قد يسترعي الانتباه، هو خيارات الشابي في تلك الفترة، فبعد دورتين متتاليتين على رأس الحزب، تخلى “طواعية” عن رئاسة الحزب (ربما كان بمقدوره المواصلة دون معارضة من أحد) تكريسا للمبدأ الذي يناضل من أجله، و تولت مية الجريبة الامانة العامة منذ ذلك التاريخ الى اليوم، و لكن ظل الرجل هو المرشح الوحيد للحزب في رئاسيتي 2004 و 2009 و ان قوبل بقمع السلطات.. لقد تغيرت افكار الحزب تدريجيا لتقترب أكثر من الافكار الراسمالية و الليبرالية، و بدا أن همه الاول ليس الاطاحة بالنظام كما كانت الاحزاب الممنوعة حينئذ كالنهضة و قوى اليسار الراديكالي و بعض التيارات القومية، بل ايجاد مكان وسط النظام لتغييره من الداخل و كأنه بذلك يقدم تخيّلا جديدا لمصطلح التقدمية، مخالفا للمعنى اليساريّ المألوف...
و أعتقد أن ذلك كان يفسر إلى حد ما القبول الحذر لخطاب بن علي في 13 جانفي، فقد اعتبرها فرصة جيدة جدا للمشاركة الفعلية في الحكومة بعد طول انتظار، و قد كانت تلك أول قراءة خاطئة للاحداث منذ بداية الانتفاضة. و قد تتالت القراءات الخاطئة...
ـ انضم الشابي إلى حكومة الغنوشي المثخنة بالتجمعيين من رفاق بن علي في حركة تعكس مدى وعي الحزب بمتطلبات الثورة... ـ تواصل بقاء الشابي في الحكومة رغم المطالب الشعبية آنذاك التي كانت تطالب بتغييرات جذرية، و الغالب انه اعتبرها مطالب حزبية من اولئك الذين تحالف معهم في الماضي و لم تسعفهم وضعيتهم القانونية اليوم في التواجد في صلب الحكومة (العمال، المؤتمر، النهضة) ـ ظهور الشابي المتكرر في القنوات التلفزية كممثل عن الحكومة، في وقت أكد فيه انه اختار وزارة الشؤون الجهوية لأنه "رجل ميدان" .. لم يزر الا منطقة واحدة حينئذ.. ـ بعد اعلان السبسي ان اعضاء الحكومة لا يمكنهم الترشح للمجلس التأسيسي، استقال الشابي من الوزارة، في خطوة أكدت سعي الشابي الحثيث وراء أي منصب قيادي كان. ـ انتقل الشابي بعد ذلك إلى مساندة الحكومة بطريقة غريبة، و الى المساهمة في خلق تصادم تونس بين مؤيدي حركة النهضة و معارضيها، في وقت لم يتم فيه التخلص بعد من الخصم الذي تحالف بسببه مع الحركة الاسلامية في الماضي.
ـ دعا الحزب الى تهدئة الاجواء و الى معاداة النهضة باعتبارها العائق الوحيد امام التحول الديمقراطي، و الى مساندة الحكومة، و الى انهاء كل اضراب يحدث. في المقابل تجاهل الامور التالية:
+ ملف القناصة
+ ملف الهاربين
+ ملف الداخلية
+ ملف ضحايا الانتفاضة
ـ قدم الحزب برنامجه مبكرا و قدم خلاله اهدافا مهمة دون أن يقدم السبل و الحلول لاغلبها (ضمان استقلالية السلط) ـ توازيا مع البرنامج الانتخابي بدأ الحزب حملة دعائية منذ شهر افريل تقريبا، مخالفا بذلك القانون الذي يقر ببدء الحملة قبل 3 اسابيع من الانتخابات. ـ في الوقت نفسه، تعرض الحزب بالنقد الشديد للبرنامج الذي قدمه عبد الفتاح مورو في رمضان على حنبعل في وقت كانت نسمة تبث اعلانه. ـ شهد الحزب أوسع حركة استقالة جماعية في صفوفه خلال ماي و جوان، و السبب الرئيسي كما يبدو التفرد بالرأي و اقتصار القرارات على بعض الاعضاء من المكتب السياسي، و هو ما رد عليه الحزب بتوسيع نطاق المكتب السياسي، و بعض التغيير في هيكلة الحزب.. ـ من خلال محادثتي لاحد شباب الحزب، فإن هناك انعدام تواصل بين المكتب السياسي الذي كثيرا ما يتلقى معلومات مغلوطة تماما و بين اعضائه الناشطين الذين يبلّغون احيانا المعلومة متأخرا، او لا يبلغونها اطلاقا مما ينعكس على بيانات الحزب و مواقفه..
ـ كثر الحديث عن عمليات استقطاب الحزب للكوادر التجمعية، و أيضا للمواطنين عن طريق الوعود او الحشد الرخيص وقت المؤتمرات، و لا نملك في الواقع دلائل قطعية على وجود هذه الممارسات، و لكن اغلب الظن أنها بالفعل موجودة من خلال تأكيدات اطراف عديدة لا يجمع بينها شيء، و فيهم من المستقلين كثيرون..
لا أعرف ان كنت قد ألممت بكل ما يمكن ذكره في خصوص الحدت، لي مقال بشأن برنامج الحزب، و لكن استنتاجي الشخصي، ان الشابي فهم "التقدمية" بالغالط، و بعد ان تدرج من اليسار الراديكالي الى يسار اقرب لليبرالية، تحول من محارب للديكتاتورية الى باحث عن السلطة بشتى السبل. يفهم الشابي الديمقراطية على انها تنافس بين "عدة" تيارات سياسية على السلطة، من يفوز بالسلطة؟ في حين أن المجلس التأسيسي يتطلب تعاون التيارات جميعا من اجل بناء مقومات دولة يمكن ان يستقيم فيها التنافس. رغم كل ذلك يتواجد "حدت" في مقدمة استطلاعات الرأي بعد حركة النهضة، ربما بسبب ماضيه النضالي، و ربما ايضا بمساعدة تجمعية تعلم جيدا طرق الوصول الى مناطق لا تملك ترف تحليل المشهد السياسي.. ربما ينجح الحزب التقدمي في تحصيل نسبة لا بأس بها من الاصوت، لكنني متأكد أن صوتي لن يكون من بينها.
الصورة مفبركة، و هي رمزية و ليست توثيقية

Friday, July 29, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ النهضة



سأدخل مباشرة في الموضوع، قراءتي، كمتابع بسيط لا أختص في الجيوبوليتيكا و لا في الصحافة السياسية، لخارطة الاحزاب في تونس. و لأن حركة النهضة باتت تمثل مشكلا ضخما، و لغزا كبيرا، فقد آثرت أن أقدم قراءتي بشأن هذه الظاهرة منذ البداية. و أعتذر عن طول المقال.
تمثل حركة النهضة المشكلة الرئيسية في المشهد السياسي التونسي، أو لنقل هناك من يريدها كذلك. معطيات كثيرة يجب أن نستحضرها حتى نقيّم بشكل دقيق ـ أو على قدر لا بأس به من الدقة ـ وضعية هذه الحركة حاليا. لذلك سأحاول الاختصار قدر الامكان، و قد أضع بعد ذلك تباعا استطرادا أطول لكل معطى من المعطيات.

+ منذ بداية النهضة العربية سنة 1801 كما اعتبرها توفيق الحكيم (افاق العرب على صوت مدافع نابوليون)، و العرب يبحثون عن طريق او اتجاه يخطون خطواتهم فيه. فقامت أساسا فكرتان.
1 ـ التغريبية التي تعتبر أن الحل الأمثل للنهوض بالامة، هي اتباع الغرب تماما في كل ما يفعل، فما دام قد تقدم و تطور منتهجا هذا النهج، فهو حتما النهج الصحيح.
2 ـ الأصولية التي تعتبر أن الحضارة العربية الاسلامية قدمت كل مقومات النهوض بالامة، و ان اتباع خطوات المسلمين الاوائل بحذافيرها هي الوسيلة للتطور و التقدم.

بعد ذلك بدأت تظهر حركات توازن بين هذا و ذلك، و إن مال بعضها الى هذا الجانب دون ذلك و العكس. اذا حركة النهضة تقوم على فكرة غير محدثة و لا جديدة و لا مبتكرة، بل هي طبيعية جدا، توجد في كل المجتمعات العربية. و لئن قامت مستندة الى الفكر الاخوانيّ، فهناك من يعتبرها امتدادا للحركة اليوسفية (الاكثر التصاقا بالواقع التونسي).
+ حركة النهضة تعتمد اساسا عن افكار حسن البنا، و سيد قطب و غيرهم من الاخوانيين المصريين, و أيضا من الفكر الزيتوني، و هو (الزيتوني) فكر مشهود له بالاتزان و الاعتدال. و من الطبيعي على كل حركة اصولية ان تسعى إلى تأصيل كل الافكار المعاصرة و ايجاد اصول حضارية لها في وسطها. اذا من الطبيعي أيضا أن تسعى الى استعادة فكرة الخلافة و لو على منظور بعيد جدا، على أساس انه كان رمزا للحضارة الشرقية. و هو لا يعني طبعا استعادة مؤسسة الخلافة بموبقاتها، و لكن لها رمزية لا تخفى على احد. قراءة الواقع التونسي اليوم، تثبت أن المجتمع بعيد جدا عن هذه الافكار، لاسباب كثيرة منها المتغيرات العالمية، و تكوين الاجيال الجديدة، الخ.. اذا تبحث حركة النهضة على المدى المتوسط او البعيد، الى اعادة ترسيخ فكرة الانتماء و الانطلاق من الهوية. سلاحها في ذلك ـ لا ازدواجية الخطاب كما يقرؤها كثيرون ـ و انما التعرف على افكار جديدة حول العالم، من التجربة التركية الى الماليزية، إلى الكتابات الاسلامية الحديثة.
لا تسعى النهضة اذا الى فرض افكارها على الاخرين، و انما الى تأصيل الافكار المعاصرة (الديمقراطية، حقوق المرأة، حرية المعتقد، نبذ العنف، الخ) و الى اعادة الاعتبار الى مقومات الهوية التونسية و الى المنظومة الاخلاقية.

ـ هنا تبرز مشاكل حركة النهضة، فعلى المستوى العمليّ، لم تستوعب حركة النهضة بعد ان المنظومة الاخلاقية قد تغيرت في تونس بفعل الفاعلين. و أن أفكار النهضة باتت في معظمها دخيلة على المجتمع و ان مؤشر الاعتدال قد مال الى اليسار قليلا بالفعل. و هي بسبب ذلك تظل محافظة على الصورة المتزمتة التي قد ينفر منها التونسيون.

ـ ان عملية تغيير المجتمعات لم تكن يوما وظيفة السلطة التنفيذية، و هو أمر لم تستوعبه النهضة اطلاقا. فهي تعتبر أن الحكم هو الوسيلة الوحيدة للـ"نهوض" بالمجتمع و هو أمر سيربط بين "وجوب النهوض بالامة" الطويلة الامد، و بين الامساك بالسلطة التنفيذية القصيرة الامد. و هو ما يفتح بابا للدكتاتورية. على النهضة ان تدرك أنها لن تحكم وحدها و أن المجتمع تعددي فعلا، و انها لذلك لن تفعل اكثر من التأثير و الشد الى اليمين قدر المستطاع. و ان من يريد أن يغير مجتمعا، فهناك أسلحة أقوى من الحكم كثيرا.

ـ اولى الاسلحة هي الفن، و الفن البديل ليس غائبا عن الحركة، لكنه فقير، معدم، لا جديد فيه. إن اي حركة ثورية تريد التغيير تنطلق أساسا من افكار نظرية متينة، تشد أنظار الفنانين و الادباء، فيدعمونها و يثرونها و يجعلونها بفنهم خبزا يوميا للعامة، حتى تطغى تلك الافكار على العقليات و يصبح التغيير نابعا من الشعب لا من منبع الحركة الثورية. كذلك انطلقت الثورات الغربية، و كذلك انطلقت الثورة البلشيفية، و لذلك أيضا ستعدم حركة النهضة من أية نتيجة حقيقية. فالتنظير الذي انطلقت منه الحركة، مجرد افكار و ان كانت قيمة، ليس شاملا، و في الواقع لا يمكن لأستاذ فلسفة مع احترامي الشديد، ان يقدم دراسة معمقة للواقع الاجتماعي و الاقتصادي، و النفسيّ و لا يمكن أن يقدم قراءة تاريخية حقيقية كتلك التي قدمها كارل ماركس منذ قرنين. لم يستوعب علماء الدين و من بعدهم الاصوليون ـ الا قلة قليلة منهم كمالك بن نبي ـ أن العصور تغيرت، و ان العلوم الانسانية كالتاريخ و علم النفس و الاجتماع و الاحصاء الخ، ليست مجرد علوم تعتمد للمعرفة فحسب، بل هي علوم تعتمد للبناء، و للاستشراف.
و لأن التنظير كان سيئا، فإن تأثيره كان ضعيفا، و حتى من آمنوا بافكار الحركة، لم يرسخوها بالفن. و هو ما جعل الاصوليين يكتفون بالاحتجاج على الافكار الفنية المعادية (فيلم نادية الفاني، النوري بوزيد..) و في أحسن الاحوال، قدموا فنا مساندا على درجة من الفقر و الضحالة أضر بالحركة أكثر من أن افادها (سايكو أم) قبل أن يتوجهوا الى الاستيراد (سامي يوسف، مسعود كورتيس)..
ـ الأكثر تعاسة أن يتجلى هذا الفقر الفني و الفكري في أعضاء الحركة أنفسهم، فمعظم أعضاء الحركة ـ على مستوى القاعدة الشعبيةـ ينتمون الى النهضة على اساس أنها حركة اسلامية و السلام، لا يعنيهم في ذلك افكارها و اتجاهها و قراءتها للدين و الواقع و التاريخ. و في الواقع لم تهتم الحركة بتأطير ابنائها ـ على كثرتهم ـ التأطير الفكري المناسب، و هو ما أحدث فوضى ضخمة على مستوى اتخاذ القرارات الفردية و الطائشة التي تحسب على النهضة حتما. و في الواقع لا يمكن لوم هؤلاء حينما نسمع مثل هذه الشطحات عن بعض القيادات التاريخية كمنصف بن سالم، و حتى راشد الغنوشي نفسه. و ربما كان لزاما على القيادات الفتية الحقيقية في النهضة (الوريمي، ديلو، البحيري، الخ) أن تتدخل لمنع تراكم مثل هذه الشطحات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كل ذلك يجعلني أستنتج أن النهضة كحركة تحاول أن تقدم فكرا جديدا، بعيدة جدا على التغيير الحقيقي. و أن عليها أن تتطور قبل ذلك. هذا لا يمنع عنها الحق في الدفاع عن افكارها بشراسة، و هو ما تقابل به برفض قطعيّ و ممانعة من قوة معادية سأتحدث عنها لاحقا.
يقول واقع ما بعد الثورة، أن النهضة تريد الحكم فعلا، أو على الاقل تريد أن تكون طرفا فاعلا في الحياة السياسية و في اتخاذ القرار، و هي تواجه بمقاومة شديدة من قبل قوى بعضها يتشدق بقيم التسامح (tolérance) و قبول الآخر، و هو يسقط في أول امتحان جدي في ذلك.
كما أن المقاومة تأتي من طرف ثان يحاول تقسيم البلاد الى شقين، و يحاول ايهامنا ان المشكلة الرئيسية اليوم هي الاسلاميون، و هو للاسف ما وقع في فخه كثيرون. لكن، لحسن الحظ، هناك قلة ممن يقرؤون التاريخ و يحسنون الاستفادة من تجاربهم المريرة، فحمّة الهمامي زعيم حزب العمال، يحاول عبثا التنبيه الى ان الصراع لا يتعلق بمن مع الاسلاميين و من ضدهم، بل ان الصراع هو بين القوى الديمقراطية و بين من لا يريد الديمقراطية. و كلنا نعرف أن من لا يريد الديمقراطية لا يقصي أحدا.
لذلك فكل تصرفات حركة النهضة تعكس تخوفها الشديد من اقصائها. حركة النهضة تخشى أن تجد نفسها اقلية معدومة في المجلس التأسيسي، فتتكالب عليها القوى المعادية لها، فتعلن دستورا لائكيا و تمنع الاحزاب ذات المرجعية الاسلامية تماما. هذا الخوف له ما يبرره، و هي لذلك تعتبر أن أولويتها المطلقة هي الفوز في الانتخابات. لذلك تسبّق التعبئة الضخمة على التكوين الجيد. و لذلك جاءت قرارات النهضة متوازية جدا مع المسار الثوري. في الواقع كانت سياستها معادية للقوى المضادة للثورة لا أكثر، و مادامت معادية لأعداء الثورة، فهي اذا متوازية مع المسار الثوريّ. و لذلك أيضا حاولت أن تنقذ ما يمكن انقاذه من خلال القصبة 3، لكنها حينما احست ان كل ثقل التضحية ستحمله وحدها تراجعت. ما يهم النهضة ليس الثورة نفسها، بل أن يكون تمثيلها قويــا، و في سبيل ذلك عليها ان تحارب قوى البوليس، و قوى الحكومة و من وراءها، و قوى الاقصاء، لذلك هي مجبرة على اتباع المسار الثوريّ. كما أنها للسبب ذاته، تحاول كسب كل أطراف الضغط الممكنة، الولايات المتحدة، اموال الخليج، بعض القوى السياسية التونسية (العمال من اليسار الشيوعية مثلا)، و حتى التجمعيين الذين يتواجد منهم كثيرون في الحزب اليوم، حاملة شعار : شخص سيء، هو في الواقع صوت اضافي!
قراءة أخرى يقدمها الصحفيّ الصافي سعيد، تتمثل في دور الولايات المتحدة و الخليج العربي في دعم الحركة. و هي قراءة تنتطلق من ملاحظة الاحداث الحاصلة في العالم العربي ككل. يعتبر الصافي سعيد أن الولايات المتحدة تحاول انتهاج فكرة المصالحة مع التيارات الاسلامية المعتدلة ـ الاخوان في مقابل الجهاديين ـ و تمكينهم من الحكم على اراضيهم و حصرهم هناك حتى يحتووا الحركات المتطرفة من خلال الايديولوجيا نفسها (الاسلامية). و هي في ذلك تحاول نسخ المثال التركي ـ حيث يحكم الاسلاميون بحماية عسكرية للقيم الجمهورية بدعم من دول الخليج التي قد تستفيد كثيرا من ذلك بانتقال واجهة الاستثمار من أوروبا إلى دول الخليج. تدعم إذا دول الخليج خصوصا حركة النهضة من اجل هذه الاسباب. و هي أسباب لا تعجب كثيرا المتفرنسين مثلا الذين سيعتبرون الحرب ايديولوجية اكثر منها اقتصادية.
من يعادي المسار الثوريّ ظنا ان النهضة وراءه هو شخص أخطأ قراءة الاحداث تماما. من الطبيعي أن تحاول النهضة التأثير على المسار من اجل انجاح مصالحها، و الطبيعي ان يدعم المرء هذا المسار مسلطا الضغط حتى يدعم ذلك مسار الثورة وحدها لا غيرها. أما أن نترك الثورة و نكتف أيدينا فقط لأن النهضة هناك، فهذا هو مرض الحقد بعينه.

أما بخصوص الانتخابات، فأعتقد أن وجود النهضة في المجلس التأسيسي أمر ضروري جدا لاحداث التوازن المناسب في المجلس، فالنهضة تعكس آراء شريحة ضخمة من الشارع التونسي، فضلا انها تمثل جبهة مقاومة التفرنس و الانسلاخ.
لكن لا يجب أن تتمكن النهضة من غالبية الأصوات. لأنه في ظل افتقار الحركة كما ذكرت الى متائن فكرية و فنية، فإن الانزلاق نحو الدكتاتورية سهل جدا، حتى و لو لم تشأ الحركة نفسها.


Sunday, June 26, 2011

سندرلا ـ القصة الحقيقية



مرحبا،

طبعا أغلبكم قرأ قصّة سندرلا، أو شاهد فيلم ديزني الكرتونيّ، أو سمعها في برنامج من قبيل "كان يا مكان".. في الواقع، سندرلا لها جذور عميقة في التراث الانساني، و كلّما توغلنا في الزمان و المكان وجدنا دوما دليلا أنّها "مرّت من هنا"..

لكنّني هذه المرّة أقدّم سندرلا جديدة، أقرب لتونسيّ هذا العصر.. ربما هي سندرلا الحقيقية، أنا أزعم ذلك على الأقل.. و لكم أن تصدّقوا أو لا تفعلوا..

هذا مقطع من القصّة :

و لانها امرأة، و لأن المرأة مقاومة بطبعها، فقد انتقلت في نضالها إلى جبهة البنات. و خمّنت أن ابنتيها بذكائهما سيلفتان نظر والدهما و يشغلانه عن سندرلا. و خمّنت أن الله و إن حرمها من جمال المرحومة، فسيتنزّل عدلُه على البنات. و في الواقع لم يخيّب الله رجاء المرأة، لكن ذلك لم يكف ليلتفت الرجل الكئيبُ إلى ذكاء ابنتيه أو لظرفهما. إن الرجلَ مصدوم. و الواقع أن دراسات فرويد و يونغ المعمّقة في علم النفس لم تبلغ المملكة بعد. هنا لا طبَّ غير الساحرات، و لا علاج غير العصا السحرية. و هنّ يأتين متى يحلو لهنّ، لا متى نحتاج إليهنّ. و في الواقع، لم يدرك أحد أية حالة نفسية كان الأب عليها. لذلك تواصل الرجل في ضلاله و شروده. و تعاظم سخط "زينة" على سندرلا و جمال أمها، مع كل يوم تزداد فيه الطفلةُ شبها بتلك الصورة المعلّقة ـ قسراـ في حجرة نومها. 
و للقصّة بقية.. 
Iori Yagami
26 حزيران 2011


There was an error in this gadget

Translate