Saturday, July 12, 2014

ساعة من البرمجة

العالم يتغيّر..

لم تكن هذه الحقيقة بديهية و ملموسة بقدر ما تبدو عليه اليوم. افتح النافذة بجوارك و تأمل أقرب شارع إليك. ربما كانت أقرب نافذة إليك، تلك التي تطلّ من شاشة الكمبيوتر، نافذة Firefox مثلا، أو Chrome أو أي متصفح آخر تستعمله، لأنّ النوافذ اليوم باتت تحمل أكثر من معنى، كغيرها من المصطلحات الأخرى في هذا الزمن الالكترونيّ.
العالم يتغيّر، و هو حتما لم يعد ذلك العالم الذي لا يزال يتعامل باندهاش مع الكتابة. لقد تجاوز الانسان بالفعل الأقراص الطينيّة التي كان يستعملها في العراق، و أوراق البردى، و رقائق الجلد، بل لعلّنا نشهد تجاوز العالم للورق كوسيلة تواصل. لقد انتهى زمن الرسائل الورقيّة بالفعل، و بات التعامل أساسا عبر الشرائح الالكترونية.

قليلة هي الشعوب التي أدركت هذه الحقيقة بالفعل. قليلة هي الشعوب التي توصلت إلى حقيقة أن هذا عصر ما بعد الكتابة. إنه عصر البرمجة! و حينما نتحدث عن "عصر البرمجة" فإننا حتما لا نعني بذلك البرمجة كمجال اختصاص يمارسه بعض الشبان المهووسين أو بعض المهندسين ذوي الخبرات المريعة التي يحسبها الآخرون ضربا من السحر. إننا نتحدث هنا عن البرمجة كمهارة شعبية يمكن أن يمارسها الجميع مثلما يمارسون مهارة الكتابة و الحساب. هل يبدو هذا مفرطا في الخيال؟ بعض الدول بدأت خطواتها الأولى في هذا الاتجاه، و في الولايات المتّحدة الأمريكية، ظهرت إحدى أكبر الحملات الشعبية لتعميم مهارة البرمجة، كان ذلك من خلال موقع Code.org

ماهي Code.org؟
هي منظمة غير ربحية، و موقع ويب بذات الإسم أسسه الأخوان عليّ و هادي بارتوفي (و هما من أصل إيراني كما لاحظتم) بهدف تشجيع الناس و خصوصا طلبة المدارس في أمريكا على تعلم البرمجة. ظهر الموقع على شبكة الانترنت في جانفي (كانون الثاني) 2013، و كانت مهمّته الأولى حينئذ، تكوين قاعدة بيانات تضم كل المدراس و الهيئات و الفصول التي تقدم دروسا في البرمجة في كامل أنحاء الولايات المتحدة. و قد رافق هذا العمل مساندة بعض المواقع الاعلامية الالكترونية المتخصصة الشهيرة مثل تاكرانش (TechCrunch) و غيرها.
و في فيفري (شباط) من نفس العام، قدّم الموقع شريط فيديو قصير يظهر فيه بعض عمالقة وادي السيلكون كمارك زوكربارغ (مؤسس فايسبوك) و بيل غايتس (مؤسس مايكروسوفت) و جاك دورسي (مؤسس تويتر) و غيرهم من المبرمجين و باعثي المشاريع في عالم تكنولوجيا المعلومات. الفيديو قصير و لطيف، و يحمل معنى بسيطا : البرمجة ليست ضربا من السحر، تعال و جرّب تعلّمها لأنها لغة العصر. و قد لاقى الفيديو رواجا مذهلا في وقت قياسيّ، و تم تناقله في وسائل الإعلام الأمريكية حتى اعتبرته TechCrunch أحدث صرعات الشبكة الاجتماعية.

ساعة من البرمجة
الخطوة التالية، كانت حملة "ساعة من البرمجة"، و قد تزامنت مع الأسبوع الوطني لعلوم الكمبيوتر في أمريكا، أي بين 9 ديسمبر (كانون) و 15 ديسمبر (كانون) من السنة الماضية. و كان هدف الحملة، اجتذاب طلبة المدارس لمتابعة بعض الدروس البسيطة في البرمجة على الموقع، و المهيّأة في قالب ألعاب تحدّ لا يحتاج معها الطالب إلى أية معرفة مسبقة بعالم البرمجة.
أعلن عن الحملة قبل شهرين من موعدها، و قد ساندتها شخصيات معروفة، و كان أبرزها الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما الذي قال في تسجيل فيديو محمّسا الامريكيين إلى التفاعل مع  الحملة : "لا تكتف بتنزيل ألعاب الفيديو، اصنع واحدة!"
و قد أعلن موقع Code.org فيما بعد أن أكثر من 20 مليون شخص شارك في الحملة، و أنّ ما كتب خلال "ساعة من البرمجة" بلغ نحو 600 مليون سطر من الكود!
اليوم تستعدّ الحملة للانطلاق في بريطانيا، احتفالا بمرور ربع قرن على بداية الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW)، بذات الدعم و ذات الأهداف، و على الموقع نفسه.

البرمجة سهلة!
يحاول الموقع أن يتجاوز اللغة الانكليزية و أن يقدّم مادّته بمختلف اللغات العالمية. لكن يبدو أن المشروع لا يزال في بدايته، فهو فقط يترجم بعض العبارات الواردة بالموقع، دون أن يترجم التطبيقات/الدروس التي يستخدمها فعليّا زوّار الموقع. ربما لذلك كان نشاطه الأول خارج الولايات المتحدة مرتكزا أساسا على بريطانيا.
لكنّ الدروس متوفرة للناطقين بالانكليزية بالفعل، و هي متنوّعة و تحاول أن تتوجّه لمختلف الفئات العمرية، لتعويدهم على حلّ الألغاز و المسائل عبر تكوين خوارزميات بسيطة. تخيل مثلا لعبة الطيور الغاضبة الشهيرة (Angry birds) تتحول إلى شبكة أحجية (Puzzle) حيث على المستخدم أن يكتب سلسلة من التعليمات تجعل الطّير قادرا على بلوغ مكان الخنزير. و التعليمات طبعا بسيطة نحو "تقدم إلى الأمام" و "استدر يمينا" و "استدر شمالا" الخ.. سلسلة التعليمات التي يكتبها المستخدم تمثل الخوارزمية التي ستنفّذها التطبيقة، و هو أمر أقرب إلى اللعب المسليّ منه إلى البرمجة، لكن على يمين الشاشة ستجد زرّا يسمح بعرض الأوامر في شكل أسطر كود تعوّد المتعلّم على تقبل الأكواد، و على فهمها.

يعتمد الموقع في الواقع على لغة برمجة تصويرية تسمّى Blockly تقوم أساسا على تقديم مختلف عبارات البرمجة الأساسية مثل عبارة "if" أو "repeat" في شكل قوالب يركب بعضها ببعض تماما كالأحجيات المصوّرة (Puzzle)، و هو ما يجعل الأخطاء "النحوية" مستحيلة، و يجعل المستخدم يركّز أساسا على تكوين الخوازمية اللازمة لحلّ المسألة المطلوبة.
لكنّ الموقع لا يكتفي بذلك، و يقدم بالفعل دروسا مبسطة في لغات برمجة معروفة، مثل Python و javascript، و غيرهما. كما أن دعم الشركات الكبرى للمبادرة أوجد دروسا لصنع تطبيقات لأجهزة الهواتف الذكية و الويب. التطبيقات ليست معقدة أو ضخمة، و لكنّها تسمح للمستخدم أن يشعر أن تعلم البرمجة يمكّنه من صنع شيء حقيقيّ بالفعل. شيء يمكنه استعماله فيما بعد. و هذا الشعور هو الذي أولد موجة كبيرة من الحماس في أوساط الأطفال الذين تلقّوا تلك الدروس خصوصا. و هو الهدف الرئيسيّ من وراء المبادرة.

يعتقد مؤسسا الموقع، هادي و عليّ بارتوفي، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تعاني نقصا كبيرا في نسبة مهندسي البرمجيّات. و تفيد الأرقام التي يقدّمها الموقع، أنه في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد الطلبة المتخرجين في مجال علوم الكمبيوتر 3% من مجموع الطلبة المتخرجين، يتنامى حجم عروض الشغل في البرمجة إلى ضعف حجم المعدل الوطنيّ لعروض الشغل. لذلك يحاول الرجلان من خلال هذه المبادرة أساسا، تعويد التلاميذ في المدارس الابتدائية و الثانوية على فكرة البرمجة، و تقديمها في صورة أقل نمطية من تلك التي تقدمها شاشات التلفاز، و أكثر مرحا. لكنّ الأمر لا يتوقف على ذلك.
إن المشكلة الأساسية أن التقنية اقتحمت كلّ المهن بالفعل، و باتت مختلف الميادين في حاجة إلى تطويع تكنولوجيا الكمبيوتر. الطبيب اليوم في حاجة إلى رسوم بيانية ديناميكية و حيّة للأنشطة الحيوية في جسم الإنسان، و المحامي في حاجة إلى متابعة مختلف التشريعات الطارئة المتجددة يوما بعد يوم و المدرّس في حاجة إلى مراقبة مستمرّة لمردود تلاميذه يوما بعد يوم، و هي في أحيان كثيرة حاجيات بسيطة يمكن للانسان تحقيقها من دون الحاجة إلى شخص متخصص في البرمجة لإنجازها.

حملة Code.org مهمّة في المشهد الأمريكيّ، لأنها تدلّ على شعور الأمريكيين بخطر ما تجاه ما يحدث في عالم تكنولوجيا المعلومات و ما تطرحه من تحديات. و حينما يقدّم الموقع مقارنة بين حال علوم الكمبيوتر في الصين و الولايات المتحدة (في الصين يتعلم كل الطلبة أساسيّات البرمجة مهما كان اختصاصهم) فإنك تعلم أن المسألة تأخذ بعدا لا سياسيا فحسب بل استراتيجيا أيضا. كما أن للمسألة الاقتصادية حضورها البارز هنا. فالتركيز على قيمة سوق الشغل في عالم تكنولوجيا المعلومات، خصوصا من قبل النواب الأمريكيين الذين ساندوا الحملة، يدل على قلقهم بخصوص تنامي البحث عن مهندسي الكمبيوتر من خارج أمريكا. و هي مسألة يمكن طرحها في دول أوروبا الغربية أيضا. في المقابل تقدم دول مثل الهند و الصين، هذا النوع من اليد العاملة.

ماذا عنّا نحن؟ بعض الدول العربية تقدّم بالفعل عددا مهمّا من مهندسي الكمبيوتر إلى أوروبا الغربية، بل إن بعض الشركات الكبيرة باتت تفضل فتح فروع خارجية لها حتى تتفادى مشاكل الهجرة و تظفر في الآن ذاته بيد عاملة ذات كفاءة. من المهمّ القول هنا إن هذه الحملة تنذر بتقلص نسبة البحث عن هؤلاء. لكن من يعلم؟ 

Sunday, July 6, 2014

نشيدي أنا

أقاسم طيرا فتات المدى،
و أرسم سرّا مسار الهرب.
و أقتل جبني إذا ما بدا،
و أرسل كفّي وراء السحب.

أ أسمع صوتيَ خلف الجبال؟
أ أقرأ حرفي بُعيدَ الزمن؟
و من همُّه بعض اسم و مال
يعش رغده تحت سقف الكفنْ

لي أمل ماجنٌ مستحيلُ،
عزمُ باقِ و مهجة لا تطيعْ
و القلمُ المقاومُ و الخليلُ،
لي رقصة طفل رضيعْ

دروبي؟ لستُ أعرفُ ما دروبي
و واحتي، حين يرهقني المسيرُ
متى سافرتُ قد يممتُ صوبي
و أرضيَ حينما الحِلُّ الأخيرُ

آوي حروفا فتأويني،
أسحبُ روحي من تليدي
أعيدُ ملامحي و تكويني
و الحيّ يولد من رمادِ

أقاسم طيرا فتات المدى،
و أرسم سرّا مسار الهرب
و إن سألوا أين يمضي الفتى
فقل خلف ما قد كتبْ

"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)

حينما تسمع حديثا عن مسلسل تونسيّ، فكن على يقين من أنّك في رمضان. يبدو أننا ننتج المسلسلات التلفزية لسببين : لا بدّ من مسلسلات تونسية في رمضان فهكذا جرت العادة، و لا بدّ لأهل الدراما من عمل يحصلون بموجبه ما يمكنهم من العيش (عيشة النجوم طبعا، لأنه يجب أن يكون في كل بلد نجوم تلفاز).
و قد جرت العادة الكريمة أن ينجز مسلسلان قصيران في رمضان، كلٌّ لفترة أسبوعين، لحكمة لا بأس بها في نظري، فنحن لا نملك ثقافة الكتابة أصلا، و من يكتب خمسة عشر حلقة يمكن له أن يفتخر بإنجازه لسنين طوال. و لم يشذّ عن ذلك إلا كتبة قلائل، خابوا في بعض الأعمال، و نجحوا في أعمال أخرى. كما أن انجاز عملين يبقي الانتاج الدرامي في مرحلة تجريبية تجعل من كل عمل جديد أشبه بمخاطرة، خصوصا مع جمهور مزاجيّ و عسير الإرضاء كالمتفرّج التونسيّ. لذلك عوض أن ينتج عمل واحد قد يخيب، ينتج عملان قد يخيب أحدهما و ينجح الآخر.

إحدى تلك الخيبات التي أحدثت لغطا طويلا بعدها، أو ربما شرخا ظلّ هناك إلى اليوم.. عرضت في رمضان 2003، أعني بها دروب المواجهة، و هو إسم لا يوحي بشيء تقريبا، لكن شخصيات المسلسل قد يذكرها بعضهم : مصطفى العدواني صاحب المصنع الطيب، الساذج، لطفي الدزيري المحتال الطماع الذئب، فريال قراجة الصحفية اللامعة صاحبة المبادئ و الجمال و الأخلاق و كل تلك الأشياء الجميلة و زهير الرايس حبيبها و الذي لا يصلح لشيء إلا لأنه ابن مصطفى العدواني صاحب القضية.. لمن لم يذكر المسلسل فأعتقد أن ما دار بمخيلاتكم هو كل المسلسل تقريبا.
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة".. 

طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.

ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟ 
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟

إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون.. 
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.

حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟

حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..



There was an error in this gadget

Translate