Saturday, March 30, 2013

العاجز

من وحي أحداث مسيرة يوم الأرض..
_________________________________ 

مخيّلتي تضيق.. 
كانت الشعارات كثيرة.. فسيفساء من الاحلام و الشتائم.. الحزب و الحزب المعادي.. علم فلسطين يشرئبّ بعنقه علّ أحدا يراه.. 

دخل إلى حانة الفندق، و طالعه صوت الموسيقى الدافئة، ربّما يجد شيئا من الصخب الهادئ هنا، العاصفة لا تزال تزأر في رأسه، و هو يحبّ أن ينسى..

كانت وراءه أعلام المغرب، و كانت أمامه رايات الصحراء المغربية و كان هو يحمل شعارات عن الأرض المغتصبة.. حاول أن يتابع المسيرة بحنجرته المتحمّسة لكنّه ضاع وسط الهتافات.. لم يفهم تحديدا هل عليه أن يصرخ "الارض فلسطينية، و الصحراء مغربية" أم أن يصرخ "الصحراء و فلسطين، اراضي المظلومين" لذلك قرّر أن يبتعد قليلا..

جالسة هناك، تلاعبُ الموسيقى جسدَها فيستجيب تلميحا، بينما شفتاها لا تكفان عن الابتسام.. سرت رعشة خفيفة في جسده و هو يقبّل خدّها الغضّ.. و راح يتابع ما ترويه عيناها من حكايا...

فوجئ بصراخ من حوله، و حمّالة ألوية عجيبة يندفعون راكضين من ورائه.. قرأ على الألوية عبارة "الأحواز".. لماذا يركضون؟ هتف أحدهم أن انصار الخمينيّ في الخلف، و أن البوليس فرّق بينهم.. "الوطن العربي واحد، الشعب العربي واحد!".. قال لهم أحدهم أن يلتحقوا بالقوميين في الأمام.. 

عيناها تلمعان، جذل أم انتظار؟ جرع بقية كأسه لكنّ العطش لا يزال غالبا، فظل يحدق صامتا في شفتيها.. قالت له مبتسمة إنّه ـ على غير عادة الكتّاب ـ صموت، لكنّه لم يجد جوابا فلاذ بالصمت و مراقبة شفتيها..

سأله صديقه الفلسطينيّ عن الرايات الحمراء التي تحيط بهم، فأجابه إنهم النقابيون، و أتباعهم.. لماذا يصرخون تنديدا بتجار الدين؟ لم يجد اجابة مقنعة، قال انها ادبيّاتهم السياسية، فصرخت في وجهه امراة ثائرة أنهم مجتمع مدني و لا علاقة لهم بالاحزاب.. أراد أن يسألها لماذا لا يُجمع الكل على اسم فلسطين و ينسون خلافاتهم ليوم واحد؟ لكنّه خاف أن يُتّهم بالرجعية فلاذ بالفرار.. 

نسق الموسيقى يتسارع، و كذلك الخدر في جسده، مع ذلك لم يحس بانسجام كبير مع ما حوله.. راح يتأمل الوجوه الناعمة المنتعشة.. رائحة السلام و النسيان تغرق المكان.. شابان و امرأتان يتبادلون القبل في ما بينهم في استمتاع، عجوز تراقص سعادتَها و رضاها عن العالم.. قالت له احداهنّ "و كأنّك غريب عن هذا العالم." فابتسم ساخرا و أفرغ كأسا أخرى في جوفه، ثم هبّ راقصا.. 
كيف تغيرت الموسيقى الى فولكلور فلسطينيّ؟ لم يفهم.. لكنّه توقف عن الرقص.. راح يتابع راقصي الدبكة الذين نبتوا فجأة وسط المكان.. كان أغلبهم شُقرا، غربيّي الملامح.. أشاعوا جوا فلسطينيّا دافئا.. لماذا لا يواصل الرقص؟ كان عاجزا.. و كان مخيّلته تضيق..

قال له صديقه الفلسطينيّ إنّه كره الزحمة و الشعارات المستفزّة، و أنّه ربما عليهم أن يتقدّموا الى الامام قليلا.. هنا، أوقف المنظّمون تحرّك المسيرة، و هتف هاتف من وراء بوق لا يعمل أن مسيرتهم المظّفرة كبيرة و تبلغ العشرة آلاف شخص، و أنه يجب أن يتوقفوا ليتركوا "الغرباء" في التسللّ.. ردّد أحدهم هتافا عن الخونة "الاخوانجية".. فطار صواب رفيقه الفلسطينيّ و دعا الجميع الى الابتعاد عن جسم المسيرة.. مرّ مع صُحفيّة من بين أيدي المنظّمين المتشابكة، ثمّ استدار ليجد صديقَيه الفلسطينيينّ داخل الحاجز البشريّ.. كانت الفتاة الفلسطينيّة تهتف في غضب إنها لا تتبع أية مسيرة، و إنّها "قرفت" من الشعارات الحزبية التي لم تأت من أجلها، لكنّه واجه يدَها الرقيقة بيد حجرية آلمتها، لحسن الحظّ أن صديقه الفلسطينيّ لم يلحظ ذلك، امّا هو، فاندفع لتخليصها و هو يصرخ في المنظّم.. كان للمنظّم موقف وجيه من منع فلسطينيّة من التحرّك بحريّة في مسيرة تساند وطنها : لا يجب الاختلاط مع الرجعية.. موقف لم يكن يعنيها كثيرا..

حينما اقترب منتصف الليل، لعبت الخمر برأسه، فاسند رأسه إلى كتفها.. رسمت ابتسامتها الساحرة و هي تقول في غموض "هل تريد أن تنام حقا؟" لا يعرف، قال لها إنه يشعر بالعطش، كان بالفعل يشعر بالعطش، لكنها و قد لحظت ذوبان عينيه عند شفتيها القرمزيّتين، ضحكت و قالت له : الجمايلية عطاشى!" ثمّ أضافت :" ما الذي يروي عطشك؟" عيناها تكتبان أكثر من قدرته على القراءة.. عيناها تلمعان في جنون هادئ.. حينما تضيق المخيلة، يتداخل الخيال بالذاكرة.. يمتزج الماضي بالامل.. الكاذب.. عاودته صور الاحزاب المتشابكة على فلسطين في يوم الأرض.. ثمّ صورة شفتيه تدغدغان جسدها.. ركّز أيها الاحمق ركّز! لكنّ الصداع بدأ يعمل عمله.. أشياع صدام يهتفون ضدّ أشياع الخامنئ، اليسار يحذّر من الاخوان، و الاخوان يكبّرون في رضا، الناصريّون يرفضون مظاهرة ينظمها المنتدى المتحالف مع الصهيونية، أين فلسطين؟
كان عاجزا.. حينما ألصق شفتيه بشفتيها، كان لا يزال عاجزا.. "ماذا هناك؟" سألته في قلق.. حاول أن يجمّع جملتين، لكنّه قال كأنه يهذي "الأرض ليست خصبة.." .. عاودته الصور، فعاد يقبّلها.. لكنّ المخيلة كانت تضيق.. أحس بيدها فارتجف، لكنّها فهمت كلّ شيء.. الأرض ليست خصبة .. و هو عاجز عن الحب.. استأذن في الانصراف دونما عبارة..


Saturday, March 23, 2013

الذكرى التسعون لميلاد الشعر

"يوم ولدتُ في 21 آذار (مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة... و كان الربيع يستعدّ لفتح حقائبه الخضراء.

الأرض و أمي حملتا في وقت واحد.. و وضعتا في وقت واحد.

هل كان مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي في الفصل الذي تثور فيها الأرض على نفسها، و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوبا عليّ أن أكون كشهر آذار، شهر التغيّر و التحوّلات؟"

نزار قباني ـ قصتي مع الشعر

و لأنّ تسعين عاما مرت على هذا التاريخ "الانقلابيّ"، فقد أحببتُ ان أشارككم هذه الرحلة الطويلة "نسبيا" بين دواوين نزار القباني الكثيرة، لأنّ الكثيرين لا يعرفون عن الرجل غير القصائد التي غناها كاظم الساهر، و نجاة الصغيرة و عبد الحليم حافظ و غيرهم.. رحلة بين دواوين الشاعر، أبدؤها بديوانه الأوّل حتى أبلغ ديوانه الأخير، أقدّم من كلّ ديوان مقطعا بسيطا، علّه يبيّن لكم تطوّر التجربة الشعرية لنزار، و تنقله بين ألوان القصيد، و فلسفته الشعرية، و مشروعه الفني..

فكي الغلالة .. واحسري عن نهدك المتضرّمِ
لا تكبُتي النارَ الحبيسة ، وارتعاشَ الأعظــمِ
نار الهوى ، في حلمتيكِ ، أكولة كجهنّـــــــمِ
خمريتان .. احمرّتا بلظى الدّم المتهجّــــــمِ
محروقتان .. بشهوةٍ تبكي ، وصبـر ملجَـــــمِ
نزار قباني ـ نهداكِ ـ قالت لي السمراء (1944)




منضمةٌ.. مُزقزقه
مبلولة كالورقــه
سبحانه من شقّها
كما تُشَقّ الفستقه
نافورةٌ صادحةٌ
و فكرةٌ محلّقه
وعاء وردٍ أحمر
في غرفة مُزوّقه
و باقةٌ من كرز
بأمها معلّقه
***
كم قبلة زرعتها
منغومة مُمَوْسَقَه
على فم كأنّما
خَلاّقُه ما خلَقه
و أنتِ فوق ساعدي
مأخوذة مستغرقه
مرتاعةٌ.. ضفيرةً
حيرى، و عينا مغلقه
أبيننا، ما بيننا
و أنتِ خجلى مطرِقه؟
نزار قباني ـ الشفة ـ طفولة نهد (1948)



أيّ مغزل
حاك أكتافا عرايا
هي في الليل مرايا..
تتنقّل
***
للصنوج
قهقهات عصيبة
فارس ضمّ صبية
في مريج
***
و الطبول
تحفر الأعصاب حفرا
و تحيل الشوق صبرا
و الميول
***
ذاك قدّ
كهضابي، كبرياء
يغمر الأرض عطاء..
حين يعدو
***
و طويلة مثلما ينهض سيف..
عريها .. نصف .. و نصف
كالخميلة

نزار قباني ـ سامبا ـ 1949
لي ميسة الزنّار.. و الخاصر الموشّحُ
و الخال لي.. و الشال لي..
و الأسودُ المسرّحُ
و كلّ ما فُتّحَ في الصّدر.. و ما يُفتَحُ
أنتِ و يكفيني أنا الغرورُ و التبجّحُ
نزار قباني ـ أنتِ لي ـ أنتِ لي (1950)



في ليالي الشرق لما..
يبلغ البدر تمامه..
يتعرى الشرق من كل كرامه
و نضال..
فالملايين التي تركض من غير نعال..
و التي تؤمن في أربع زوجاتٍ..
و في يوم القيامه..
الملايين التي لا تلتقي بالخبز..
إلا في الخيال..
و التي تسكن في الليل بيوتاً من سعال..
أبداً.. ما عرفت شكل الدواء..
تتردى جثثاً تحت الضياء..
في بلادي.. حيث يبكي الأغبياء..
و يموتون بكاء..
نزار قباني ـ خبز و حشيش و قمر ـ 1954



مزقيها ..
كتبي الفارغة الجوفاء إنْ تستلميها ..
و العنيني .. والعنيْها
كاذباً آنتُ . وحبي لكِ دعوى أدعيها ..
إنني أكتبُ للهو .. فلا تعتقدي ما جاءَ فيها ..
فأنا - كاتبها المهووس - لا أذكرهُ
ما جاءَ فيها ..
***
أتلفيها ..
وادفني كلّ رسالاتي بأحشاءِ الوقودِ
واحذري أن تخطئي ..
أن تقرأي يوماً بريدي ..
فأنا نفسي لا أذكرُ ما يحوي بريدي !..
و كتاباتي ،
و أفكاري ،
و زعمي ،
و وعودي ،
لم تكنْ شيئاً ، فحبي لكِ جزءٌ من شرودي
فأنا أكتبُ كالسكران ..
لا أدري اتجاهي وحدودي ..
أتلهى بكِ ، بالكلمة ، تمتصُّ وريدي ..
فحياتي كلها ..
شوقٌ إلى حرفٍ جديدِ
ووجودُ الحرف من أبسطِ حاجاتِ وجودي
هل عرفتِ الآنَ ..
ما معنى بريدي ؟
نزار قباني ـ رسائل لم تكتب لها ـ قصائد (1956)



مطرٌ مطرٌ و صديقتها
معها، و لتشرين نواحُ
و البابُ تئنّ مفاصله
و يعربد فيه المفتاحُ
شيءٌ بينهما يعرفه
اثنان أنا و المصباحُ
و حكايةُ حبّ لا تحكى
في الحبّ يموتُ الايضاحُ
ويغادر زرٌّ عروته
بفتور ، فالليل صباحُ ..
ودثارٌ فرَّ .. فواحدة
تُدنيه ، وأخرى ترتاحُ
وحوارُ نهودٍ أربعةٍ
تتهامس ، والهمس مباحُ...
نزار قباني ـ القصيدة الشريرة ـ قصائد (1956)


فحين تدخن أجثو أمامك
كقطتك الطيبه ..
وكلي أمان
ألاحق مزهوة معجبه
خيوط الدخان
توزعها في زوايا المكان
دوائر.. دوائر
وترحل في آخر الليل عني
كنجم، كطيب مهاجر
وتتركني يا صديق حياتي
لرائحة التبغ .. والذكريات
وأبقى أنا .. في صقيع انفرادي ..
وزادي أنا .. كل زادي
حطام السجائر ..
وصحن .. يضم رمادا ..
يضم رمادي...
نزار قباني ـ شؤون صغيرة ـ حبيبتي (1961)



إذا تصفّحتِ يوما يا بنفسجتي
هذا الكتاب الذي لا يشبه الكتبا
تباركي بحروفي كلّ فاصلة
كتبتُها عنك يوما أصبحت أدبا
كتبتُ بالضوء عن عينيكِ هل أحد
بالضوء عن عينيكِ قد كتبا؟
و كنتِ مجهولة حتى أتيتُ أنا
أرمي على صدركِ الأفلاك و الشهبا
أنا أنا بانفعالاتي و أخيلتي
ترابُ نهديكِ قد حوّلتُه ذهبا
نزار قباني ـ مدخل ـ الرسم بالكلمات (1966)

إنّي كمصباح الطريق صديقتي
أبكي و لا أحد يرى دمعاتي

الجنس كان مسكّنا جرّبته
لم ينه أحزاني و لا أزماتي

و الحبّ أصبح كلّه متشابها
كتشابه الأوراق في الغابات

أنا عاجز عن عشق أية نملة
أو غيمة.. عن عشق أي حصاة

مارستُ ألف عبادة و عبادة
فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي

فمكِ المطيّب لا يحلّ قضيّتي
فقضيّتي في دفتري و دواتي

كلّ الدروب أمامنا مسدودة
و خلاصُنا في الرسم بالكلماتِ
نزار قباني ـ الرسم بالكلمات ـ الرسم بالكلمات (1966)

 
خمسةُ آلافِ سنهْ..
ونحنُ في السرداب
ذقوننا طويلةٌ
نقودنا مجهولةٌ
عيوننا مرافئُ الذبابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ
أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..
أن تكتبوا كتابْ
أن تزرعوا الحروفَ، والرُّمانَ، والأعنابْ
أن تبحروا إلى بلادِ الثلجِ والضبابْ
فالناسُ يجهلونكم.. في خارجِ السردابْ
الناسُ يحسبونكم نوعاً من الذئابْ...
14
جلودُنا ميتةُ الإحساسْ
أرواحُنا تشكو منَ الإفلاسْ
أيامنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاسْ
هل نحنُ "خيرُ أمةٍ قد أخرجت للناسْ" ؟...
15
كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري
أن يستحيلَ خنجراً..
من لهبٍ ونارِ..
لكنهُ..
واخجلةَ الأشرافِ من قريشٍ
وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ
يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري...
نزار قباني ـ هوامش على دفتر النكسة ـ 1967


ثوري ! . أحبّكِ أن تُثوري..
ثوري على شرق السبايا . والتكايا .. والبُخورِ
ثوري على التاريخ ، وانتصري على الوهم الكبيرِ
لا ترهبي أحدًا . فإن الشمس مقبرة النسورِ
ثوري على شرقٍ يراكِ وليمة فوق السريرِ..
نزار قباني ـ يوميات امرأة لا مبالية ـ 1968


أحبّ طيور تشرينْ
تسافر حيثما شاءت
و تأخذ في حقائبها
بقايا الحقل من لوز و من تينْ
أنا أيضا أحبّ أن أكونَ
مثل طيور تشرينْ
أحبّ أن أضيع
مثل طيور تشرينْ
فحلوٌ أن يضيع المرءُ
بين الحينِ و الحينْ
***
أريد البحث عن وطن
جديد غير مسكونِ
و ربّ لا يطاردني
و أرض لا تعاديني
أريدُ أفرّ من جلدي
و من صوتي و من لغتي
و أشرد مثل رائحة البساتينِ
أريد أفرّ من ظلّي
و أهرب من عناويني
أريد أفرّ من شرق الخرافة و الثعابين
من الخلفاء و الأمراء.. من كلّ السلاطينِ
أريد أحبّ .. مثل طيور تشرينْ
نزار قباني ـ يوميات امرأة لا مبالية ـ 1968


أحبيني
بكلّ توحّش التتر
بكل حرارة الأدغال
كلّ شراسة المطر
و لا تبقي و لا تذري
و لا تتحضّري أبدا
فقد سقطت على شفتيكِ
كلّ حضارة الحضرِ
***
أحبيني
كزلزال، كموت غير منتظر
و خلي نهدكِ المعجون
بالكبريت و الشرر
يهاجمني كذئب جائع خطرِ
و ينهشني و يضربني
كما الأمطار تضرب ساحل الجزرِ
أنا رجل بلا قدر
فكوني أنتِ لي قدري
و أبقيني على نهديكِ
مثل النقش في الحجرِ
نزار قباني ـ القصيدة المتوحّشة ـ قصائد متوحشة 1970





أهطلُ في عينيكِ كالسحابة
أحمل في حقائبي إليهما
كنزا من الأحزان و الكآبة
أحمل ألف جدول
و ألف ألف غابة
و أحمل التاريخ تحت معطفي
و أحرف الكتابة
نزار قباني ـ 38 ـ كتاب الحب ـ 1970
( مهدى "إلى زوجتي الغالية بلقيس، رفيقة العمر، و رفيقة الشعر")



رسائلي إليكِ ..
تتخطاني .. وتتخطاكِ ..
لأن الضوءَ أهم من المصباحْ
و القصيدة أهم من الدفترْ
و القبلة أهم من الشفة ..
رسائلي إليكِ ..
أهم منكِ .. وأهم مني
إنها الوثائق الوحيدة ..
التي سيكتشف فيها الناس
جمالكِ ..
و جنوني ..
نزار قباني ـ مئة رسالة حبّ ـ 1970



يستوطنُ حزن عباسيٌّ في عينيكِ ..
وتبكي مدنٌ شيعيهْ
وتلوحُ مآذنُ من ذهبٍ
وتضيءُ كشوفٌ صوفيهْ
وأنا الأشواقُ تحولني
نقشاً .. و زخارفَ كوفيهْ
أتمشى تحت جسور الشَعْر الأسودِ ،
أقرأ أشعاري الليليهْ..
أتخيل جزراً دافئة ومراكبَ صيدٍ وهميهْ
تحمل لي تبغاً ومحاراً .. من جزر الهند الشرقيهْ ..
نزار قباني ـ حين أحبّكِ ـ أحبك أحبك و البقية تأتي 1978





أحبكِ .. حين أكونُ حبيبَ سواكِ ..
و أشربُ نخبكِ حين تصاحبني امرأة للعشاءْ
و يعثر دوماً لساني ..
فأهتفُ باسمكِ حين أنادي عليها ..
و أشغلُ نفسي خلال الطعامْ ..
بدرس التشابه بين خطوط يديكِ ..
و بينَ خطوط يديها ..
و أشعرُ أني أقومُ بدور المهرج ..
حين أركزُ شالَ الحرير على آتفيها ..
و أشعرُ أني أخونُ الحقيقة ..
حين أقارنُ بين حنيني إليكِ ، وبين حنيني إليها ..
فماذا تسمين هذا ؟
ازدواجاً .. سقوطاً .. هروباً .. شذوذاً .. جنوناً ..
و كيف أكونُ لديكِ ؟
و أزعم أني لديها ..
نزار قباني ـ تناقضات ن.ق الرائعة ـ أحبك.. أحبك.. و البقية تأتي 1978



سأبدأ من أول السطر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأنيِّ سقطتُ أمام التحدي الكبيرْ !!
سأبدأ من أول الخصر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأني تلعثمتُ ، مثلَ التلاميذ ، فوق السريرْ ..
سأبدأ من قمة الصدر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأني تصرفتُ آالأغبياءْ
أمام دموع المرايا .. وشكوى الحريرْ ..
سأبدأ من شفتيكِ نزولاً ..
إذا كنتِ تخشينَ من غربة الليل والزمهريرْ
سأبدأ من قدميكِ صعوداً ..
إذا كان لا بدَّ لي أن أموتَ ..
لأربحَ هذا الرهانَ الكبيرْ !!
سأبدأ من أول السطر ـ أحبك .. أحبك .. و البقية تأتي 1978



يا صديقه :
عائد إلى زمن اللاشعر .. عاري القدمين
عائد دون شفاه
عائد دون يدين
إن حرب السنتين
كسرتني..
كسرت سنبلة القمح التي تنبتُ بين الشفتين..
جعلتني عاطلا عن عمل الحب..
فلم أقرأ مزاميري لعينيكِ..
و لا قابلتُ عصفورا غريبا..
أو قصيدة..
***
فاعذريني إن تأخّرتُ عن الوعد قليلا
فلقد كان وصولي مستحيلا..
و بريدي مستحيلا..
إنّ آلاف الحواجز
وقفت ما بين عينيكِ و بيني
أطلقوا النار على الحلم فأردوه قتيلا
أطلقوا النار على الحبّ فأردوه قتيلا
أطلقوا النار على البحر، على الشمس، على الزرع،
على كتب الأطفال، قصّوا شَعْر بيروت الطويلا
سرقوا العمر الجميلا..
نزار قباني ـ إلى بيروت الأنثى مع حبّي ـ 1978


من أين أتتكِ القسوة يا بيروتُ
و كنتِ برقّة حوريّه..
لا أفهم كيف انقلب العصفور الدوريُّ
لقطّة ليل وحشيّه..
لا أفهم أبدا يا بيروتُ
لا أفهمُ كيف نسيتِ الله..
و عدتِ لعصر الوثنيّه..
يا ستّ الدنيا يا بيروت، إلى بيروت الأنثى مع حبي 1978




أتحدّى كل عشاقك يا سيّدتي
من ملوك، و مشاهير، و قوّاد عظام
أن يكونوا صنعوا تختكِ من ريش النعام..
أو يكونوا أطعموا نهديكِ.. يا سيّدتي
بلح البصرة..
أو توت الشآم..
أتحداهم جميعا
أن يخطّوا لكِ مكتوبَ هوى
كمكاتيب غرامي
أو يجيئوكِ على كثرتهم
بحروف كحروفي، و كلام ككلامي..
***
أتحدّى كتب العشق و مخطوطاته
منذ آلاف القرون
أن تريْ فيها كتابا واحدا
فيه يا سيّدتي ما ذكروني
أتحدّاك أنا أن تجدي
وطنا مثل فمي
و سريرا دافئا .. مثل عيوني
قصيدة التحديات ـ أشعار خارجة عن القانون ـ 1972



أعتذر إليك
بالنيابة عن بن الفارض،
و جلال الدين الرومي،
و محي الدين بن عربي،
عن كلّ التنظيرات..
و التوهيمات و الرموز و الأقنعة،
التي كنتُ أصنعها على وجهي
في غرفة الحب..

يوم كان المطلوب مني
أن أكون قاطعا كالشفرة،
و هجوميا كفهد افريقيّ
أشعر برغبة في الاعتذار إليك
عن غيابي الذي لا مثيل له
و جبني الذي لا مثيل له
و عن كل الحكم المأثورة
التي كنتُ أحفظها عن ظهر قلب
و تلوتُها على نهديكِ الصغيرين
فبكيا كطفلين معاقبين، و ناما دون عشاء..
***
أعترف لك يا سيدتي
أنكِ كنتِ امرأة استثنائية
و أن غيابي كان استثنائيا
فاسمحي لي أن أتلوَ أمامكِ فعل الندامة
عن كلّ مواقف الحكمة التي صدرت عني
فقد تأكد لي بعدما خسرتُ السباق
و خسرتُ نقودي
و خيولي
أن الحكمة هي أسوأ طبق نقدّمه
لامرأة نحبّها
حبّ استثنائيّ لامرأة استثنائية ـ كلّ عام و أنت حبيبتي ـ 1978



كان اسمه
كما يقال أنور السادات
كان اسمه المأساة
والعلم عند الله والرواة
و كان يمشي
خلف عبد الناصر العظيم
مثل الشاة
منحنيا.. منكسرا نصفين
وشاحبا.. وصامتا.. وزائغ العينين
وكان أقصى حلمه
في أول الثورة أن يهتم بالحقائب
وأن يقول للرئيس آخر النكات..

نزار قباني ـ اليوميات السرية لبهية المصرية 1979


أشهد أن لا امرأة
اختصرت بكلمتين قصة الانوثة
و حرّضت رجولتي عليّ
إلا أنتِ
****
أشهد أن لا امرأة
توقّف الزمان عند نهدها الأيمن
إلا أنتِ
و قامت الثورات من سفوح نهدها الأيسر
إلا أنتِ
****
أشهد أن لا امرأة
قد غيّرت شرائع العالم إلا أنتِ
و غيّرت خريطة الحلال و الحرام
إلا أنتِ
أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ ـ 1979



في البدء كان الشعرُ
و النثرُ هو استثناء
في البدء كان البحرُ
و البرّ هو استثناء
في البدء كان النهد
و السفحُ هو استثناء
في البدء كنتِ أنتِ
ثمّ كانت النساء
هكذا أكتب تاريخ النساء ـ 1981


مايا تغني ـ و هي تحت الدوش ـ أغنية من اليونان رائعة
و تضحكُ دونما سبب
و تغضبُ دونما سبب
و ترضى دونما سبب
و يدخل نهدها الذهبيّ في لحم المرايا
مايا تناديني
لأعطيها مناشفها
و أعطيها مكاحلها
و أعطيها خواتمها الملوّنة المثيرة
مايا تقول إنّها لم تبلغ العشرين بعد
و أنّها ما قاربت أحدا سوايا
و أنا اصدّق كل ما قال النبيذُ
و كلّ ما قالته مايا
***
مايا وراء ستارة الحمام واقفة كسنبلة
و تروي لي النوادر و الحكايا
و أنا أرى الأشياء ثابتة.. و مائلة..
و حاضرة.. و غائبة..
و واضحة .. و غامضة..
فتخذلني يدايا
مايا مبللة و طازجة كتفاح الجبال
و عند تقاطع الخلجان قد سالت دمايا
مايا تكرّر أنها ما لامست أحدا سوايا
و أنا أصدق كل ما قال النبيذُ
و نصف ما قالته مايا
من ارشيف السيدة ميم ـ هكذا أكتب تاريخ النساء 1981



هذا هو التاريخ يا بلقيس
كيف يفرق الإنسان
ما بين الحدائق والمزابل
بلقيس
أيتها الشهيدة والقصيده
والمعطرة النقيه
سبأ تفتش عن ملكتها
فردي للجماهير التحيه
يا أعظم الملكات
يا امرأة تجسد كل امجاد العصور السومريه
بلقيس ياعصفورتي الاحلى
ويا ايقونتي الاغلى
ويادمعا تناثر فوق خد المجدليه
اترى ظلمتك اذ نقلتك
ذات يوم من ضفاف الاعظميه
بيروت تقتل كل يوم واحد منا
وتبحث كل يوم عن ضحيه
والموت في فنجان قهوتنا
وفي مفتاح شقتنا
وفي ازهار شرفتنا
وفي اوراق الجرائد
والحروف الابجديه...
قصيدة بلقيس ـ 1982



أيتها العربية التي ينقّط العسل الأسود من عينيها
نقطة .. نقطة ..
و ينقط الشعر من شفتها السفلى
قصيدة .. قصيدة
و يرن حلقها الطويل صباح يوم الأحد
كناقوس كنيسة..
ما كان في حسابي..
أن أمرّ معك ذات يوم تحت أقواس النصر
لنضع وردة على قبر العاشق المجهول
و لا كان في حسابي
أن أرى صورتك في متحف اللوفر
مع أعمال (رينور)
و (ماتيس)
و (سيزان)
و أن أرى أعمالي الشعرية
تباع في مكتبات الضفة اليسرى
مع أعمال رمبو
و فيرلين
و جاك بريفير
***
يا فاطمة
يا ذات الشفتين المعطّرتين بحبّ الهال
و القدمين المرسومتين بالاكواريل
لم يكن في حسابي
أن أكون أشهر العشاق بتاريخ العرب
و أشهر العشاق بتاريخ فرنسا
لم يكن في حسابي
أن أدخل إلى باريس بجواز سفر عربي
و أخرج منها
رئيسا للجمهورية الخامسة!!
فاطمة في ساحة الكونكورد ـ الحب لا يقف عند الضوء الأحمر 1985



أكتب
حتى أنقذ العالم من أضراس هولاكو
و من حكم الميليشيات
و من جنون قائد العصابة
***
أكتب
حتى أنقذ النساء من أقبية الطغاة
من مدائن الأموات،
من تعدد الزوجات،
من تشابه الأيام،
و الصقيع و الرتابة،
***
أكتب
حتى أنقذ الكتابة من محاكم التفتيش
من شمشمة الكلاب
من مشانق الرقابة
***
لا شيء يحمينا من الموت
سوى المرأة .. و الكتابة 
  لماذا أكتب ـ قصائد مغضوب عليها ـ 1986



لا تفكّر أبدا .. فالضوء أحمر
لا تكلم أحدا .. فالضوء أحمر
لا تجادل في نصوص الفقه، أو في النحو،
أو في الصرف
أو في الشعر أو في النثر،
إن العقل ملعون و منكر
***
ابق أميا .. و لا تدخل شريكا في الزنى أو في الكتابة
فالزنى في عصرنا أهون من جرم الكتابة
أحمر، أحمر، أحمر ـ الحب لا يقف عند الضوء الاحمر 1986



بوسعكِ أن تجلسي حيث شئتِ
و لكن..
حذاري بأن تجلسي في مكان القصيدة
صحيح بأني أحبك جدا
و لكنني في سرير الهوى
سأنسى تفاصيل جسمكِ أنتِ
و أختار جسم القصيدة..
بروتوكول ـ سيبقى الحبّ سيدي ـ 1987



"للمرأة التي أحبّها
قدمان صغيرتان جدا..
تشبهان كلام الأطفال
و لجسدها رائحة سرّية جدا
كرائحة الكتابة الممنوعة"
سيبقى الحبّ سيدي ـ 1987


يا تلاميذ غزّة
علّمونا بعض ما عندكم
فنحن نسينا
بأن نكون رجالا
فلدينا الرجالُ
صاروا عجينا
علّمونا
كيف الحجارة تغدو
بين أيدي الأطفال
ماسا ثمينا
كيف تغدو
دراجة الطفل لغما
و شريطُ الحرير
يغدو كمينا

ثلاثية أطفال الحجارة ـ 1988



لماذا
أقوم بدور المعلّم
ـ في ساعة الحسم ـ قولي
و لا ساعداي زجاج.. و لا شفتاي جليد
مسامات جلدكِ مفتوحة..
و نهدك.. يخرج كي يتنفّس بعض الهواء النقيّ
و بعد قليل يعود.
و ماذا يفيد أرسطو.. و لوركا.. و كافكا.. و طاغور؟
حين تفور الدماء.. و يعوي الوريد
لهذا النبيذ ثقافاته
فماذا تهمّ النصوص؟
و جسمكِ نصّ فريد.. فريد
سيرة ذاتية ـ الأوراق السرية لعاشق قرمطي 1988



أيّها الناسُ :
أنا الأوّلُ ، والأعدَلُ ،
والأجملُ ، من بينِ جميعِ الحاكمينْ
وأنا بدرُ الدُجى ، وبياضُ الياسمينْ
وأنا مخترعُ المشنقةِ الأولى ..
وخيرُ المرسلينْ
كلّما فكّرتُ أن أعتزلَ السُّلطةَ ،
ينهاني ضميري ..
مَن تُرى يحكمُ بعدي هؤلاءِ الطيّبينْ ؟
مَن سيشفي بعديَ ..
الأعرجَ ..
والأبرصَ ..
والأعمى ..
ومَن يحيي عظامَ الميّتينْ ؟
مَن تُرى يخرِجُ من معطفهِ
ضوءَ القمرْ ؟
مَن يا تُرى يرسلُ للناسِ المطرْ ؟
مَن يا تُرى ؟
يجلدهم تسعينَ جلدهْ ..
من يا تُرى ؟
يصلبُهم فوقَ الشجرْ ..
مَن تُرى يرغمُه
أن يعيشوا كالبقرْ ؟
ويموتوا كالبقرْ ؟
كلّما فكّرتُ أن أتركَهم
فاضتْ دموعي كغمامهْ
وتوكّلتُ على اللهِ ..
وقرّرتُ بأن أركبَ الشعبَ ..
من الآنَ .. إلى يومِ القيامهْ ..

السيرة الذاتية لسياف عربي ـ 1988


لستُ أدري، ماذا يقول الشاعر
و هو يمشي في غابة من خناجر
أطلقوا نارهم على المتنبي
و أراقوا دماء عامرْ
لو كتبنا يوما رسالة حبّ..
شنقونا على بياض الدفاتر
ما بوسع السياف
قطع لساني
فالمدى أزرق.. و عندي أظافرْ
مدخل ـ تزوّجتُكِ أيتها الحرية ـ 1988


يريد الممالكُ أن يملكوني..
و أن يشربوا من دمائي و حبري
يريدون رأسَ القصيدة كي يستريحوا..
و للشعر و الحبّ فوضتُ أمري
أحبّكِ برقا يضيءُ حياتي
و قنديلَ زيت، بداخل صدري
فكوني صديقة حرّيتي..
و كوني ورائي بكلّ حروبي
و سيري معي، تحت أقواس نصري
بيان من الشعر ـ تزوّجتُكِ أيتها الحرية 1988




يا سادتي
إنّ السماء رحيبة جدا
و لكنّ الصيارفة الذين تقاسموا ميراثنا
و تقاسموا أوطاننا
و تقاسموا أجسادنا
لم يتركوا شبرا لنا
****
يا سادتي
قاتلتُ عصرا لا مثيل لقبحه
و فتحتُ جرح قبيلتي المتعفّنا
أنا لستُ مكترثا
بكل الباعة المتجوّلين
و كلّ كتّاب البلاط
و كلّ من جعلوا الكتابة حرفة
مثل الزنى
****
يا سادتي
عفوا إذا أقلقتكم
أنا لستُ مضطرّا لأعلن توبتي
هذا أنا..
هذا أنا..
هذا أنا..
هذا أنا ـ الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق 1989

 


ما جاء يوما حاكم
لهذه المدينة المقهورة،
المكسورة،
الحزينة..
إلاّ ادّعى، بأنّه الممثل الشخصيّ
و الناطق باسم الله..
فهل من المسموح،
أن أسأله تعالى..
هل أنت قد اعطيتهم وكالة
مختومة .. موقّعة؟
كي يجلسوا على رقاب شعبنا إلى الأبد؟
هل أنت قد أمرتهم
أن يخربوا هذا البلدْ؟
و يسحقونا كالصراصير بأمر الله
و يضربونا بالبساطير
بأمر الله؟
فان سألت حاكما منهم
من الذي ولاك في الدنيا على أمورنا؟
قال لنا : يا جهلة..
أما علمتم أنني
أصبحتُ صهر الله؟
****
أريد أن أصرخ
يا الله!
هل أنت عيّنت وزير المال؟
اذا لماذا انفجر الفقر
لماذا انفجر الصبر؟
و أصبح الصحن الرئيسيّ هو الزبالة؟
و أصبح العصفور في بلادنا لا يجد النخالة
فهل غلاء الخبز
شأن من شؤون الله؟
و هل غلاء الموت و الأكفان
شأن من شؤون الله؟
****
إذا لماذا يأكل الكبار كافيارا
و نحن نأكل النعال؟
اذا لماذا لا يفرق الفقير في بلادنا
بين رغيف الخبز و الهلال؟
إذا لماذا في بطون أمّهاتهم
تنتحر الأطفال؟

أصهار الله ـ الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق ـ 1989

 
"كانت أمي
حین أبوس یدیھا
تعطیني قرشاً
وإذا قبلتُ امرأة من شفتیھا
تعطیني قرشینْ ..."
المكافأة ، لا غالب إلا الحب، 1989



تستطيع بئر النفط
أن تضخّ عشرة براميل يوميا
و لكنّها لا تستطيع أن تضخّ
متنبّيا واحدا!!
المتنبي، لا غالب إلا الحب، 1989



سألني ضابط الحدود
كم عمرك؟
قلتُ : خمس و ستون قصيدة
قال : يا الله! كم أنت طاعن في السنّ
قلتُ: تقصد كم أنا طاعن في الحرّية

استجواب، لا غالب الا الحبّ، 1989



"منذ البدء كنتُ مع الديمقراطية الشعرية،

كنتُ أؤمن أن الشعر هو حركة توحيدية لا حركة انفصالية، و أنه همزة وصل لا همزة قطع، و أنه فنّ الاختلاط بالآخرين لا فنّ العزلة.. و أنه فن الملامسة و الحنان لا فنّ القاء القبض على الآخرين و اغتصابهم شعريا..

إيماني بديمقراطية الشعر دفعني إلى التفتيش عن لغة تؤمن هي الأخرى بالديمقراطية و تحبّ الجلوس في المقاهي الشعبية و تشرب القرفة و اليانسون و تلعب الكونكان و تركب أوتوبيسات الحكومة و تنزل في فنادق الدرجة الثالثة و تشاهد مباريات كرة القدم و مسرحيات عادل إمام و دريد لحام و تقرأ سيرة أبي زيد الهلالي..
كنت أؤمن أن الشعر موجود في عيون الناس و في أصواتهم.. و في عرقهم.. و في دموعهم.. و ضحكاتهم.. و انّ وظيفتي كشاعر هي أن أنقل المشهد الشعبي الكبير.. و هذا ما فعلته خلال خمسين عاما..

لذلك تجمّع الناس حول شعري ليسمعوا حكاياتهم و ليشاهدوا شريط الفيديو الطويل الذي أخرجته عن حياتهم.."
هل تسمعين صهيل أحزاني ، 1991



في هذه الأيام يا صديقتي
تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعى الوطن
تخرج من شفاهنا عريشة شامية تدعى الوطن
تخرج من قمصاننا
مآذن بلابل جداول قرنفل سفرجل
عصفورة مائية تدعى الوطن
أريد أن أراك يا سيدتي
لكنني أخاف أن أجرح احساس الوطن
أريد أن أهتف كل ليلة إليك يا سيدتي
لكنني أخاف أن تسمعني نوافذ الوطن
اريد أن امارس الحب على طريقتي
لكنني أخجل من حماقاتي
أمام أحزان الوطن
لا بدّ أن أستأذن الوطن، هل تسمعين صهيل أحزاني 1991


تقاطعت في لحمنا خناجر العروبه
و اشتبك الإسلامُ بالإسلامْ
هوامش على دفتر الهزيمة، هوامش على الهوامش (1991)


في بلدتنا يذهب ديك
يأتي ديك
و الطغيان هو الطغيان
يسقط حكم لينينيّ
يهجم حكم أمريكي
و المسحوق هو الإنسان
الديك، هوامش على الهوامش 1992



حبّك اشكالية كبرى
إشكالية جسدية
و إشكالية لغوية
و إشكالية ثقافية
فذراعي قصيرة
و أغصانك فاكهة مثقلة بالفاكهة..
و أجنحتي مكسورة
و سماواتك مدروزة بالعصافير
و مفرداتي محدودة
و جسدكِ اكاديمية ملكية
تختزن الشعر
و تبتكر اللغات..

أنا رجل واحد و أنتِ قبيلة من نساء 1993
 



أنا لا أحبك..
على طريقة الهيبيين، و الغجريين، و الفوضويين،
و لكنني أتعامل معكِ كما أتعامل مع شعري
صدرا.. و عجزا..
وزنا و قافية..
نمنمة و تطريزا..
حتى لا يعرف الناس
أين تبدئين أنتِ
و أين تنتهي القصيدة..

كيف تكونين حبيبتي و لا أخرج عن النص، خمسون عاما في مديح النساء 1994





يا أحبائي وراء البحر
هل يوجد عندكم وقت للشعر؟
هل من أذن عاشقة تسمعني؟
هل لديكم خبر عن كبرياء المتنبي؟
و غرور المتنبي..
و طموح المتنبي..
أم نسيتم يا ترى، هذا المليكا الأعظما؟
رحم الله كلاما عربيا
لم نعد نشبهه..
لم يعد يشبهنا..
من أنا في أمريكا ـ خمسون عاما في مديح النساء 1994



ماذا تفيدُ الهرولة؟
ماذا تفيدُ الهرولة؟
عندما يبقى ضمير الشعب حيا
كفتيل القنبلة
لن تساوي كلّ توقيعات أوسلو
خردلة!!

المهرولون، تنويعات نزارية على مقام العشق 1995



أنا من أمّة على شكل ناي
هي دوما حبلى بمليون شاعر
كل اطفالنا يقولون شعرا
و العصافير و الربى و البيادر
ما بنا حاجة لمليون ديك
نحن في حاجة لمليون ثائر

الحضارات كلّها شغل أنثى
و الثقافات من رنين الأساور
تزرع المرأة السنابل و الورد
و يبقى كل الرجال عشائر...

(ديوان أبجدية الياسمين)


و كان هذا آخر ما قال شاعر القرن العشرين في آذار 1998
قبل أن يودّعه الشعر، و تودّعه العروبة..



Saturday, March 2, 2013

المصلــــحة






هذه هي الأقصوصة الأخيرة من كتاب "الخروج عن الخطّ"..

المصلحة واجهة أنيقة لنظام شديد التعقيد، دوائره الميكانيكية الصغيرة، تخفي دوائرا أثقل و أعظم.. هنا نظام يقترح حلّين لا ثالث لهما، اما أن تذهب ضحية الدوائر، و إما أن تتحوّل إلى دائرة صغيرة تزيد النظام تعقيدا..

و هنا مقطع بسيط منها :

"أيّا جيب ورقتك يا ولدي و نقّص مالحس!"
الحزم فكرة جيدة، أن تكون حازما، فهو أنّك على حق! هذا عالم يصدّق من يصرخ أكثر. هكذا خمّن، لكنّه فوجئ بالفتى يعرف هذه الحقيقة هو أيضا! لقد اندفع صارخا :"ياخي كان عندك ما تعمّر شدّ شباك. أنا عمري ما رأيت موظف يخدم هالخدمة. قلت لك نعرف نعمّرها، لواش شاد صف باهيشي؟!"
تساؤل صدم جميع الحاضرين، إنه صوتهم الذي خشوه و خشوا مواجهته، إنه السؤال الذين جبنوا عن المجاهرة به.. انهم ليسوا حمقى بنهاية الأمر، هناك آخر يفكر مثلهم.. تساؤل هزّ أركان النظام الصغير، و مفاصل الكاتب..
و قالت امرأة مصدومة :"و الثلاثة آلاف؟!"
انفجرت ضحكة الفتى في وجوه الجميع، صفعة مدوّية أفاقت الحاضرين من سباتهم.. إنّ كل عاداتنا، لم يعد لها قيمة، يمكننا أن نعيش من دون هذا النظام! و لأن كل انهيار للعادة يبدأ بالقلق، فقد كان القلق يملأ وجوه الحاضرين.. "
و للقصّة بقيـــّة.. 
بانتظار آرائكم و اقتراحاتكم 
 




Iori Yagami
28 شباط 2013
There was an error in this gadget

Translate