Tuesday, December 31, 2013

الدخول إلى الفراغ

لم يكن ديكارت يؤمن بالفراغ، بل كان يعتقد أن الكون مليء بالحبيبات الدقيقة التي تمرّ عبرها المادة كما يمرّ الجسم الصلب عبر الماء. و في زمن ليس ببعيد كان العلماء يقدّمون الأثير على أنه ما يحمل الذبذبات حينما لا يوجد هواء. كان الانسان يرفض فكرة الفراغ، و يلحّ في رفضه حتى تبيّن له أن الفراغ لا يملأ مساحات ضخمة من الفضاء الرحب فحسب، بل إن جسده نفسه أغلبه فراغ و شيء بسيط من المادة!

عادتي مع الأفلام أنني أكوّن عنها فكرة مسبقة تشكّلها صورة البوستر، و طبيعة الأشخاص الذين نصحوني بها، و ربما شريط التقديم (trailer).. و عادتي هذه لا تخيب كثيرا، غير أنها هذه المرة أساءت التقدير أيما إساءة. و ما ظننتُ بفيلم Gaspar Noé سوءا قطّ، و لكنني اعتقدتُ أنه فيلم افضل ما فيه طابع الصدمة و روح الجرأة التي تلوّن بلونها. فإنك تلقاه تقريبا في كل قائمة لأكثر الأفلام جرأة أو استفزازا. خصوصا و أن الرجل ضالع في ذينك الخصلتين أيما ضلوع. و كاد اعتقادي يمضي نحو اليقين مع مشاهد الفيلم الأولى، الاضاءة الضبابية، و المكان الفوضويّ القذر، و عالم المخدرات و الموسيقى التي تنبئ بالكثير من الفساد في الأرض. هذا فيلم آخر عن الادمان.. لقد كان شريط "صلاة للحلم" (Requiem for a dream) شافيا و وافيا في هذه المسألة، و لا أدري أي جديد يمكن أن يقدّمه فيلم آخر. و ازداد ضيقي حينما أطال المخرج مشهد الهلاوس البصرية التي رافقت البطل (أوسكار) خلال رحلته مع عقار الـ LSD .. لماذا هذه الإطالة؟ كم طول الشريط؟ ساعتان و نص الساعة؟ هل سيمضيها المخرج في هلاوس سخيفة من هذا القبيل؟ فجأة لاحظتُ أن القُمرة (أعني الكاميرا طبعا، و أدعوك أن تتعوّد على هذه التسمية ـ الأصيلة ـ :v ) تصّور تماما ما يراه أوسكار كأنما هي عينه الثالثة، و حينما وقف قبالة المرآة كانت القمرة تبدو بالفعل كإحدى عينيه، ترى وجه الرجل منعكسا على المرآة و هو يغسل وجهه. اللعنة! كيف فعلها المخرج؟! هنا فقط أثار الفيلم انتباهي، و أعدتُ الشريط إلى بدايته...

أوسكار شاب أوروبيّ أوجدته الظروف في طوكيو رفقة أخته ـ عائلته، فعاشا فيها يسترزقان من تجارة المخدرات و فنّ التعرّي، طبعا لكم أن تستنتجوا دور كلّ منهما.. هذا صديق اوسكار المراهق، يطلب جرعة جديدة من المواد المخدرة. إنه فتى غرّ معجب بأوسكار و يبدو أنه يتعاطى المخدرات لأنها طريقته الوحيدة ليتواصل مع صديقه هذا.. في ما بعد سنعلم أن أوسكار واعد أمه غير مرة.. لكنّ هذا ليس مهمّا، سيمضي أوسكار و صديقه إلى محلّ التعرّي الذي تعمل فيه أخته، ليسلم البضاعة إلى صديقه المراهق فيكتور. كان أوسكار نصف واع، و كانت القمرة تصف حالة اوسكار ببراعة مذهلة، حتى لكأنك أنت المخدّر. ألاكس صديق أوسكار يحدّثه أشياء مبهمة عن تناسخ الارواح، و النفق الطويل الذي ينتهي بنور أبيض، و عن هيام الروح حيث كانت تعيش زمنا قبل أن تستقر في جسد جديد. و لكنّه لا يهتمّ كثيرا، كان خائفا من أن يُفتضح أمره، بدت له المدينة مكتضة، بدت له كثيرة الأضواء تماما كذلك المجسّم الذي صنعه صديقه لمدينة طوكيو. هو ذا المحلّ.. هو ذا فيكتور.. هنا يبدأ الفيلم!

لن أخوض في تفاصيل الفيلم، لأنه لا يترجم إلا كلام، إنما هو تجربة تعيشها كما يعيشها بطل الفيلم تماما.. القُمرة تتحرّك عبر مدينة طوكيو المضيئة في ظاهرها، المظلمة في باطنها. سلاسة تتنقل بها عين المخرج بين جدران المدينة و طوابق ناطحات السحاب فيها، كأنها سلاسة الروح الهائمة الضمآى إلى الراحة الأبدية.. و بمثل تلك السلاسة، ينتقل الحديث بين ماضي أوسكار و عقد الطفولة، و الصدمات التي شكّلت شخصيته، و واقع حياته في طوكيو و تفاصيل الأشياء من حوله، التي شكّلت مستقبله، أو لنقل، كانت سببا في ما حدث له.
لعبة البازل (Puzzle) الممتعة التي يقدمها لك المخرج لتلملم شتات قصة أوسكار منذ خروجه من رحم أمه، حتى موته، هي الجزء الممتع في الفيلم. أما الجزء المثير، فهو حتما ما سيتبادر إلى ذهنك من أسئلة و أنت تشاهد شيئا محبوكا بعناية كهذا. و لو أنك تابعت الفيلم بشيء من الاهتمام، فقد ترهقك الأسئلة و الافكار و الاستنتاجات، لكثرتها و ثرائها، حتى إن النهاية لن تفاجئك كثيرا، بل أعتقد أن عليك أن تتوقعها منذ منتصف الفيلم تقريبا، و إن المفاجأة حقا، هو أن لا تلقاها في آخر الفيلم.

لقد تجاوز Gaspar Noé فكرة الاستفزاز المجاني، و قدم ملحمة شاعريّة تذكرنا كثيرا بأوديسا الفضاء، حينما يكون العنصر السمعيّ البصريّ كافيا لمخاطبة المشاهد، و اثارة الافكار في ذهنه، و اثارة المخاوف و الشكوك و التوجس في قلبه. تنتقل القمرة بذات السلاسة و يصحبها النغم الهادئ المستفزّ، مع كوبريك في ربوع الفضاء الصامت، و هنا خارج الزمان و المكان، في عالم .. احم.. اترك لكم متعة الاكتشاف! بل لعلّ Noé عمد إلى التشابه عمدا، حتى كانت النهاية واحدة تقريبا.

------------------------- SPOILER ------------------------
و لئن بدا رضيع كوبريك ايذانا بميلاد "الأرقى من الانسان" Der Übermann كما صوّره نيتشه، فإن لسائل أن يسأل عن هذا الرضيع الذي انتهى به فيلم Gaspar Noé.. انها البداية الجديدة حتما، لكن هل لها علاقة بـ "الأرقى من الإنسان" النيتشويّ؟
غير أن الاختلاف الحقيقيّ بين الصورتين، هو الطبيعة الصارمة للخيال العلمي في اوديسا الفضاء، بينما كانت رحلة أوسكار روحانية أبعد ما تكون الروحانية، موغلة في أعماق الميتافيزيقيا، و حينما تساءل كوبريك عن مستقبل الانسان، تساءل Noé عما بعد المستقبل.. ذلك السؤال المرعب التي يحاول الانسان اجتنابه ما أمكن، حتى تجده الاجابة قبل أن يجدها.. ماذا بعد الموت؟

بدت كل أفعال الشخصيات في العالم محاولة للهروب عن هذا السؤال، و بدا أن الوحيد الذي جرؤ عن الحديث عنه، كان صديقه الذي أخذ صورة العاقل الأكثر حكمة و هدوءا. ماذا بعد الموت؟ هل هو العدم؟ هل هو الفراغ؟ تعود إلى تقسيم الفيلم، إلى قسمين، مشاهد ما قبل الموت و مشاهد ما بعد الموت.. سيدهشك أن مشاهد ما قبل الموت كانت شحيحة بالمعرفة، غارقة في الضبابية و الابهام، لا تكاد تدرك منها شيئا، ثم فجأة تبدأ رحلة الروح فوق المكان و فوق الزمان، تؤتى المعرفة و الحكمة، و يظهر لك ما خفي من أمرك، لماذا تحبّ أختك؟ لماذا واعدت والدة صديقك الذي بدا كما لو كان يشبهك؟ فوق المكان و الزمان، لم شيء عبثيّ أو رهين الصدفة، بل بدا كأن كلّ شيء يتكوّن منذ ولادة أوسكار من أجل غرض واحد : الولادة من جديد!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ END OF SPOILER ---------------

يبدا الفيلم بكلمة أدخل "ENTER" و ينتهي بكلمة الفراغ THE VOID، ليجعلك تتساءل، أيها كان الفراغ؟ الحياة أم الموت؟ لا يجيب Gaspar Noé عن السؤال و لكنّه يصوّره تجربة سينمائية فريدة من نوعية، لا أنصحك أن تفوّتها!


Saturday, December 21, 2013

الفيلم اللقيط

هناك قاعدة في عالم السينما تقول : حينما تنتظر شريطا ما لمدة طويلة، فاعلم أن الشريط سيخذلك حتما.
طبعا القاعدة من اختراعي، و لكن أعتقد أنها تعمل بشكل جيد، خصوصا مع السينما الامريكية، و التونسية. ربما لذلك كنت أعرف جيدا ما سينتظرني حينما وقفتُ امام باب دخول قاعة الـ RIO لمتابعة الفيلم التونسي Bastardo .. 

نجيب بلقاضي أثبت في السابق أنه ـ سينمائيا ـ شخص مختلف تماما، VHS كحلوشة، عمله السينمائي الأول، يعتبر بالفعل تعبيرة سينمائية نادرة الحدوث في تونس. حينما تجمع شيئا من المال لاستثماره لأول مرة في هذا العالم ـ المخاطرة، فأكثر ما تفكر فيه هو أن لا يذهب المال سدى، ستفكر في كثير من الصور التي اعتاد التونسيون على الاستمتاع بها، ستفكر في الكثير من "القضايا" التي يدمن التونسيون اجترارها، ستفكر في الكثير من الجنس المجانيّ، لأن الاخوة الفرنسيين سيدفعون المال لذلك البغاء الثقافيّ.. لكنّ نجيب بلقاضي لا يهتمّ بكل ذلك، و هو حتما ما أثبته في Bastardo ..

الصورة، العنوان، حديث بعض الأصدقاء المقتضب، و اسم المخرج، هو كل ما كنت أملكه من معلومات قبل أن ألج إلى القاعة المظلمة. الصورة الوحيدة التي يمكن أن أركّبها من هذا الخليط، تتمحور أساسا حول فكرة اللقيط، و ما قد يعانيه في احتقار و تهميش في المجتمع، و ما يجرّه عليه غياب اسم الأب في بطاقة الهوية من ظلم و تعسف.. ربما يعالج المخرج "القضية" بشيء من الكوميديا مثلا، على غرار شريط "Cinecitta" لو تذكرونه، لكن الفكرة مفهومة و واضحة.. كم كنتُ مخطئا!

في الواقع، بدت فكرة اللقيط أشبه بخيط اجتذاب لا أكثر، احيانا تجاه الفكرة الرئيسية، و احيانا بعيدا عنها.. فكرة رئيسية؟ سيبدو مشطّا الحديث عن "فكرة رئيسية" كما لو أن ذلك كان همّه الاول. كما قلت رؤية نجيب بلقاضي أعقد من هذا التمشي السطحي. هنا، يرسم المخرج عالما متكاملا، بعلاقات متشابكة و مكثفة، و يترك لها صنع الفكرة التي تتشكل رويدا، و بصورة طبيعية طوال مشاهد الفيلم. العنوان اذا قد يكون مراوغة خبيثة من المخرج، دعوة للتركيز على مسألة هامشية، حتى تتكون الصورة التي ارادها هو، امامك دونك أن توليها اهتماما.. أرى بعضكم يتململ في مجلسه و يتساءل همسا : ماذا يقول؟ أليس مالأجدى أن يحدّثنا عن قصة الفيلم حتى نفهم عمّ يتحدث؟ لا لن أفعل، لأنني أحب أن تشاهدوا الفيلم و تستمتعوا بتشكل صوره أمام أعينكم، و لكن سأذكر بسطة عنه حتى تتبيّنوا حديثي..

يروي الفيلم اذا، قصة محسن، Bastardo (عبد المنعم شويات) في حيّ عشوائيّ على هامش العاصمة ـ كما يبدو. و عشوائيته لا تتمثل في طرق البناء الفوضوية فحسب، و انما في كيفية سير الأمور هناك. يطرد محسن من عمله بسبب حبيبته الجميلة التي تجاهلته تماما و صنعت بصمته نجاحا لم يذق منه غير الاحذية.. و في الوقت الذي كان يفكر في حل لمعضلته، تأتيه عبر صديقه السائق (توفيق البحري) فكرة مشروع يجني ارباحا كبيرة من دون أي شقاء. الفكرة لم تلق نرحيبا كبيرا من زعيم الحيّ الارنوبة (الشاذلي العرفاوي) و أمه. يستمر الصراع بين الرجلين الى نهاية الفيلم. و دون الخوض في التفاصيل، فقد شكل هذا الصراع تلك الصورة التي تمثل ربما فكرة الفيلم الرئيسية. أعتقد أن مقاربة بلقاضي كانت عبقرية جدا، و تستحق تنويها خاصا، كعمل سينمائي تونسيّ يتجاوز الرداءة السينمائية التي اعتدناها من سينمائيي الأمس .. لكن السؤال، هل أحسن الرجل استغلال أدواته السينمائية لحبكة هذه الصورة؟

في الواقع أبرز الأدوات التي يجب الحديث عنها هنا، هي الموسيقى. في فيلم VHS كحلوشة، يبدو طبيعيا غياب الموسيقى في عمل وثائقيّ تقريبا. أما هنا، فغياب الموسيقى ـ تقريبا ـ يطرح سؤالا رئيسيا : لماذا؟! بحق الله لماذا؟!
حسن، غياب الخلفية الموسيقيّة في المشاهد، أو في المقاطع الانتقالية، عادة تونسية أصيلة، ربما بسبب تبعيّة التونسيين للمدرسة الفرنسية.. السينما الفرنسية تجاوزت هذه المسألة، و ستجد هذا الشكل في أشرطة بعينها، أما في تونس، فقد ظل التقليد أعمى. (سأستثني بابا عزيز لأنه أصلا يقوم على الموسيقى). غياب الموسيقى يوحي بجوّ من الجدية، و نمط شديد الالتصاق بالواقع. شيء أشبه بالأشرطة الوثائقية. و هو احدى أهم ركائز مدرسة Dogme95 الشهيرة. لا موسيقى، لنترك السينما طبيعية. لكنّ المشكلة هنا، أن لا شيء طبيعيّ في فيلم بلقاضي.
يمارس بلقاضي في كثير من المشاهد كثيرا من فنون الكوميديا : المبالغة، الكاريكاتور، الخيال، الصدمة.. هذه أمور برأيي تصطدم تماما مع غياب الموسيقى الذي يعطيها طابعا جديا غير محبب. سأذكر مثلا مشهد الأم حينما أطلقت كلابها على محلّ ممتلئ بالعباد، و أغلقت الباب. و أيضا صورة "لاعق الأحذية" (و قد أدى دوره ببراعة فائقة) و هو يتلقى لكمات أرنوبة و عضات كلابه الشرسة.. صور كثيرة تجانب المعقول بمراحل، كان يمكن هضمها بكثير من الـ yeah و الـ "بليييدة!" لو رافقتها بعض الموسيقى. لكنّك تبتسم في اعجاب بينما تشعر بشيء من الضيق في داخلك.

----- SPOILER

هذه الجدية قد تؤثر أيضا على موقفك من السيناريو. أشياء كثيرة غير معقولة في السيناريو، و كان يمكن أن تتجاوزها من قبيل : لا بأس انه مجرد عبث من المخرج.. لكن الجو الجاد يجعلك تفكر، ان كان بلقاضي مجبرا على ذلك لأنه لا يملك حلولا أفضل. مثلا فكرة عمود الاتصال هذا، كان يمكن أن يطيح به ارنوبة ثم يطلب من شركة الاتصال أن تضعه عنده، لنقل إن أفضل مكان ممكن هو سطح دار محسن، فالسلطة التي كانت لأرنوبة تمكنه من أن يبتاع منه المنزل بالقوة، أو على الاقل، يطيح بالعمود و ينتهي الفيلم من قبل أن يبدأ. سنقول أيضا إن أرنوبة بحكم الصداقة القديمة و ما شابه، كان عاجزا، كان يريد لصديقه شيئا من الربح. هذا ممكن، لكن ماذا عن ذلك المشهد المضحك : الناس ثارت على محسن، فصعد إلى السطح و بضغطة زرّ قطع الاتصال بالشبكة على الحي كله. هكذا؟ ألم يجد المخرج حلاّ أقل كوميديا من هذا الحل؟ لستُ ضد الفكرة، و لكنه كساها بطابع جديّ يستحيل تقبله. ما يجعلني أفكر أن كاتب السيناريو كان محدود الخيال بالفعل، و أنه لم يجد فكرة أفضل. طبعا ما يهمنا هو رمزية ذلك، أنا لم أستعمل القوة معكم. أنا صعدت إلى السماء و قطعت عليكم النعمة (يذكرني هذا بقصة سيدنا موسى مع بني اسرائيل، هل تراه استوحى الفكرة منها؟). لكن هذه الرمزية يمكن استخراجها بطريقة أكثر معقولية. لو شئت أن تبني موقفا كاريكاتوريا، فاستعمل الادوات المناسبة لذلك!

السيناريو لم يكن ضعيفا في هذه المسألة فحسب، هناك أيضا تطور الشخصيات، و أعني خصوصا الشخصية الرئيسية. الشخصية الرئيسية تغيرت و لم تعد كما كانت، تسمع ذلك تقريبا في أغلب فترات الشريط، و لكنّك لا ترى تغييرا. فقط أمران قد يشيان بذلك : تدهور صحته، لأسباب مجهولة على ما أظن. و مشهد اغتصابه لعاشقته "بنت السنقرة". هنا يجب أن أشير إلى مشهد الاغتصاب (و لعلني نسيت تفصيلا مهما) فبنت السنقرة تحب محسن، و مع ذلك، تمضي لياليها مع الارنوبة لتحصل على المال. حينما يريدها محسن، ترفض. لماذا ترفض؟ سنقول إنها تريد الابقاء على صورة الحب الجميلة، أنقى ما تملك تقريبا. لماذا عرضت عليه نفسها منذ البداية اذا؟
بنت السنقرة من أجمل الشخصيات و أكثرها ابتكارا في الفيلم. يمكن ايجاد دلالات كثيرة لعلاقتها الأبدية بالحشرات، يمكن تقديم قراءات كثيرة مختلفة بشأن ذلك، لكننا سنجمع أن الصورة فريدة و على قدر من الجمال. و حتى تطور الشخصية لم يبدُ بهذا السوء أبدا. هناك الفتاة الحالمة بقصة حب تنتشلها من واقعها الكئيب، واقع الفتاة المنبوذة، "القذرة". ثم رضاها بما هي عليه، معاشرتها لأرنوبة بمقابل، كاكتمال لصورة "القذرة" التي يراها الناس عليها، ثم اتخاذها لموقف ايجابيّ (تجاه نفسها خصوصا) حينما اختارت قتل الأرنوبة...
أما الأرنوبة، فلا أعتقد أنها شخصية فريدة، و لكن بلقاضي أحسن التعامل معها. الزعيم الذي فشل أن يكون زعيما، لأنه "أرنوبة".. أرنوبة هو فكرة أن "الزعيم" يولد "زعيما"، و ان القاتل يولد قاتلا. حاولت الأم كثيرا تغيير طباع ابنها، حاول هو نفسه أن يتغير، لكن جيناته كانت أقوى من أن يتغيّر. أرنوبة هو المقابل التام لمحسن. هو يبحث عن السلطة فتهرب منه، بينما يتهرب محسن من السلطة فتأتيه راجية. هو يمارس السلطة بكل أنواع البطش، بينما محسن يمارس السلطة بدون أن يحتاج إلى العنف. لأن السلطة لا تتمثل في القوة الطبيعية (physical) بل في كونها سلطة في حدّ ذاتها.. هل كان اختيار بنت السنقرة لمحسن، اختيار الانثى، للاقوى طبيعيا؟ ربما لم يقصد بلقاضي هذه الصورة، لكنني أراها صورة معبرة جدا لقانون الطبيعة.
أرنوبة شخصية لم تتطور، بل اتضحت. منذ البداية كان مترددا، كان حنونا، كان أرنبا يحاول أن يأخذ شكل الأسد. لكن المخرج لم يبيّن ذلك منذ البداية لا غير. بالمثل كانت أمّه أيضا، التي رغم الصورة الجميلة التي كانت عليها، لم تبد إلا تكملة لشخصية أرنوبة.
تبقى شخصية سائق سيارة الاجرة، مساعد البطل كتصنيف كلاسيكيّ، لم أجد له في الواقع قراءة مناسبة. ربما لا توجد في النهاية. سأنتظر تعليقاتكم (لو وجدت) بشأنه. لكن لنتفق أن توفيق البحري، كان من أفضل الممثلين آداء هنا.

آداء الممثلين عموما تراوح بين الجيد جدا و الرديء. سأصم بالرديء، صاحب دور الأم خصوصا، و زوجها الذي ظهر في مشهد وحيد في البداية. و سأعتبر آداء عبد المنعم عاديا جدا. ربما لأن الدور لم يكن يتطلب أكثر من ذلك. في النهاية شخصية محسن كانت مفعولا بها أكثر مما كانت فاعلة. أيضا لم تبد لي بنت السنقرة أنها قامت بعمل مذهل. اما لاعق الاحذية، فالأغلب أن هيئته ساعدته كثيرا على التميز. عدا أن عباراته لم تكن بتلك الاهمية، فكان له هامش من الحرية في انتقاء بعضها، و هنا ـ اعتقد جازما ـ ما جعل آداءه طبيعيا جدا. عكس البقية. سبب الرداءة الأساسي اذا، هو الحوار. لقد كان نقطة ضعف رئيسية في الفيلم!
سأظل أذكر طويلا تلك الصورة الممتعة للحرب "الاهلية" الدائرة بين انصار محسن، و أعدائه في الحي، و مشهد النيران، و الكر و الفر.. كان مشهدا جميلا سرعان ما أغرقه في البشاعة صراخ أحد الانصار : ربحنا يا سي محسن! ربحنا!
ما هذه الرداءة؟!
أغلب عبارات الأمّ، مضحكة تقريبا عوض أن تكون مخيفة. و أعتقد أن الوحيد الذي أنقذ نفسه من هذه العبارات المتخشبة المهترئة، كان خليفة سائق التاكسي. كان أكثرهم طبيعية. و أعتقد هنا، أن خبرته لعبت دورها.

أعتقد أن الفيلم مبشر بثقافة سينمائية جديدة في تونس. ثقافة لا تستهين بالمشاهد، و لا تقدم له فنا ضحلا. سأذكر طويلا صورة عمود الاتصال و كيف طافت حوله القمرة (الكاميرا و اعتادوا على هذا المصطلح رجاء >_< ) في مشهد جميل ذكرني بمشهد القالب الأسود المهيب في فيلم أوديسا الفضاء. (لا تعرفونه؟ تداركوا أمركم اذا!)
السلطة عبر وسائل الاتصال، هذا ليس اختيارا بريئا طبعا. ان من يتحكم في وسائل الاتصال، هو من يقدر أن يفرض سلطته في هذا العالم. وداعا للطرق البدائية و العنف الأبله. الكلاب (و خمّنوا من هم الكلاب هنا) سيقفون عاجزين أمام سطوة الهاتف النقال. لكن السلطة أيضا لا تقف أمام منزل أي شخص يبحث عنها. للسلطة ذوق غريب في اختيار مالكها. في الواقع، يولد أشخاص سلطويون بطبعهم، قد تتهيأ لهم الظروف لممارستها و قد لا تفعل. الشخص إما سلطويّ و إما فلا. و الناس إما مطاعة، و إما مطيعة. فجأة تحول الجميع إلى عبيد للهاتف.. فجأة تحولوا إلى عبيد للزعيم الجديد. هل يحبون عبوديتهم؟ لا يبدو ذلك، و الا لما رفضوا تسديد اتاواتهم لمحسن في البداية. لكنهم على استعداد لها دائما. هل هذه صورة للواقع التونسي كما يراه نجيب بلقاضي؟ ربما، و لكنني لا أملك ما يكفي من الأدلة لاسقاط ذلك. حتى المشهد الأخير، بدا على صنعته، مبتذلا، مسقطا و مفتعلا الى حد كبير. و لكن بعيدا عن تحجبها، فشخصية مرجانة التي تتميز بثنائية الحضور و الغياب، تقدم أيضا صورا كثيرة و متنوعة. فبداية، هناك صورة الحبّ العصيّ على السلطة. يمكنك أن تملك السلطة التي تشاء و لكن الحب يتجاوز السلطة. حسن تبدو القراءة متعسفة، و لكن علاقة محسن و الارنوبة ببنت السنقرة تدعم هذه الفكرة. لا توجد علاقة حبّ سليمة هنا، في هذا الجوّ المتخم بالصراع على السلطة. لكن أيضا، مرجانة تقدم أيضا صورة ذلك الشيء الجميل الذي بحث عنه محسن فلم يجده، و وجد السلطة مكان ذلك. ما الذي أراده نجيب بلقاضي من هذه العلاقة؟ تحفيز محسن على قبول السلطة؟ تحفيز محسن على شق سيره نحو الزعامة و المال؟ ربما و لكن تبدو شخصية مرجانة موحية بأكثر من ذلك.. 

----------------- END OF SPOILER

الفيلم نفسه يبدو موحيا بأكثر مما ستشاهده، لذلك هو يستحق المشاهدة و التنويه أيضا. أعتقد أن هناك نقائص جوهرية على مستوى الشكل (الحوار و الموسيقى خصوصا)، و لكنني أعتبره فيلم ناجحا. أريد للجميع أن يشاهد باستاردو. لا لتشجيع اصحابه فحسب، و انما لأنه يشق الطريق الصحيح للسينما التي يجب أن ينتجها سينمائيونا. لأنه سيعاود تحديد مفهومنا للعمل الفني الناجح عموما و السينما خصوصا. باستاردو فيلم لقيط، لأنه ـ ربما ـ لا أب له، لا سابق لمثله في السينما التونسية. و هذا لا يعني قط أنه فيلم وضيع، بل ربما العكس تماما!

21 كانون 2013
There was an error in this gadget

Translate