Friday, September 27, 2013

قصّة عائلية

تلقى هذه القصة غدا السبت، في حفل تقديم كتاب الخروج عن الخط

اليوم أروي لكم قصة عائلية. لا أعرف إن كنتم قد سمعتم بمثل هذا الصنف الأدبي من قبل، لكن اِسمحوا لي أن أؤكّد لكم أنّ كل شيء في هذا العصر إمّا شخصيّ، و إما مهنيّ. إما رفيع وإما شعبيّ أو عائليّ لتلطيف العبارة. ليست الكتابة استثناء، إنّما هي منتوج كغيرها.
قصّتنا إذا عائلية، ليست مدعومة لكنّها لن تكلّفكم شيئا من المال أو الجهد العقليّ. وهي بسيطة، ممتعة، موجزة، كما نحبّ لسهراتنا العائلية أن تكون. وهي محافظة، لا يجد الأب والأم حرجا من وجودها بالمنزل، ولا يحتقننّ وجه أحدكم وهو يستمع إليها رفقة زوجته أو بنيه.

تدور أحداث القصة في زمننا الحاضر. قد يبدو هذا مملاّ ولكن أؤكّد لكم أنه الخيار الأنسب. إنّ الماضي يستدعي الذاكرة الجماعية، وهو ما يعني الالتزام بمراجعة آلاف الكتب التاريخية والمخطوطات النادرة، بما لا يناسب كاتبا تونسيا كسولا مثلي. أعلم أن القارئ أكثر كسلا منّي وأن لا أحد يدقّق في التفاصيل اليوم. بمقدورك مثلا أن تقصّ على الناس كيف كان الحفصيّون يستعملون الكحول في صنع عطورهم من دون أن يتفطن أحد إلى الخطإ التاريخيّ. لكنني لستُ مستعدا للمخاطرة. إن قاعدة "يحدث للآخرين فقط" توقّفت عن العمل معي منذ أمد بعيد، وستجد حتما ذلك الشخص رائق المزاج الذي سيقلب كتابتك بحثا عن خطإ كهذا. 
المستقبل؟ لا أحد يكتب قصصا عن المستقبل في هذه البلاد. ولا أحد يعير الخيال العلميّ برمّته اهتماما. قصص المستقبل، للأطفال والفتية الحالمين. أما الكبارُ البالغون الناضجون العاقلون الجادّون، الذين خبروا الدنيا فيتحاشون النظر إلى المستقبل كما يبدو...

وعن المكان فلقد تردّدتُ بين أمكنة ثلاث. فأما الأول والثاني، فهما المفضّلان عند جمهور الفنانين والأدباء في تونس، وأعني بهما البادية، والمدينة العتيقة. تراهما في كل عمل تلفزيّ، وخلف كل قصيدة وصفيّة، وفي تفاصيل كل لوحة تشكيليّة... وأما المكان الثالث فلعله الأكثر شعبية، وأعني به طبعا الأحياء التي لا تمتّ إلى عموم الشعب بصلة. هناك حيث تنتفي المشاكل المادية تماما (في المخيال الشعبيّ فحسب) وحيث يملك الجميع هوسا غريبا بالبحث عن شخص ما يفهمه.

يمكننا إذا أن نبدأ قصّتنا بتقديم أبطالها، ولي منذ البدء أن أعلن راضيا أنني احترمتُ في اختياري مبدأ المناصفة، لذلك فلا أحد بين رانية وفتحي بطل أكثر من الآخر. كلاهما ولد في عائلة "مستورة و الحمد لله" وتسعى جاهدة لتوفير ما يلزم لتعليم أبنائها من قبيل السيارة، ورحلة العطلة الصيفيّة وبعض المبادرات اللطيفة الأخرى..  ولأن رانية و فتحي بطلان، فكلاهما طيبان بالضرورة. كلاهما النموذج الذي تسعى كل عائلة إليه (من خلال أبنائها طبعا). ولأنّ قصة عائلية كانت أو غير عائلية بحاجة إلى الدراما، فقد كان لزاما أن نجد مشكلة ما عند أحد البطلين أو كليهما تبدأ بها القصة.

لم تكن حياة فتحي مثالية كما قد يتبادر إلى الذهن. هو شخص ذكيّ خلوق ووسيم. يتطلّع والده أن يجعله من بعده مديرا لشركاته لكنّه يرفض هذه الحياة ويريد أن يتمرّد. هذا موجز بسيط لفكرة صراع الأجيال الذي يجب أن تقدّمه كل قصة عائلية. سوف لن تجد ابــنا يواجه تحوّلات فكرية تعصف بعقائده التي تتبناها كل العائلة. هذه أشياء مزعجة لا أحد يحبّ الخوض فيها. إنّ جرعة الدراما التي يجب أن تقدمها العائلة، لا يجب أن تتجاوز أحداث القصة نفسها، ولا يجب أن تتحول إلى أسئلة مريعة تتوالد كالبعوض في ذهن القارئ. مواجهة بسيطة بين الأب وابنه، مع الكثير من الصراخ والانتقاد الذي يرادُ به الصراخ، ثم يخرج الإبن غاضبا، بينما يرتمي الوالد على اقرب مقعد شاحب الوجه، محتارا.

إلى أين يذهب الأبناء حينما يبدون غاضبين؟ ربما إلى الحانة، وربما إلى سطح المنزل، و ربما إلى صديق عزيز، أو إلى الله.. بالنسبة إلى فتحي فهو يذهب إلى المرسيدس البيضاء، يهيم بها في شوارع المدينة الواسعة والتي لا نراها إلا في مخيلاتنا وفي مثل هذه القصص. لا بأس من أغنية حزينة تعوّض الدموع، لأنّ الرجال لا يبكون. ثم يحدث الاصطدام الذي لا مفرّ منه. لا أحد هنا يتذمّر بشأن السيارتين. كما أن رانية ظلّت فاتنة ومحتفظة بتصفيفة شعرها حتى بعد ارتجاج سيارتها الرهيب، و حتى بعدما سكبت من الدموع أنهارا. أما فتحي فقد أبدى فزعا كبيرا على الفتاة، لأنه طيب القلب طبعا، لا لأنها جميلة، ولا لأن الضرر الذي أصاب السيارة كان كبيرا. في قصص أخرى، سيبدو من المعقول أن يكون ثملا بعد شجاره مع والده، و أنّ ذلك سبّب الحادث. لكن في قصتنا العائلية، سيبدو ذلك مخجلا لبطل مثله، ناهيك أن البطلة لا يمكن أن تحب شخصا ثملا (يحدث هذا حينما يعاني البطلان من الافراط في الثقافة والبؤس، وهو ما لا ينطبق على حالتنا). 
كان الموقف عصيبا، و كان الفتى يحاول تهدئة شريكته في الحادث حينما أطلّ شرطيّ المرور من هناك. في القصص العائليّة، لا يطلب شرطي المرور بطاقات رمادية أو شخصية، ولا يسأل في غلظة عمّا يفعلانه لوحدهما ليلا في هذه المساحة الخالية من المدينة.. إنما يطلب وحدات النجدة ويسألهما في أدب إن كانا يرغبان في ايصالهما إلى مكان ما من المدينة. فيرفضان شاكرين، فيذهب باسما، راضيا عن عمله وعن العالم من حوله...

يدرك القارئ أو السامع دون شك، أن فتحي أحبّ الفتاة. طبعا لجمال روحها وحسن خلقها، و لطفها... كلها أشياء يمكن للمرء أن يعرفها في الآخرين بمجرد الاصطدام بهم. أما الحب على الوَسام فهو كما قال المتنبي، للجاهلين، وربما أيضا لأبطال الخرافات، أو للشواذ... لكنّ هذا ليس موضوع قصتنا. 
الحب عموما لم يكن يوما موضوع القصص العائليّة، قد يفاجئكم ذلك، لكن هذه هي الحقيقة، فالكلّ هنا يعرف ماهو الحبّ، ويعرف ماذا يريد منه. لذلك فلا يناقش مفهومه أبدا. هو دوما اِحساس نبيل رائع يكنّه شخص ما تجاه شخص آخر للاسباب التي ذكرتها آنفا. أما ما يناقش، فهو تكاليفه ونتائجه، من عذاب ومن شوق وبيْن وجهاد في سبيل الوصال. لذلك يجب أن يجلب لهما حبهما شقاء كبيرا... تخيلوا مثلا لو أن والديهما متخاصمان. ربما تسبّب أحدهما في خسارة ضخمة للآخر مثلا. لماذا نتخيل؟ ليكن الأمر كذلك!

لكنّ هذه القضية اليتيمة لا تكفي. تعرفون أنّ مقياس جودة الأعمال الأدبية عند التونسيين هو كمّية القضايا التي تتحدث عنها. لا يهمّ كيف تفعل ذلك، ولا ماهيّة "القضايا" أصلا، المهم أن تُفرغ الكثير منها بين تفاصيل عملك، حتى تجد ما تقوله للصحفيين بعد ذلك.
هناك قضايا "خطيرة" لا يمكن أن تتغافل عنها. لكنّها للأسف في أغلبها تخص طبقة اجتماعية غير طبقة البطلين، ولو كان العمل رواية لأمكن حشرُ فقير معدم في أحد الفصول وتحميله أطنانا من القضايا، بدءا بالهجرة السرية، وانتهاء بالبطالة و اعتصام الرحيل... لكنّ القصة قصيرة، والايجاز واجب.
ما القضايا التي يمكن أن تتجاوز الأرصدة البنكية؟ القضية الفلسطينية طبعا، لا أحد يحقّ له انتقادك حينما تتحدث عن فلسطين، حتى لو كان ما ذكرته ركيكا مملاّ... المخدّرات أيضا، هذه قضية أثرياء بامتياز. هناك أيضا قضايا جديدة باتت تجد لها رواجا هذه الأيام، تتعلق بالإعلام خصوصا، وبالفساد والرشوة، وأيضا بعالم السياسة الذي ألفى الجميع خبيرا بدهاليزه... دون أن ننسى القضية الأقدم على الاطلاق في عالم الأدب منذ قدّمتها ملحمة جيلقاميش : الموت.

سنتخيل إذا أنّ والدي البطلين، خصمان سياسيان، ذوا توجّهين ايديولوجيين مختلفين. هذا يجعل الموقف أقرب إلى الكوميديا، ولكنني سأحاول أن أبدو جادّا قليلا. ليكن أحدهما مريضا مرضا مزمنا. أما الثاني فيتاجر في المخدرات، مع إسرائيليين طبعا ولكي يعمل نظامه دونما مشاكل، فهو يلقى بالرشاوي على كل مكتب أو ادارة تمرّ منها مصلحته. هكذا حشونا القصة بعدد لا بأس به من القضايا. 
كما خمّنتم، فشحوب والد فتحي مردّه مرضه المزمن، وهكذا فالرجل الشرير، هو والد المسكينة رانية. وكما حبيبِها، تحاول الفتاة البائسة التخلص من عالم والدها، عبر الزج بنفسها في عالم الفن التشكيلي. ترسم أشياء كئيبة في أغلب الأحيان، لكنّها منذ التقت الفتى الوسيم، باتت لوحاتُها أكثر اشراقا. لاحظ والدها ذلك، وبشيء من التمعّن في بعض أعمالها الانطباعية، أدرك أنها تهيم عشقا بابن خصمه العنيد. كيف عرف ذلك؟ إن قراءة اللوحات التشكيلية لا يمثل عائقا أمام شخصيات القصص العائلية. الجميع هنا يحفظ مدارس الفن كما تحفظ أنت اغاني BBJ Klay. بينما يكاد المعلمون يجنّون في محاولة لفهم طلاسم تلامذتهم...

المهمّ أن الوالد أدرك أن حياة ابنته في خطر، وأنّ اقتراب فتحي منها، قد يعني نهايته، لذلك وجب أن يقتله. قتله أمر بسيط جدا، الرجل يحتاج إلى حقن دورية كي يقاوم بها أمراضه المزمنة. المال يغـيّر الحقن بطريقة يستحيل معها اثبات من فعلها. هذه أشياء بسيطة يمكن يمكن تدبير تفاصيلها، لكنها تخلق كلّ متعة القصة العائلية. تكتشف هنا أن متعة القتل لا تضاهى. القصة العائلية الناجحة هي التي لا تتفادى فرصة القتل، أو تتحاشاها. سيلقون سبابا كثيرا حينما تكون الضحية من قائمة الطيبيين، لكنّني أرى قلوبهم تضحك في جذل طفوليّ. الملاعين الصغار!

ويعود فتحي إلى ثروة والده وقد اختفت حبيبته فجأة كأن لم يكن لها وجود. لماذا اختفت رانية؟ لأنها تعرف قاتل والده، ولأنها عاجزة عن مواجهته بالحقيقة. لكننا لن نقف طويلا عند هذا التفصيل السخيف. إن العالم ممتلئ بالعاجزين عن مواجهة مسؤولياتهم، ولعلّ قارئ هذه السطور (او المستمع الكريم) من بينهم. ما يهمنا، ليس سبب عجزها عن المواجهة، ولا العوامل النفسية التي تُقعد إنسانا على الإقدام على أمر يريده، ولا تلك التي قد تدفعه لفعل ذلك. بل ما يهمنا هو ما سببه عجزها من قطيعة وعذاب، وساعات كثيرة من التأوّه والاستماع إلى أغاني عبد الحليم حافظ. لحسن الحظ لم يكن فتحي كذلك، كان مندفعا، متهورا لا يبالي بشيء من أجل الوصول إلى مبتغاه. وحينما رأى صورة رانية في إعلان عن معرض لوحات تشكيلية، لم يتردد في اقتحام المكان. يشاء الحظّ مرة أخرى أن يتخلّف والدها عن الحضور، فكانت المواجهة التي لا مناص منها. الحظّ سلاح مهمّ لا بأس من استدعائه متى اقتضت الضرورة ذلك، ومتى ضاقت بك السبل. تماما كما يحتجّ شعراء اليوم بفكرة أن "كلّ واحد يقراها بطريقة" كلّما عجزت عن فكّ طلاسم أحد أبياتهم العبقرية.

و لأن اعترافات رانية لا تكفي، ولأن العائلة ترنو إلى العدالة المطلقة، حيث كل يأخذ جزاءه. فقد كان لزاما على الفتاة أن تجد الوثائق اللازمة لفضح والدها. ليست خيانة طبعا، اِجعل والدها غليظ المظهر، قاسيا، و لن يتّهمها أحد بخيانة والدها. ثم إن زواج الحبيبين لن يتم مباشرة بعد المحاكمة. لكنّ النهاية يجب أن تكون إما عادلة الى حد لا يطاق، و أما ظالمة كما لم يحدث من قبل. كان يمكن أن أنحو منحى وحشيا بعض الشيء، و ان أجعل فتحي ـ انتقاما ـ يغتصب حبيبته مثلا، أعتقد أن ذلك يناسب شخصيته المندفعة. لكنّ ذلك يهدم البناء الذي رتبه القارئ أو المستمع في ذهنه. لا أحد يحب أن يقوّض الكاتب بناءه الذهنيّ في خاتمة القصة. لذلك سأكون خلوقا، و أزف إليكم خبر زواجهما.

ـــــــــــــــــــــــــــ هنا تنتهي القصة و يستمرّ تقديم الكتاب..


أزفّ إليكم أيضا، أن الكتاب الذي أقدمه اليوم لكم، يحمل بين طياته عشر قصص، ليس من بينها قصّة عائلية واحدة. واعلموا أنني لا أسرف في قولي، ولعلّ من قرأ الكتاب من بين الحاضرين، سيعثر بين طيات هذا النص على تفاصيل كثيرة تخرج به عن الخط. أما أنتم، فحاولوا أن تذكروا قولي هذا و أنتم تقرأون الكتاب.


There was an error in this gadget

Translate