Monday, October 26, 2015

دراما ضائعة بين النجوم

رشّح فيلم ما بين النجوم أو إنترستلّر آخر أعمال كريستوفر نولان (ثلاثية فارس الظلام، ميمنتو، إنسبشن…) لأربعة جوائز أوسكار ثلاثة منها تتعلّق بالصوت وواحدة بخصوص التصميم، وفاز بأوسار المؤثرات البصرية. وقد لاقى ذلك استهجان الكثيرين ممّن اعتبروا الفيلم تحفة تاريخية ستؤثّر في مستقبل السينما، بل ذهب البعض إلى مقارنته  بأوديسا الفضاء، 2001 لكيوبرك (وهي مقاربة نسبت للمخرج نفسه). في هذا المقال لن نخوض في مدى أحقية الفيلم بجوائز الأوسكار، ولن نذهب في قراءة نقديّة له، لكنّنا سنخوض في سيناريو الفيلم الذي اعتبره البعض معقدا، أو شائكا، أو يحتاج إلى الكثير لفهمه، وسنستعرض عشرة أخطاء مهمّة لا تليق بفيلم خيال علميّ من أعلى مستوى.

1 - في عالم موبوء بترابه، في عالم يعاني من وباء يهلك الزرع والضرع ("لقد مات القمح. جاءت الآفة وكان علينا حرقها. لا يزال هناك الذرة. هناك فدادين من الذرة، لكن… على الأخص هناك الغبار") يجب أن نفترض شكلا اجتماعيا آخر للعالم، يجب أن نتصوّر تركيبة مختلفة للسكان، وهيكلة جديدة للدولة. إن العالم يتشكّل فعلا وفق ما يحدث فيه، وليس بمعزل عن أبسط ما يطرأ عليه، فما بالك بآفة تغمر العالم بهذا الشكل؟ لكنّ نولان يصوّر لنا عالما لا يختلف كثيرا عن عالمنا. هناك المدرسة، وهناك الأطباء، طرق امتلاك الأرض، وسائل الإنتاج، الدولة وممثّلوها، وغير ذلك. إن أبسط ما يمكن أن يحدث لمثل هذا العالم، هو اهتمامه بعلوم الأرض إلى حدّ غير مسبوق. هو تطوّر البيولوجيا، والهندسة الوراثية، والمعمار بحيث يستطيع الناس مجابهة عالم من الغبار والأوبئة. إن الإجابة الأولى للكارثة هي محاولة إصلاح الأرض، لا تركه. يهمس لي صديق ما، بأن نولان ذكر في الفيلم أن محاولات البشر باءت بالفشل، وأن فكرة نولان أصلا تقضي بأن الحل يكمن في الخروج. فأجيبه إن المحاولات التي تبوء بالفشل لا تختفي آثارها فجأة. لو أن العالم حاول، لرأينا منازل تحتوي على الميكانيزمات اللازمة لمنع دخول الغبار، ولرأينا آثار نتائج الهندسة الوراثية على الطعام (لا يزال الأكل هو ذلك الذي نعرفه)، ولرأينا قدرة الناس على مجابهة مشاكل التنفّس من دون الحاجة إلى الذهاب إلى الأطباء، كأنّه مرض مفاجئ، لرأينا الناس تتعامل معه كأنه زكام. لكنّنا لم نر كلّ ذلك، لأنّ نولان لم يُلزم نفسه بهذه الرؤية، التي يُفترض أن تكون تمشيّا منطقيا لفكرته عن نهاية العالم والتي ربما أرادها مبتكرة.

إن إصرار نولان على هذه الفكرة يجعلني أتساءل : ألم يكن أفضل أن يقدم لنا نهاية العالم في شكل كلاسيكي أكثر؟ الجرم الذي سيصيب الأرض؟ الاختلال في أفلاك كواكب المجموعة الشمسية؟ لماذا بحث عن شيء شائك في حين أنه لم يكن المشكل الأساسيّ الذي يدور حوله سيناريو الفيلم؟ ربما ليعيدنا إلى ذلك السؤال الذي يتهامس به الخلق والأمريكيون خصوصا حول أنشطة ناسا : ما الفائدة من كل هذه الأموال التي تضخّ لناسا؟ ألم يكن أجدى أن تضخّ من أجل محاربة الفقر والمجاعة؟ سنجد في الفيلم عناصر كثيرة تفيد دفاع نولان عن وكالة الفضاء الأمريكيّة، حتى كأنّ الفيلم نوع من الإشهار الراقي لأنشطتها (راجع لقاء البطل مع إدارة المدرسة ودفاعه عن ارتياد ارمسترونغ للقمر). ناسا تقدّم لكم عملا جادّا و سوف تقود يوما البشر نحو رحلتهم الأسطورية. حاجة الإنسان إلى ناسا أصبحت أكثر ضرورة من حاجتهم إلى المزارعين. هكذا يحدّثنا نولان، ولكنّ حديثه كان يفتقر إلى بعض الدقة و"العقلانية" التي يفرضها الخيال العلميّ، خصوصا من مخرج امتهن الدقّة العلمية والعقلانية في أفلامه.

2 ـ جاء الفيلم مهتمّا كثيرا  بدقة تطبيق النظريات العلمية، خصوصا مع بحوث كيم ثورن الفيزيائية التي ساعدت نولان على تقديم تصورات متميّزة للثقب الدوديّ، والثقب الأسود، وخطّ الأفق، والمنفردة، و غيرها. لكنّه في الآن نفسه بدا شديد التخاذل مع باقي نقاط السيناريو، فتعامل ببساطة منفّرة مع ما يفترض أن يكون الناسا. حيث يظهر لنا الدكتور مان ( مايكل كاين)  كأنّه امبراطور يأمر وينهي، ويخفي معلومات وأسرار. يقرّر كاين من وراء الدولة، أن إنقاذ البشرية لا يمكن إلا بإقامة مستوطنة جديدة على كوكب جديد، ويقرّر كذلك أعضاء المستوطنة الجديدة : امرأة (هي ابنته) وثلاثة رجال. يبدو أنه لم يفكّر بإحداث بعض التوازن في تشكيلة المستوطنة الجديدة. لكنّ هذا لا يهم، ما يهمّ، هو أنّ أحدا لم يراجع معادلات الدكتور مان، الولايات المتحدة كلها بكامل تنظيماتها وهياكلها، لم تراجع النظرية، لم تشترك مع الدكتور مان في مراجعة قرار الرحلة، لا يبدو أن هناك مراقبة من أي نوع لما يحدث في ما يبدو أنه أخطر برنامج على كوكب الأرض. ربما كان برنامج صغير للتجسس يكفي ليتهافت كبار رجال الدولة على رحلة النجاة الوحيدة هذه، لكن نولان آثر التبسيط ربما إلى حدّ الابتذال في هذا الخصوص.

3 ـ الابتذال المتعلّق بناسا يبدأ منذ تعرّف الدكتور كوبر (ماكونوهي) وابنته على مكانها. تخيلوا أن المنظمة الأكثر سرّية في العالم، تلك المنظمة التي تحاول الاختفاء تماما عن أنظار دافعي الضرائب، توجد في مكان يمكن بلوغه بالسيارة. صحيح أن كوبر و ابنته كانا يملكان الإحداثيات، لكنهما لم يقطعا الصحاري لبلوغ المكان، ولم يبد أنه منطقة عسكرية محرّمة. كان مكانا يمكن لأي شخص العثور عليه ولو مصادفة. لقد كان نولان مجبرا على فعل ذلك حتى يتماشى مع فكرة التواصل مع الماضي بواسطة الجاذبية. ربّما كان عليه تخيّل شيء أكثر تعقيدا.

4 ـ داخل ناسا تبدو التركيبة غريبة وشديدة التبسيط. هناك عالم فلك و فيزياء وإداريّ أو مدير يفعل كلّ شيء بمفرده. أتساءل ما الحاجة لكلّ أولئك المحتشدين هناك. الدكتور مان يقضي كل ساعاته في نظريته، ويقضي كذلك كل ساعاته في إدارة الناسا : إمضاء الأوراق الرسمية، تقديم التقارير للدولة، ربما إقناعهم المستمرّ بأهمية بقاء الدعم، توجيه سياسات المنظمة، تقرير طواقم الرحلات الفضائية، هذه مستويات كثيرة يمارسها الرجل بطريقة تذكرنا بأفلام الكرتون. ألم يكن من الأفضل لو كان الدكتور مان، مجرد عالم مكلّف بالإشراف العلميّ على الرحلة أو شيء كهذا؟

5 ـ مادمنا نتحدث عن الرحلة بين النجوم، يجب أن نتوقف طويلا عند تعامل الناسا الاحترافيّ معها : رحلة مصيرية، تمّ الاعداد لها بدقة، وتحضير الرواد، وطبيعة المهمة، والموارد التقنية والبشرية الهائلة. لا ينقصهم إلا أمر واحد : قائد للرحلة له معرفة بفيزياء الكم، وخبرة بالفضاء، ومهارة في الطيران والهندسة. هذا رجل لا وجود له في سجلات ناسا، لكن تقوده المصادفة (في الواقع لم تكن مصادفة كما سنكتشف في ما بعد، لكن بالنسبة للناسا في ذلك التوقيت، ليس لهم علم بأي شيء، وبالنسبة لهم يعتبر قدوم كوبر إليهم أشبه بالمصادفة) إليهم، مرحبا نحن الناسا، نعلم أنك لا تعلم أننا لا نزال هنا. أنت تجيد القيادة أليس كذلك؟ ما رأيك لو تذهب في رحلة إلى ما وراء النجوم؟ أوكي يا رجل!

6 ـ يتواصل الارتجال المذهل لناسا أثناء الرحلة. هكذا تخرج المركبة التاريخية إلى مصيرها بقيادة رجل لا يعرف بعد معنى الثقب الدودي الذي يفترض أنه سيدخل فيه. قبيل ثلاث ساعات، من رحلة استمرّت أشهرا، يجلس كوبر إلى رفيقيه ليشرحا له الثقب الدودي باستعمال ورقة وقلم. الحقيقة أنني أخطّط ليومي بشكل أكثر احترافيّة من ناسا بكثير!

7 ـ الدخول للثقب الدودي مسألة بسيطة، لكنّ الدخول للثقب الأسود مسألة تبدو أكثر بساطة بالنسبة لكوبر الفذّ. بعضهم يقول إنّه لم يدخل إلى الثقب الأسود، بعضهم يقول إنهم "هم" الذين بواسطة قدراتهم الهائلة ذهبوا به إلى منطقة التسراكت (مكعب خماسيّ الأبعاد) لكنّ هذا ليس مهمّا، ما يهمّ هو كيف يمكنه الاقتراب أصلا من الثقب الأسود دون أن يقضيَ عليه الضغط الرهيب الذي لا يتحمّله الضوء نفسه؟ لنفترض فحسب أنه الجزء الخياليّ من "الخيال العلمي" في الفيلم…

8 ـ عاد كوبر من رحلته الملحمية الأسطورية، ليرى ابنته وقد غدت عجوزا. يجب التذكير هنا بأن علاقة كوبر وابنته خاصة جدا منذ البداية، وكانت من أهمّ عناصر الفيلم. مع ذلك، استمرّ لقاء الرجل و ابنته دقيقتين تماما، وسط نظرات أحفاده المستغربة، لا أحد ينتابه الفضول بشأن جدّ جاءهم من أعماق الماضي. أمّا هو، فدقيقتان من الوقت مع ابنته التي لم يرها من سنين كافيتان، الأهم هو عدم إضاعة المزيد واللحاق بالدكتور براند… الرجال!

9 ـ هناك مشاكل كثيرة يبدو أنها تحدث حينما نسافر ما وراء النجوم، ليس من بينها حتما الإرساليات. تستمرّ الرسائل الصوتية و المرئية في الهطول بشكل يجعلنا نتساءل عن شركة البريد أو شركة الاتصالات التي تؤمّن ذلك! هناك نظرية تتحدث عن امكانية نسخ الذرّة بحيث مهما يكن مكانهما في الكون، أي تغيير يحصل للأولى، يحصل للثانية في الآن ذاته. لكنّ هذه النظرية لا تفسر بلوغ الرسائل بصفة متأخرة عن وقت إرسالها، ولا تفسر عدم وجود طريقة للردّ على الرسائل. ما يعني أن الوسيلة المستعملة كلاسيكية، تفترض حاملا كونيّا مثل الضوء، وهو الذي يجد مشاكل جمّة في مقاومة الثقوب السوداء. هل قلت الجاذبية؟ لو أنّ لهم القدرة على الارسال بواسطة الجاذبية، لما احتاج كوبر للدخول إلى منطقة التسراكت لفعل ذلك. مرة أخرى سنقول، هذا هو الجانب الخيالي في "الخيال العلمي"...

10 ـ في نهاية الفيلم، وكعادة الأفلام الأمريكية، تتحول المركبات الفضائية إلى نوع من سيارات الأجرة، تدخل إلى المستودع، لا رقيب ولا نذير، تأخذ حاجتك، لا داعي للتعقيدات فيمكنك قيادتها بنفسك، فقط ضع رخصة السياقة الفضائية في سقف المركبة ولا تنس التأمين، وتوكل على الله إلى حيث الدكتور براند.

لقد اهتمّ نولان كثيرا بالجانب الصوتيّ والبصريّ في الفيلم، وقدّم بالاستعانة بفنّانين عظام على رأسهم الرائع هانس تسيمر Hans Zimmer، أجمل اللوحات الفنّية على هذين المستويين، لكنّ اهتمامه بالجانب الدراميّ كان ضعيفا إلى حدّ غير مسبوق. علاقة الأب بابنته من خلال كوبر وكذلك الدكتور مان، علاقة البشر بكوكب الأرض، علاقة الإنسان بالكون، علاقة الإنسان بالزمن، كلّ ذلك كان هشّا ولا يتّسم طرحه بالجدّيّة الكافية، وما نال الفيلم بشأنه كلّ هذه الشعبية، هو تعامله الجادّ مع النظريات الفيزيائية، ما عقّد السيناريو وجعله صعب المنال على الكثيرين. في هذا المقال، أبدينا كيف أن النظريات الفيزيائية ليست كلّ شيء في قصص الخيال العلميّ، وأنه بقدر ما يجدر بالكاتب أو المخرج الاهتمام بالجانب العلميّ، بقدر ما يجدر به الاهتمام بالجانب الخياليّ أيضا (ولا نعني هنا العجائبيّ).


Sunday, October 18, 2015

فضيلة الجهل غير المتوقّعة

للجهل فضائله، وإحدى تلك الفضائل لم تتوقّعها الناقدة الكبيرة تابيثا (ليندساي دونكان) وهي تشاهد العرض الافتتاحيّ للمسرحية التي جاءت خصّيصا من أجل تحطيمها وتحطيم كلّ ما تمثّله. لقد علّمها ريغان ذلك الممثّل الدخيل على الفضاء المقدّس، أنّه بإمكان أمثاله من الجهلة أن يقدّموا لمسرح البرودواي ما يحتاج إليه من دماء. صحيح أنه سليل شبّاك التذاكر، صحيحٌ أنه نتاج الصناعة الهوليوديّة المزيّفة، لكن ربّما كان ذلك حافزا لتجاوز نفسه، وتعميد إسمه كمؤسّس لتيّار فنّيّ جديد يمكن تسميته بـ الواقعية الفذّة… 

هذا تصنيف جديد، والنقّاد من أمثال تابيثا، يعشقون التصنيفات. ربّما لم تفكّر حين كتابة هذا المقال، أن تزور ريغان في المستشفى بعدما رأت دماءه تتناثر على أرض المسرح الذي تقدّسه. هذا لا يهمّ، المهمّ أنّها ظفرت بما لم تتوقّعه : تصنيف فنّيّ جديد! صديقه المنتج أيضا ظفر بما يريد، صفقات كثيرة بانتظاره من أجل عرض المسرحية الجديدة، الجميع يكتب عن ريغان أخيرا. ربما لأوّل مرة منذ زمن بعيد، يرى إسمه على صحيفة من دون التساؤل عن موعد جزء جديد من أفلام الرجل الطائر بيردمان. 

يهرع الصحفيّون نحو غرفته بالمستشفى، يتسابقون للظفر بأولى صوره بالضمّادات، فهذا خبر دسمٌ ولا شكّ. ربّما تذكّر آنذاك تلك الصحيفة اليابانية التي أجرت معه مقابلة في كواليس المسرحية. كانوا يريدون أن يعرفوا إن قام بعملية تجميلية باستعمال شحوم الخنزير، أو يبدو أن شخصا ما في تويتر أراد معرفة ذلك. طبعا لم يحدث، لكن لماذا يصرّون على الحديث عن ذلك؟ هو يريد أن يتحدث عن مسرحيّته الجديدة! اِبنته أيضا التقطت له صورة لتضعها على تويتر. من هو تويتر هذا؟ لماذا يحدّد مصائر الناس ويقتحم حياتهم بهذه السطوة؟ 

 هل تويتر أيضا من قرّر أنّ شبّاك التذاكر لن يستقبل إلاّ الأبطال الخارقين؟ الجميع اليوم يبحث عن رداء يضعه على ظهره، حتّى إنه لم يجد ممثّلا جيّدا لمسرحيّته. لم يعد أحدٌ يعرفه في الشارع إلاّ أولئك العجائز الذين شهدوا يوما بطولاته في سلسلة الرجل الطائر. لم يعد إلا ذكرى جميلة للرجل الطائر. أما عند النقّاد فهو ذكرى سيّئة. وبين هذين اللّقبين، سيحاول أن يثبت وجوده على مسرح البرودواي، بعمل جادّ. 

أحدّثكم عن فيلم بيردمان (الرجل الطائر) أو فضيلة الجهل غير المتوقّعة. حيث يجاهد نجمٌ هوليوديٌّ منسيٌّ أن يعيد لنفسه الاعتبار بعيدا عن دور البطل الخارق الذي اشتهر به، بل على فضاء مسرح البرودواي في قلب نيويورك. لم يكن اختيار الممثل مايكل كيتون للعب دور ريغان أمرًا عبثيّا. أولئك الذي عرفوا سينما الثمانينات و التسعينات، يعرفون جيّدا هذا الرجل، لقد كان نجم الشبّاك من خلال شخصية باتمان أو الرجل الوطواط. الآن لنتخيّل ما يمكن أن يفكّر فيه ناقد سينمائيّ وهو يدخل للعرض الافتتاحيّ لفيلم من بطولة هذا الرجل ويحمل إسم "الرجل الطائر". أجل! ربّما يفكّر بنفس طريقة الناقدة تابيثا التي يتحدّث الفيلم عنها، صانعا دون أن يشعر ما يبحث عنه المخرجُ من محاكاة الفيلم بالواقع. لقد عانق المخرج أليخاندرو إنياريتو سقف السخريّة باختياره هذا. لكنّه يتمادى في السخريّة طوال الفيلم من كلّ شيء تقريبا: الممثلون، المخرجون، المنتجون، النقّاد، الجمهور، الإعلام. يمكن اعتبار فيلم بيردمان أو الرجل الطائر صفعةً ساخرة من كيفيّة تطوّر صناعة السينما في هوليود. إنّ التطوّر الملفت الذي تشهده هوليود أفرغ العمليّة السينمائية من كل معنى. لقد صارت الشبكات الاجتماعية هي المتحكم الرئيسي في الرأي العام، تفرض عليه اهتمامها بكل شيء يحيط بالفنّ عدا العمل الفنّي نفسه. صناعةُ الأبطال الخارقين هي التجارة الرابحة هذه الأيام، حيث توفّر لك التكنولوجيا الرقمية الجهد والتعب، طرطق أصابعك ليحدث على الشاشة ما تشاء من الانفجارات والدماء والشظايا. هذا ما يريده الجمهور في النهاية. لم يعد من حاجة للممثّل إلاّ أن يختفيَ خلف قناع ما، ثم يظهر بوجهه الوسيم لالتقاط الصور. 

لا يتحدّى إنياريتو ومن خلفه مدير السينوغرافيا العبقريّ لوبزكي، مخرجي أفلام الكوميكس ومنتجيها، بتصوير مشهد الأكشن الذي ظهر فجأة في قلب المدينة أو في عقل بطلنا ريغان المضطرب، لأنّهما يتعاليان عن المقارنة. هما فقط يسخران من سينما اليوم، أو ربّما يسخران من آليات تقييم السينما اليوم، تلك التي تجعل أعمالا بسيطة تحقق نجاحا جماهيريا منقطع النظير، وتطيح بأعمال مرهقة في قرارة الفشل التجاريّ. وبمثلما أشارا إلى دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعيّ في ذلك، فهما يركّزان أكثر على محدودية الرؤية البشريّة للعمل الفنّي. فقدرةُ المُشاهد على التأمّل والتفكير محدودة، كأنّ السينما كتسلية تعني وجوبا تنويم المخّ إلى حين. ولأنّ إنياريتو كما رأينا من خلال انتقائه لمايكل كيتون، يعمل في مشروعه على محوريْن متوازيين : الفيلم كمضمون ناقدٍ والفيلم كنموذج لهذه العملية النقدية، فإنّه يكاد يجزم أن فيلمه هذا لن يحقّق النجاح المطلوب، لأنّه فيلم جيّد ومرهق. فلم يشفع لبيردمان فوزه بأوسكار أفضل صورة ليحظى بشعبية أكبر. 

أمّا إنياريتو فيستمرّ في حيله الماكرة. يقدّم للمُشاهد من خلال قصّة ريغان وكفاحه من أجل إنجاح عرضه المسرحيّ، كواليسَ العملِ الدراميّ. ذلك الجزءُ الغامضُ الذي لا يراه المُشاهد ولا يعير له انتباها. يكشف لنا المخرج المكسيكيُّ عن خفايا العمل الدراميّ. يتحوّل الفنّان من ساحر يتقمّص دورا على الركح، ثمّ يعود إلى طبيعته التي نراها في التلفاز وفي الصحف، إلى بشر مكافح يعيش دراما حقيقيّة مثل الآخرين. يصبح فتاة تفتقد إلى الثقة بنفسها وهي تعتلي الركح لأول مرة (ناعومي واتس)، ويصبح رجلا يفعل كلّ شيء من أجل الحفاظ على صورة جميلة وإسم ذائع الصيت (إدوارد نورتن). ربما يرهن كلّ ما يملك من أجل عمله القادم، أو ينسى في غمرة فزعه من النسيان، أنّ له ابنة مراهقة تحتاج إلى الرعاية. يقدّم فيلم بيردمان هذه الصورة الميلودراميّة للكواليس، ليدعوَه أن ينتبه، أن يفهم أنّ هؤلاء الذين يسمّون فنّانين، ليسوا مثل الأبطال الخارقين الذين يختفون أحيانا خلف أقنعتهم، بل لعلّهم يختفون خلف أقنعة الأبطال الخارقين، لإيهام أنفسهم بقوة زائفة. إن الفنّان بشر في نهاية الأمر. ربما يبحث عن الشهرة، وربما يبحث عن المال، لكنّه أيضا يعمل لأنّه لا يجيد فعل شيء آخر. هكذا بكل بساطة. لقد قدّم إنياريتو للمشاهد ما خلف الستار لينتبه إلى ماوراء العمل الدراميّ ككلّ، ثم قدّم الفيلمَ نفسَه كنموذج للمجهود الخفيّ، وذلك من خلال إبرازه لعمل الكاميرا طيلة الفيلم. 

يمكن اعتبار الكاميرا في فيلم بيردمان البطل الحقيقيّ، ولا يبدو أنّ هناك من شكّك في جدارة مدير السينوغرافيا إيمانويل لوبزكي بالأوسكار. سيلحظ كلّ من شاهد هذا الفيلم عمل الكاميرا الفذّ من خلال انسيابها مثل الماء في كواليس المسرح النيويوركيّ الجميل، تتابع ما يحدث لريغان وزملائه وأحبائه وأعدائه. للكاميرا أهواؤها المنفردة، فهي أحيانا تتخلّص من متابعة هذا، لتعرّج بحثا عن ذاك، أو ملتفتة لما يحدث لآخر. للكاميرا أهواؤها المنفردة، وهي بتنقّلها الحرّ اللافت للانتباه، تصنع للمشاهد، جملة الميلودراما التي تحدث في الكواليس. 

لقد عرّى إنياريتو كلّ شيء تقريبا، عرّى عمل الممثّلين، اختلاف رؤاهم، سخر منهم، أحبط كلّ ما توقّعناه من عبقريّتهم، لا يوجد عبقريّ يرتجل الأشياء بحسب ما يمليه الموقف، إنهم جميعا يحفظون نصوصهم! عرّى الضغوط المفروضة على المنتج، إذعانه للصحافة، تملّقه للمستثمرين وشركات الانتاج. عرّى عمل المصوّر، والمونتاج، فجعل كامل الفيلم يبدو كأنّه مشهد واحد، في عمليّة استعراض عضلات آتت أكلها. بل عرّى الموسيقى، فجعل من الموسيقى الإيقاعية التي ضبطت نسق الفيلم، عنصرا من عناصر الفيلم نفسه، ورأينا عازف الإيقاع مرة في شارع جانبيّ في نيويورك ومرتين داخل كواليس المسرح نفسه. لقد عرّى كلّ شيء حتّى يكشف عن عبث العمل الفنّيّ بمقاييس هذا العصر الجديد. ربّما لذلك جاء الفيلم ساخرا بأكثر ممّا جاء دراميّا. إنّ إنياريتو لا يبكي وضع الدراما، بقدرما يسخر ممّن أدّى بها إلى هنا. وهو لا يحاول الانتصار للممثّل بقدرما ينبهّه إلى ما ينزلق إليه. 

في النهاية، يبدو لي أنّ هناك خطأ ما في قراءة العنوان، إنّ "أو" التي تفصل بين "بيردمان" و "فضيلة الجهل غير المتوقّع" لا تعني أنّنا أمام مرادفين، بل إنّنا أمام متضادّين، فالممثّل اليوم، إمّا أن يكون "رجلا طائرا" يحظى باحتقار النقّاد ونجومية شبّاك التذاكر، وإمّا أن يكون "جاهلا" يظفر بمفاجأة النقاد بما لا يتوقّعونه منه. مرّة أخرى، تظهر عبقريّة إنياريتو و حيلُه الشيطانية إزاء هذا العنوان الطويل الذي فضّل الجميع فيه جزء "الرجل الطائر"!



Thursday, October 15, 2015

ولد البهيم

أحكمتْ تثبيتَ خمارِها تحت سترتِها. تأمّلتْ شكلَها أمام المرآةِ المرقّشةِ. لا شيءَ تغيّرَ. لا شيءَ يتغيّرُ. سمرةُ الوجهِ لم تملْ بعدُ إلى البياضِ. والوجنتان لا تزالان غائرتين داخل فمها. حاولت أن تأكلَ أكثرَ. ظهرَ ذلك على خصرها فخافت أن تخسرَ آخر ما بقيَ من الأسلحة. عادت إلى زهدها في الأكل وعادت إلى إظهار نحافة جسمها. مطّت شفتيها مرارا لعلّها تستخرجُ منهما بعضَ البريقِ. مزيدا من أحمر الشفاهِ. هذا أفضل. تكلّفَ القلمُ ثروةً صغيرةً، لكنّه يستحقّ، يثبتُ ذلك في كلِّ مرّة. بعضُ الألوان على الوجنتين. تقول المُزيّنةُ، يجب أن تتناسق الألوانُ مع الأثوابِ. هذا يجعل المهمّةَ أكثر تعقيدا. لون البشرةِ، لون الأثواب، ألوان الزينة، ألوان الرجال... حُقّةُ هذا البُنّيِّ تكادُ تنتهي. ضمور الوجنتين يكادُ يختفي. ستوصي نزيهة بجلبِ المزيدِ منهُ من تركيا. الحاجبان! لا بدَّ من إبراز الحاجبين!

"أُذِّن و إلا مازال؟"

شعرتْ بتوتّر حينما سمعت العبارة. تفضِّلُ دائما أن تخرُجَ دون أن يشعرَ بها أحدٌ. ليس بها رغبة للتواصل داخل هذه الجدران. فضّلت أن لا تجيبَ. عاودت التطلُّعَ إلى المرآةِ من مسافةٍ أبعدَ. لا بأسَ. يومٌ جديدٌ. محاولةٌ جديدةٌ. اِختارت الألوان بعناية هذه المرةَ. راقبته طويلا. عرفتْ إلى أيّ الألوان يميلُ.

حقيبةُ الأكلِ مهترئةٌ، لكنّها تنجزُ عملها بكفاءة، وتحفظُ لها كنزها الصغيرَ. أمام البابِ اصطفَّ كدسٌ من الأحذية. ألقت نظرة جانبيّةً على قدمِها اليمنى. فَرَدَتها كراقصات الباليه. اِنحت وتناولت زوجا من ذوي الكعب العالي. القدمُ جميلةٌ دوما بالكعبِ العالي. لن يمكنَه تجاهُل الصوتِ من بعيد. سيكون اليومُ شاقًّا بهذا الحذاء، لكنَّ العبرةَ بالخواتيم. فتحتْ البابَ لتُواجِهَ العالمَ.

"حيِّ على الفلاح!"

إنَّها الخامسة، حفيفُ الهواءِ يجمِّدُ الأطرافَ. القمرُ الباهتُ المعلَّقُ يتراجع خائبا. الصَّمتُ المطبقُ يبشِّرُ بولادة النهار. مرَّ شريطُ يومها أمام عينيْها قبل أن يبدأَ. أحسَّت بشيءٍ من التَّعبِ كأنَّها في آخر النهارِ. لن يكونَ الفرق كبيرا بين الموقفين. ستكون تماما هكذا بعد إحدى عشر ساعة من الآن. وسيكون القمرُ معلّقا، والهواءُ مجمَّدًا، و ربّما صوت الآذان الأخيرِ مبشِّرًا بعودة الصمتِ على المكان.

سربٌ من الأشباح يجاهدُ الريحَ وحُفَرَ الطريقِ المقابلِ. ستبدو هي أيضا على درّاجتها بعدَ قليل شبحًا صامتًا يقطعُ المدينةَ من طرَفِها إلى الآخرِ. الكلُّ هنا يذهبُ إلى هذا الطرفِ الآخرِ. يحُجُّ إليه مبتهلاً داعيا. يطوف في أرجائه. ينشُدُ خلاصَه. هي أيضا تريدُ الخلاصَ. فقط لو أنّه يلحظُها!

"يا سي عليّ، ما عندكش فكرة على قرارات اليوم؟ صباح الخير يا هادي، نهارك طيب!"

اِقتربتْ من الحشدِ عندَ المرآب. أحكمتْ غلقَ قفلِ الدرَّاجةِ. تظاهرتْ بالانهماكِ في ذلك، بينما عيناها تجولان خفية في المكان. لا ظلّ له في الأنحاء. لعلَّه باشر عمله باكرًا... سعلتْ مرّتين، نزعتْ معطفها. ربَّما تجذِبُه ألوانُ الثوبِ الجديدِ، ولو كان في الداخلِ. كادَ البردُ يذهبُ بجسمها النحيلِ، لكنّها واصلتْ طريقَها إلى قسمِ الكيميائيّاتِ. ضربتْ بقدمها على الأرض، لعلَّه يسمعُ صوتها فيظهرُ من تحتِ الأرضِ. لا بأسَ. ستراهُ وقتَ الغداءِ...

في قسم الكيميائيّاتِ، مرّتْ من أمامه، لكنَّها لمْ تلحظه. اِنتابته حرارةٌ مفاجئةٌ. لم يكنْ أحدٌ معه في موقع عمله. لحسن حظِّه لم يكن أحدٌ هناكَ. اِبتلع جفافَ حلقه. تمالكَ نفسَه. عاودَ اختلاسَ النظرِ إلى ما تبقَّى من ظلِّها في المكانِ. لقد اختفتْ تماما! أخذ نفسا عميقا وحاولَ اجترار ما غنمه من اللحظةِ العابرةِ. لم تسعفه النظرة الخاطفة بملاحظة الكثير. لم يعتدْ منها تركيبة الألوانِ هذه. ما تبقَّى من المشهد كان ما يكوّن شكلها في قلبه. وقعُ مشيتِها، نحافةُ خيالِها، حنانُ عينيها، رعشةُ جسدِه كلَّما استشعر رائحتها. لا تزالُ الرائحةُ الخفيّةُ تملأُ الفضاءَ من حوله. تمرُّ كلَّ يومٍ من قربه، تتركُ له كلَّ ذلك، و خيالاتٍ كثيرةٍ تذهبُ به عن عمله لبعض الوقتِ. صارَ في كلِّ صباح ينتظرُها كمن ينتظرُ وقتَ صلاتِه...

"جماعة الاتّحاد، قالوا يلزمنا احتجاج!"

ثمَّ يتهشَّمُ كل شيء في ذهنه كما الزجاج. يعودُ إلى عالمه و إلى الرّافعة المنتصبة أمامه. هتافاتُ الزملاء من حوله، وأوركسترا الآلات الرّخيمة الواثقة، و هذا البخارُ المتصاعدُ إلى الله. اِزداد حديثُ العمّالِ توتّرا هذه الأيامِ، و زاد حجمُ شرودِه في البخارِ المتصاعد من حوض السائل الكيميائيِّ الخانقِ. تابعَ صعودَه إلى السَّقفِ حيثُ مسالكُ التهوِئةِ تنقلُه إلى مكانٍ ما. تساءلَ ما الذي يسبّبُ له أوجاعا في الصدر إن كانت الأبخرة تخرج من فوق؟

"هل ستشارُك في الإضراب؟"

كان يعرفُ الإجابة عن سؤالهِ البليدِ، مثلما كان يعرفُ الإجابة عن سؤالِ زميله. لهثَ و هو يحرّكُ الرافعةَ إلى الخلفِ قليلا. راح السائلُ ينسكبُ في وعاءٍ كبير. عاودته أوجاع صدره. لكنّه يعرفُ أنَّه لن يحتجَّ و لن يُضربَ. يعرفُ أنَّ بقاءَه مضمون بسبب توصيةٍ من السيّد المعتمَدِ. حينما ذهبَ إليه حاملاً بطاقة مناضلٍ بإسم جدِّه، و شهادةَ فقرٍ، وعدهُ في فتورٍ بالشغلِ والكرامةِ. تلك العبارةُ الّتي ما فتئَ كلُّ مسؤولٍ يردِّدها بعدَ الثورةِ المباركةِ. قتلَ جدُّه خمسةً وثلاثين عسكريّا فرنسيّا زمنَ المقاومةِ المسلّحةِ، وكسبَ هو ببطاقة نضالهِ، ثلاث مائة وخمسين دينارا شهريّا. الحسنة بعشر أمثالِها كما يقولون. والسيّئة أيضا بعشر أمثالها. لكنَّه لم يعرف السيّئة الّتي جعلت من جدِّه يكنّى "رجبْ البهيم"* وجعلت النّاسَ تناديهِ "ولد البهيم". يسمعُها همسًا هنا وهناكَ، وجهرا وقتَ الخصامِ. جرّب صغيرا أن يغيّر من عادة القوم، فتعلّمَ درسَه الأوّلَ: العادةُ لا تقاوَمُ. في هذه المدينة، كلُّ شيءٍ سيظلُّ كما هو. سيظلُّ يسكبُ هذا السائلَ ويرسلُه إلى نقطة العملِ الموالية في السلسلة. سيظلُّ ولدَ البهيم، وسيظلُّ مكتفيا بنصيبه.
ليحتجّوا، ليُضربوا، هذا حقّهم، و هو معهم بقلبِه، لكن بعيدا عن رزقه، بعيدا عن رزق جدّه العجوزِ المشارف على الموت. بعيدا عن حلوى أبناء عمّته التي يلتزم بشرائها كلّ أسبوع. العادةُ رتيبةٌ، مثل عمل هذه الرافعة الصامتة المهيبة. لكنّها مستمرّة، واثقة، لا تتزحزح. أصحاب هذه الرافعة مثلها لن يتزحزحوا. ذلك المدير الإيطاليُّ سيظلُّ هناك، مهما احتجّوا ومهما صرخوا...

"قالوا سيعلّقونَ أسماء المطرودين."

علِــق إسمُها منذ زمن بعيد بذهنه. عرفَ عنها أشياء كثيرةً. عرفَ أنها شاخصة بقلبها إلى الإدارة. لم يحبطه ذلك كثيرا، وأدهشه أنّ ذلك لم يحبطه. لم يحسَّ بالغيرة، لأنّ من حقّها أن تتطلّع إلى شخص ليس مثلَه. إلى شخص لا ينظر إلى الأرض، ولا يكتفي بأجرٍ بخسٍ، ولا ينادونه "ولد البهيم". ظلَّ مكتفيا بوجبة الصباح، من وجهها الكريم، ومن زينتها التي تعدُّها لغيره. رأى نفسه واقفا في الساحة بعد الغداء. رآها تشرئبّ بعنقها بحثا عن غيره. بريق عينيها يذبل شيئا فشيئا، وقدماها تعودان بها القهقهرى. سوف تمرّ من أمامه دون أن تشعر بوجوده، تماما كما لا يشعر ذلك الإداريُّ بوجودها. ربما يلقي إليها تحية متلعثمة حذرة، وربّما تجيبه دون أن تلتفت إليه... اِنتابته شهوة عنيفة وهو يتخيّل المشهد. تساءل: أليس عبثا هذا الذي يراه، كمثل العبث الذي تصرّ هي عليه؟ هو كذلك لا يملك حيلة لحبه ولا سلطانا... لقد قدّر لأهل هذا الفضاء من العمل إلاّ حوادثَه، ومن الأجر إلا مهانته، ومن الحبّ إلا عذاباته.

"يجبُ أن نتحرّك! يجب أن نتضامن!"

لكن لا أحد يتحرّك من أجله ولا يتضامن معه، وكذلك هو لن يفعل. إنّ النضال كذبة كبيرة يخترعها أصحاب الحاجة لاستدراج من لا حاجة لهم. اليوم يتضامن معهم، وغدا ينادونه "ولد البهيم"... وجهه في المرآة يوحي بالتوتّر. تحامل على نفسه والتقط نفسا عميقا. لا توجد بقع على القميص. لا يبدو بهذا السوء. أين الباب؟

خرج من قسم الكيميائيات. الصخب يملأ فضاء المنطقة الصناعية. بدأ العمّالُ بالتجمهر حول القائمات. بعضهم رفض الاطلاع عليها والمشاركةَ في المسخرة. أغلبهم يعرفُ مسبّقا مصيره. ولم تكن هي من بين هؤلاء. لكنّها لم تبدِ انشغالا كبيرًا بما قد يحدث. نظرت إلى مشاريع الأحذية المتكوّمة أمام آلة عملها، وراح ذهنُها يحسبُ رغما عنها. بعشرة دنانير في اليوم تخيط نحو ستين حذاءً. يبيعونه للناس في "الخارج" بعشرات اليوروات. هذا الصنف مثلا، أخبروها أنّ ثمنه في السوق الأجنبية مائة وخمسون من عملتهم أو يزيد. هذا يفوق أجرتها الشهرية بالفعل. يربحون منها الذهب، فماذا تربح منهم؟

"عندي ديون برشة. إذا طردوني، سيُقضى عليّ"

أمّا هي، فلا ديون لديها تقريبا. تهب كلَّ مالها فعلا لأدوات الزينة والملابس. كلّفها هذا الثوب أكثر من نصف أجرتها. لم يقلقها ذلك قطّ. أجرتُها لا تصلحُ لشيء آخر بالفعل. تجد متعةً حين تقول بكلّ صدق لأمها أو أخيها "مفلسةٌ، قلّبوني!" وحين تصرخُ فيها أمُّها في حنق "لماذا تعملين إذا؟" تجيبها بحدّة أكبر "لأتخلّص من وجوهكم، وأوامركم، وخدمتكم!". لم تعمَل يومًا لجمع المال، بل لجمع الأمل. تلملمه بعينيها الكحيلتين، وابتسامتها الحنون. تحاول افتكاكَه من الرجل المناسب. منذ فترة ليست بقصيرة، صارت تعرف من هو الرجلُ المناسبُ. تحدّثها بدلتُه الأنيقةُ عن تفاصيل حياتِها بجواره. عقدتْ آمالَها على طرف المنديل النابع من جهة قلبه. لم يتزوّج لأنّه لم يعثر على بنت الحلالِ. ما أندرَ بناتِ الحلالِ!

"حتّى جماعة الإدارة، ستشملهم الغربلة." 

اِلتقطت أذناها العبارة كما تفعل الأرنب المتحفزة. نهضت وهي تحملق في الباب البعيد. ضاق المكانُ من حولها، امتدّت حشود العمّالِ بعيدا عن المعلّقات، لم يأتِ الدَوْر على قسم الخياطة بعدُ، لكنّ قلبها صار يخفق بعنف ضربات آلتها. كيف تصل إلى الأوراق؟ هتافات العمّال من حولها أكثر زحمة من احتشادِهم.

"سياسةُ الدولة هي السبب!"

"من أين يأتون بهؤلاء المستثمرين؟"

"طليانيٌّ كلبٌ! كلّ الإيطاليين كلاب! لصوصٌ!"

"الأزمة العالمية هي السبب. لا حول و لا قوة إلا بالله."

"تزوجتُ منذ شهر، و الآن سأطلّق وأواصل تسديد الديون! أيُّ دنيا هذه؟!"

تمنّت لو تظلُّ تقرأ الأسماء حتى نهاية القائمة. أن تتحمل التّدافع لساعاتٍ. لكنّها توقّفت عند الورقة الثالثة. كان إسمهُ الأنيقُ يتصدّرها. اِرتخت عضلاتُها. تركت تَدَافُعَ الحشود يعود بها إلى الخلف، إلى الخلف، حتّى لفظها خارجًا. تأمّلت المكان من حولها في صمت. بدا لها المكان غريبا وموحشا. توقفت عيناها عند البوابة الضخمة. بدت أكبر حجما، كأنّها تدعوها إليها. مضت نحوها ساهمة، وقد عرفت أنّها لن تعودَ.

حتّى بعد مرورِ يومين لم تعدْ. اِنشغل باله بها. لم يعدْ قادرا على العمل. لحسن حظّه لم يكن هناك من عملٍ يُذكر. اِنخفض نشاطُ المصنع بسبب الفوضى. لا أحد يهتمُّ بمردودية العمال وهم يُطرَدون.

"قد يغلقون وحدات الإنتاج خلال اليومين القادمين."

"المحتجُّون لا يعرفون ما يفعلون. يطلبون العون من الاتّحاد وهؤلاء يحرّضون على التصعيد لأغراضٍ سياسية."
"أنت إخونجيٌّ حقير." 
" وأنت يساريٌّ اِبن كلب!" 

المصنعُ مهدّدٌ بالغلقِ. قلبُه مهدّدٌ بالخواءِ. وهذا الحوض لا يزال ممتلئا. ماذا لو طلب من السيّد المعتمَد إرجاعها؟ لكنّ بطاقة النضال لا تطال شخصين. ودّ لو يمنحها مكانه، لكنّها ليست من العائلة. لو كانت زوجته مثلا... سيقول لهم إنها ... كتم ضحكة كادت تلفت إليه الأنظار. النضال لا يحمي المغرمين. المصنع أيضا لا يحميهم. بل إنه يكرههم. الحبُّ يعني الزواج. والزواج يعني أطفالا، ومنحا خاصا، وإجازات استثنائية لا تطيقها الإدارة...
صخب المتظاهرين في الخارج بات يملأ الفضاء. مرّ أحدُهم من أمامه تاركا بعضا من حزنه وغضبه وحسده. إنّه مذنبٌ لأنّه لم يُطرد. إنّه مذنب لأنّه "ولد البهيم" ولو كان ابن سي "الباردي" لما لامه أحدٌ. تذكّر تعلُّق "بنت الباردي" به في صباه. تذكّر كيف تجاهل كل محاولاتها البائسة لاستمالة قلبه، وكيف اعتبرها مقلبا سخيفا لم يقع فيه. ضحك في مرارة وعاودَ شدّ الرافعة الثقيلة...

"حتّى ل.م طردوه! تخيّل! ذلك المتعجرف صاحب المعارف والصِّلات!"

توقفت يداه عن عملهما. سقط الصندوق في الحوض. تعالت صفارة من مكان ما منذرة. صرخ زميله محذّرا. لكنّه غادر المكان دون أن يأبه.أهذا ما تركه له جدُّه؟ أهذا ما أراده له من الحياة؟ نظر إلى البطاقة المغلّفة. نظر إلى المتظاهرين الغاضبين، وإلى دموع الفتيات المطرودات، وإلى الأحذية الجلدية الرفيعة وهي تشقّ مسلكها الواثق إلى ماوراء البحر. تحسّس رقبته. تحسس الوجع الممتدّ من صدره إلى أسفل معدته. اشتمّ عطرها في خياله. سمع صوت رفاقه قادمين. سمع وقع حذائها في رأسه، سمع وقع الهتاف المتوالد من قلب المظاهرة.

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق! المحبّة استحقاق يا عصابة السرّاق!"

اِختلط الكلام في ذهنه. لم يعد يميّز أيها هتف به المتظاهرون، وأيها هتف به هاتف في أعماقه. حشدُ العمّال متكوّم أمام مبنى الإدارة المغلقة. عند الباب، كانت محامية يساريّةٌ شهيرة تخطبُ دون توقف. ضاع كلامها وسط الهتاف. 

"التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق!"


ضاعت أفكاره وسط الهتاف. نظر إليه بعضهم في اندهاش. لماذا يهتف معهم؟ ألم يحفظوا له عمله؟ تسلّق كتف أحدَهم وصرخ، فردّد الجميع في هياج.
"لماذا يتظاهر معنا؟"
أجاب إداري ساخرا :"لأنه ولد البهيم!"

15 آذار 2015

------------------------------
* البهيم في العامّيّة التونسية تعني الحمار.

Monday, October 12, 2015

خير الدين الذي نعرفه، و خير الدين الذي لا نعرفه
قراءة في كتاب الهادي التيمومي "تونس و التحديث"

يلحّ السياسيون اليوم، ربّما أكثر من أي وقت مضى على وهم أزمة الهويّة، و يحملون الإعلام و الرأي العام على الأخذ بهذه الحقيقة مسلّمة، و إيهامنا أنها أزمة مفتعلة لا غير لأغراض سياسية، بل و يتمادون بالقول إن التونسي متصالح مع هويته. هكذا مع كل هذا الانقسام الحادّ بين الناس و مع كلّ مظاهر التطرّف التي تعتري البلاد، لا يجد هؤلاء أية مشكلة مع الهوية، و هم على إنكارهم منغمسون حتى النخاع في مشاكل إيديولوجية لا حصر لها. و التونسيّون أيضا على انقيادهم لهذه الأفكار-التعليمات، لا ينفكّون ينبشون عن أنفسهم بين دفاتر التاريخ التونسيّ. و لعلّ مجال التاريخ، هو الأكثر إثارة للاهتمام و الانشغال حينما يتعلّق الأمر بتلك العملية التي يندر أن يمارسها التونسيّ : القراءة. يحاول عبر الآثار البونية، و الفسقية الأغلبية، و الحنايا الرومانية، و الأسواق الحفصية، و القصور العثمانية، أن يجد صورته المنعكسة، و إسم أبيه محفورا، و هي مهمّة شاقّة و عسيرة، فهو إما أما كتاب بسيط لا يسمن و لا يغني من جوع للمعرفة، و إما أمام طرح أكاديميّ مختصّ لا يملك الأدوات الكافية لفكّه و استيعابه. و لكن لحسن الحظّ يوجد الدكتور الهادي التيمومي.

يقدّم هذا المؤرّخ المتخصص في تاريخ تونس الحديث و المعاصر، خطابا تاريخيّا أكاديميّا لغير المتخصّصين، وفق مناهج علمية و مدارس تاريخيّة متنوّعة، أهمّها الماركسية، حيث لا يخفي الهادي التيمومي تأثّره بالجدلية المادّية و ما بني عليها من أطروحات تصوّبها و تهذّبها خصوصا في ما يتعلق بالوطن العربي، مثل أطروحة سمير أمين القائمة على نمط الإنتاج الاتاويّ. و لقد كتب الهادي التيمومي في ذلك كتبا قيّمة كثيرة، سنقدّمها تباعا في سلسلة نرجو أن تحظى بالتوفيق.

يعود بنا كتاب اليوم إلى مسألة الهوية الجوهرية، ليس من حيث هي مشكلة أنطولوجية، تهتمّ بالكينونة التونسية في ذاتها، و إنما بوصفها مشكلة إيديولوجية تعرقل العمل الحضاريّ، و تشتّته، فالتونسيّ بحاجة لمعرفة نفسه حتّى يعرف إلى أين يتّجه، و كيف يمشي، و من يصادق و من يعادي، و ماهي الأدوات التي يستعملها، و ماهي نقاط ضعفه و قوّته. إنها المشكلة التي تجعل التونسيّ لا يعرف ماذا يأخذ من الآخر و ماذا يبقي، ماذا يأخذ من تراثه و ماذا يبقي، و هي بعبارة أخرى مشكلة الإصلاح و التحديث. في الواقع، مع السرعة التي يمضي بها قطار الدول المتقدمة، لم تزل تونس في ذات المحطة التي كانت فيها منذ القرن التاسع عشر، و لذلك ارتأى الهادي التيمومي أن يحدّثنا عن بداية التجربة التحديثية في كتابه "تونس و التحديث".

لقد حاول الهادي التيمومي عبر هذا الكتاب الإجابة عن التساؤل الذي قد يخامرنا لكننا نتجاوزه ربما استخفافا من الإجابة : إذا كانت تونس قد عرفت في القرن التاسع عشر كل تلك الاجراءات التحديثية الرائدة، و كل أولئك المصلحين العظام، و كل تلك الأحداث المهمّة (انتفاضة 64) فلماذا لم ينجح التحديث؟ و لماذا انتهى بنا إلى الاحتلال؟

أعاد الكتاب نوعا ما رسم رموز التحديث، و أطّر بشيء من الدقة مجال كل منها في خارطة التاريخ التونسيّ. فأحمد باي، ذلك "المصلح" الكبير الذي منع الرقّ و بنى المدرسة الحربية، و كان أوّل زعيم إسلاميّ يزور بلدا أوروبيا زيارة رسمية، لم يكن ذلك الشخص الحداثيّ الذي قد ترسمه مخيّلاتنا. و كذلك الجنرال حسين و رستم، لم يكونا بتلك الثوريّة التي قد تتبادر إلى أذهاننا. فضلا عن سالم بوحاجب و محمود قابادو و محمد بيرم الخامس و محمّد السنوسي و مواقفهم المتباينة من أحداث القرن التاسع عشر. لقد نبّه الكاتب في بداية مؤلَّفه أن "بعض ما سيرد في هذه الدراسة لن يروق لأنصار خير الدين الأيقونة"، و لكنّه لم ينبّه إلى ما سيرد بخصوص بقية الأيقونات. و الحقيقة أنّ ذلك أضفى على الدراسة مصداقية يندر وجودها.

من جهة أخرى، فتح التيمومي نافذة أمام أهمية بعض المراجع المفاتيح بخصوص تلك الحقبة، و أعني بها خصوصا كتابا خير الدين باشا (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) و أحمد ابن أبي الضياف (إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس و عهد الأمان). إذ يعتبر الأول من أهمّ المراجع التي يمكن من خلالها الاطلاع على رؤى خير الدين الإصلاحية، و الخيارات التي تبنّاها حداثيّو القرن التاسع عشر. و لئن كان خير الدين ديبلوماسيا في ما يتعلّق ببؤر الفساد و العائلة الحاكمة، فإن أحمد ابن أبي الضياف الذي ترك كتابه للأجيال اللاحقة و لم يُطلع عليه حينئذ إلا دائرة ضيقة من المقرّبين، كان أكثر استفاضة و ايضاحا بخصوص وجود الفساد و منابع الخراب في الإيالة.

لكنّ الكتاب لا يقتصر في بحثه عن رموز التحديث و أفكارهم فحسب، بل يتابع كذلك ما أفرزته هذه المحاولات التحديثية، و أهمّها دستور 1861، أوّل دستور في العالم الإسلامي. كما يستعرض بعض أنشطة المجلس الأكبر (البرلمان) و بعض القوانين و الاجراءات التي كان لها تأثير كبير على المسار التاريخيّ لتونس، و الذي عجّل بها إلى أحضان الحماية الفرنسية سنة 1881. و هذا المبحث هو أهمّ ما في الكتاب تقريبا، حيث يقدّم عصارة التجربة التحديثية الأولى و إلى ما أفرزت. لقد كان اهتمام الطبقة التحديثية منحصرا في الاصلاحات السياسية، و لقد كانت تونس رائدة في هذا المجال، لكنّها (طبقة المصلحين) بحكم انتماءاتها الطبقية، لم تستوعب تماما أهمية الاصلاحات الاقتصادية، و تعاملت مع الواقع الاقتصادي بعقليّة بورجوازية أقرب للإقطاعية منها للرأسمالية. لقد كانت الطبقة السياسية و الثقافية في تونس ـ و لا تزال ـ تعاني دوما من تخلّفها عن مثيلاتها في العالم المتقدّم و هو ما يجعل من نتاج عملهم، دولة متثاقلة الخطى، متعثرة، قد تسقط مع أيّة أزمة.

أعتبر أن الهادي التيمومي و إن أحاط بخلفيات هذه الرموز الفكرية و الثقافية، فقد كان أحيانا مشطّا في قسوته على تلك الرموز، و طالبها بما ليس في طاقتها. فأحمد باي سليل البايات و نتاج التربية الملكية الموبوءة بالسلطوية و التراث العقيم (و ليس كل التراث عقيما)، لا يمكن أن نحمّل ثقافته أكثر ممّا تحتمل، و يمكن أن نعتبره ثوريّا لما توصّل إليه من قناعة بقيم الحرّيّة و العدالة، حتى و إن كان فهمه للحضارة الغربية فهما سطحيا كما يذكر المؤرخ. أما خير الدين، فهو مطالب عند المؤرخ بالاطلاع على الحضارة الألمانية و أفكارها الثورية التي كانت الرائدة في تلك الفترة، و هو الذي اطلع على الفلسفة الفرنسية و الانكليزية. إن ألمانيا في تلك الفترة لم تصبح كيانا قوميا بعد، و لم يكن من السهل على ذلك السياسي القادم من الشرق أن يلتفت إلى حضارة بلد لم يولد بعد. كما أن مشاغله السياسية ما كانت لتسمح له بالتعمق كثيرا في هذه المسائل.
لقد كان خير الدين التونسي و لا يزال أبرز مصلح عرفته البلاد التونسية، إنه ذلك الرجل الذي لا يريد قلب الأمور رأسا على عقب، و يريد انتهاج مبدإ التغيير التدريجي كلما وجد الفرصة مناسبة لذلك، و رغم فشل التجربة الأولى و ابتعاده قبيل انتفاضة 64 فإنه لم يتردّد في العودة إلى الأحداث مع الكوميسيون المالي، كما أنه صرّح بعد خروجه شبه مهان من السلطة سنة 77 أنه لن يتردد في العودة للمساعدة إذا ما سنحت له الفرصة بذلك.

أخيرا من أهمّ ما يمكنني ملاحظته خلال هذه القراءة الممتعة عن تجربة التحديث في تونس، دور التعليم فيها. فالرعيل الأول من المصلحين و على رأسهم أحمد باي تلقى تعليما تقليديا بعيدا عن معارف العصر، و ما جادت به أوروبا من فلسفات ثورية. لذلك كانت قراءتهم للحداثة سطحية تتعلق أكثر بالمظاهر (الجيش النظامي هو جيش يجيد الاستعراض العسكري لا غير، الثورة الصناعية هي فبريكة تصنع شيئا ما بغض النظر عن توفر اليد العاملة الماهرة، أو العقلية المتعودة على الفكر الصناعيّ، أو الواقع الفلاحي المسيطر على البلاد) لكن هذه الرؤية السطحية، قدّمت لتونس المدرسة الحربية بباردو، و رغم أنها مدرسة ضباط لا تخرج عن سياق المظهراتية التي شغل بها أحمد باي، إلا أنها بفضل برامجها التعليمية التي أرساها مستشرقون، و بعض الحداثيين التونسيين، تمكنت من اخراج رعيل ثان من الحداثيين ذوي ثقافة مزدوجة تجمع بين الروح الشرقية التونسية، و بين روح الانفتاح على مفاتيح الحضارة الغربية، و خصوصا اللغة الفرنسية، فظهر خير الدين و الجنرال رستم و الجنرال حسين خصوصا، و هؤلاء قدموا رؤية أكثر فهما لجوهر الحداثة و أكثر تمكنا من ميكانزماتها. و قد أرسى هؤلاء قبيل رحيلهم أيضا، المدرسة الصادقية و التي مثلت نقلة جديدة في التعليم التونسيّ، حيث سمحت هذه المدرسة بخلق جيل ثالث من المصلحين الذين كانوا أكثر فعاليّة من المجاهدين المسلّحين في مقاومة الاستعمار، بل كانوا أيضا لبنة الدولة التونسية الحديثة سنة 1956.
إن التأمل في هذه الصورة التطوّرية مهمّة جدا لواقعنا اليوم، فالتاريخ يقول : يخلق الرجل مدرسة لتخلق رجلا أكثر حكمة، ليخلق مدرسة أكثر نجاعة لتخلق رجلا أكثر حكمة بدوره و هكذا تستمرّ عجلة التطوير إلى ما لا نهاية. فهل ينطبق هذا الأمر على مدرسة اليوم؟ ربما بشكل معكوس للأسف.

الكتاب عودة إلى التجربة التحديثية في بداياتها، لكنّه أيضا عودة للتأمل في المحاولة الجديدة بعد الثورة لخلق نسخة أخرى من حداثة القرن التاسع عشر. ألسنا في النهاية، نحاول إعادة إحياء التجربة بنفس الأدوات و الوسائل و الأخطاء و النقائص؟


Sunday, October 11, 2015

برتقالةٌ مُمَكْنَنَةٌ... مثل آلكس

يبدو أن العالم العربيّ في عجزه عن الفصل بين الفنّيّ و الأخلاقيّ، بين الاستيتيقا و الإيتيقا، ليس متفرّدا، و لا يختلف عن العالم الغربيّ إلا في حجم هذا العجز و مدى تأثيره على غربال النقد الفنّيّ. و من المؤكد أن العالم الغربيّ قطع أشواطا منذ قرون عديدة في هذا المجال، إلا أنّ ردود الفعل الشعبية تجاه بعض الأعمال الفنية كثيرا ما تثبت أن الطريق لا يزال طويلا، و أنّ سوء الفهم النابع عن قراءة أخلاقوية للفنّ لا يزال ممارسة كثيفة هناك.

لقد كان هجوم الناقد السينمائيّ الشهير روجر ايبرت على فيلم المخرج الأمريكيّ ستانلي كيوبرك (برتقالةٌ مُمَكْنَنَةٌ) أحد الأمثلة الشهيرة لسوء الفهم المذكور، كما هاجم الصحفيٌّ بنيويورك تايمز "فريد هيشنغر" الفيلم معتبرا إياه احتفاءً بالفاشيّة، حتّى إن كيوبرك المعروف بصمته فيما يتعلّق بأعماله السينمائية لم يجد مناصا من الإجابة. و ربما لم يتحدّث كيوبرك عن عمل من أعماله بقدر حديثه عن هذا الفيلم، كما لم يحدث لفيلم من أفلامه (و جميعا مثير للجدل) أن حظي بالجدل و اللغط الذي أثاره "برتقالة ممكننة". فقد تلقى المخرج رسائل تهديد بالقتل بعد عرض الفيلم، ما اضطرّه لمنع عرض الفيلم في بريطانيا (حيث كان يعيش آنذاك) و ذلك حتى وفاته، و هو ما حدث بالفعل، فأعيد عرض الفيلم في بريطانيا سنة 2000 بعد وفاة المخرج الأمريكيّ بسنة واحدة.


يقول ايبرت في بداية مراجعته التي كتبها سنة 1972 : برتقالةٌ ممكننةٌ هي مجرّد تهافت إيديولوجيّ، أو فانتازيا هوسيّة يمينيّة مجنونة تتخفّى وراء قناع التحذير الأورويليّ (نسبة إلى جورج أورويل و كتابه 1984). فهل كان محقّا في ذلك؟ و إن كان الأمر صحيحا، هل يمكن الحكم على عمل فنّيّ بالسوء أو الجودة انطلاقا من مواقفنا الأخلاقية منه؟


أخرج ستانلي كيوبرك فيلم برتقالة ممكننة (A Clockwork Orange) سنة 1971 حيث عرض في نيويورك لأول مرة، قبل أن يعرض في لندن بشهر، و ذلك سنة 1972. و هو أول فيلم ينجزه بعد تحفته الخالدة عن أوديسا الفضاء سنة 1968. و هو أيضا أكثر أعمال هذا المخرج إخلاصا للكتاب الأصليّ الذي اعتمد عليه. حيث اشتهر كيوبرك بعلاقته المتوتّرة مع الكتّاب الذين أخرج لهم أو تعامل معهم (آرثر كلارك في أوديسا الفضاء 2001، بيتر جورج في الدكتور سترانجلوف، و نابوكوف في فيلم لوليتا). و لذلك كان الكاتب البريطانيّ أنطوني بورجس Anthony Burgess متخوّفا من عرض كيوبرك لإخراج روايته. لكنّه في النهاية كان راضيا، رغم أن الفيلم لم يلتزم تمام الالتزام بالرواية، و كانت لكيوبرك بصمته الخاصة التي ربما جعلت الفيلم و في مرة من المرات النادرة جدا، أكثر ثقلا من الرواية الأصلية…


و لمن لا يعرف الفيلم و لا الرواية، يمكن اختزالها في ما يلي : آلكس مراهق مجرم منحرف يتلقّى علاجا خاصّا لإرغامه على نبذ العنف و الإجرام. و هو اختزال يذهب بالكثير من جمال الرواية القائم أساسا على لغة nadsat التي ابتكرها الكاتب و آلاف التفاصيل التي عبق بها الفيلم ليتجاوز بها فكرة الرواية الرئيسية. حيث حاول بورجس و من بعده كيوبرك أن يبرزا قيمة الاختيار كميزة بشريّة سامية، "البرّ هو ما يكون اختيارا. حين يعجز المرء عن الاختيار، لا يظلُّ إنسانا". لقد كان اختيار الكاتب لشخصية المجرم المفرط في العنف المجاني مهمّة لتبيين ذلك، لأن المسألة لو تعلّقت بشخص "طيّب" لن تثير جدلا بشأنها، لكن ماذا عن مجرم مفرط في عدوانيّته؟ أليس من الجميل ايقاف كل ذلك و إعادته إلى الجادّة و لو رغما عنه؟ أليس رومانسيّا هذا المشهد الذي يكون فيه الناس جميعا طيّبون و لو لم يشاؤوا ذلك؟ هنا تحديدا تكمن روعة الطرح، و هنا أيضا بدأت مشاكل كيوبرك مع منتقديه.
لقد قرّر كيوبرك أن الوسيلة الأفضل لتبيين هذه الفكرة، هي التركيز على الجانب "الشيطانيّ" في شخصيّة آلكس، و إرغام المشاهد على متابعة جرائمه المجانية : اعتدى و رفاقه على مشرّد عجوز، ثم اقتحم منزل كاتب ليتسلّى بضربه و اغتصاب زوجته أمامه، ثم اعتدى على رفيقيه، ثم اقتحم منزل امرأة و قتلها بتمثال اباحيّ. من الطبيعيّ على أيّ مشاهد "سويّ" أن يوافق على اعتبار آلكس شخصا خطيرا يجب إيقافه. هنا تبرز الفكرة التي يعدّها لنا الرجلان : إن الإيقاف لن يغيّر من الأمر شيئا (هذه الفكرة تظهر خصوصا في الرواية حيث يقتل آلكس أحد المساجين) و سيظلّ محافظا على طبيعته العدوانيّ، فماذا لو استعملنا تقنية حديثة تجعل المرء غير قادر على ممارسة العنف، بل تجعله يشعر بالغثيان كلما فكّر في ذلك؟ ألا نعتبر بذلك قد حميناه و قدّمنا له العون؟
لم يتوقّف كيوبرك عند هذا الحدّ، بل إنّه عبر اعتماده على نصّ بورجس الرائع، تمكّن من رسم ملامح الشخصية الشرّيرة الأكثر جاذبية في تاريخ السينما. إن آلكس ليس مجرّد مراهق همجيّ، إنه شخصٌ ذكيّ و جذاب، يجيد فنّ اللباقة، و يقدّر الفنّ الأصيل حيث يمثّل عشقه لبيتهوفن و سنفونيّته التاسعة أحد أعمدة الفيلم، و هو بذلك قادر بسهولة على استمالة المشاهد إليه رغم ما يقترفه من جرائم، و يجعل من الحكم على ما حدث له معقّدا و حرجا، و يجعل أيضا من الفيلم مدعاة إلى سوء الفهم.
يجب التوقّف هنا عند آداء الممثل مالكُلم ماكدوول Malcolm McDowell، فهو لم يرشّح لجائزة الأوسكار عبثا رغم كلّ اللغط و السخط و الغضب. كان ماكدوول يبلغ سبعة و عشرين عاما حينما قدّم الدور، و الحقيقة أنه لم يبدُ مراهقا بقدر ما بدا شابّا صغير السنّ، لكنّه كان مستعدّا تماما الاستعداد لآداء أفضل دور في حياته كما صرّح بذلك بعد سنوات عديدة. كيوبرك نفسه صرّح أنه لو لم يجد ماكدوول، لما أنجز الفيلم. لقد كانت مساهمة ماكدوول و لهجته الانكليزيّة المناسبة تماما لمعجم nadsat (و هو خليط من الانكليزية و الروسية و لهجة الكوكني التي يستعملها المنحرفون في انكلترا) كبيرة في التأثير على اليافعين ممّن شاهدوا الفيلم و حاولوا تقليد جرائمه.
بتأثير من كل ذلك، حدث سوء الفهم المعتاد : هذا المخرج يحتفي بالعنف، يحتفي بالاغتصاب، يحتفي بالشرّ ملقيا باللوم على المجتمع. ما أسهل لوم المجتمع على كلّ الرّذائل التي نقترفها! فهل كان كيوبرك يفعل ذلك؟ لأجيب عن السؤال بشكل جيّد، يجب إعادة قراءة الفيلم عبر مختلف المواضيع التي تناولها، أو تسرّب إليها.


1 ـ السلطة و السياسة
قدّم كيوبرك رؤيتين مختلفتين للسلطة، تظهر الرؤية الأولى في علاقة آلكس بطل الفيلم برفاقه أفراد العصابة، حيث يتحدّى Dim و Pete سلطته و يطالبانه بالتشاور في أخذ القرار (ديمقراطية؟) بل تماديا و قرّرا في غفلة منه أنهما بحاجة إلى مال أكثر، و طالباه بالامتثال للأغلبية لأنها الطريقة الجديدة (النظام الجديد؟). كانت إجابة آلكس جذّابة جدا، و جديرة بإسمه (راجع قصّة الإسكندر المقدونيّ مع العقدة الغوردية). كان يفكّر دون توقف، ثمّ اهتدى إلى أن التفكير لا يجدي، و أنّ الحل الوحيد يكون بالاعتماد على حدسه، على فطرته التي تعرف ما ينبغي أن يفعل، هكذا و من دون مقدّمات هاجم آلكس رفيقيه و ألقاهما في الماء محدثا في يد أحدهما جرحا غائرا.
أما الرؤية الثانية، فتظهر من خلال شخصية وزير الداخلية و معارضيه بزعامة الكاتب الذي آوى آلكس. يمارس كلّ من الشقّين لعبته الناعمة من أجل الإطاحة بالآخر : يعتمد الأول على العلماء لتحقيق إنجاز يتغنّى به الرأي العام (تقنية لودوفيكو و تجربتها على آلكس)، و يدعم حظوظ حزبه في الانتخابات، و يحاول المعارضون ضربه بالاعتماد على المَكَنة الإعلامية التي تجيد التلاعب بالرأي العام، و ما كان من وزير الداخلية إلا عكس الهجوم و الاعتماد على نفس السلاح الإعلاميّ لضربهم مجددا في نهاية الفيلم.
يجب الانتباه إلى هذه المقاربة لأنها مهمّة جدا، و لأن المخرج تعمّدها منذ المشهد الأول، حيث تظهر لنا حانة كوروفا للألبان (Korova Milkbar) في شكل هرميّ في قمّتها آلكس و رفاقه، ثمّ نجد يمينا عصابة بيلي بوي Billy Boy النازيّ (بما أنها يمينيّة) و فرقة من الهيبيّين يسارا في إشارة واضحة إلى شقيّ السلطة التقليديّين. الحقيقة أنّ المشهد الأول حافل بالإشارات و غنيّ بالأفكار، لكنّ ما يهمّنا منه، هو الإشارة الواضحة إلى مسألة السلطة. إن آلكس و جماعته يمثّلون السلطة في شكلها العتيق، شكلها الأرستقراطيّ القائم على الغلبة، و القهر، و السيطرة. لا يوجد نفاق و لا توجد مراوغة، بل مواجهة حقيقية سلاحها العنف، و ضحيتها الخاسر. و بنفس الشكل، كانت مواجهة آلكس ضد رفاقه. يجب ملاحظة أمرين هنا : كافّة عصابة آلكس تحمل أسماء قياصرة روس، و لو عدنا إلى المرّات التي سبح خلالها آلكس في رغائب مخيّلته، لوجدناه في كلّ مرّة يعود رومانيّا مهوسا بالعنف و الجنس، إنها تلك الصّورة النيتشيّة "الرومانسية" لروما القويّة في مقابل تلك الصورة المريضة و المختلّة لسلطة الدول الحديثة : حكومة تنسج الحبال للمعارضة، معارضة تنسج الحبال للحكومة، مؤامرات، كذب، دسائس، نفاق، و الجرائم تأخذ طابعا أكثر جديّة. ففي صراع آلكس على السلطة، لم يصب أحد بسوء تقريبا، بل إنه أنقذ فتاة من الاغتصاب على يد عصابة بيلي بوي. أما في صراع وزير الداخلية مع المعارضة، كاد آلكس أن يلقى حتفه، عدا العذاب الجهنميّ الذي تعرّض له. كل ذلك يحدث من خلف لباس أنيق و ابتسامة وديعة، تلك هي الوحشية الناعمة للعصر الحديث!


2 ـ العائلة
لئن كان كيوبرك صريحا في إظهار مسؤولية السلطة في محنة آلكس، و السلطة بصفة عامة في ما آل إليه أمره، فإنّ موقفه من العائلة كان أقل وضوحا بكثير، لكنّ هذا التغافل هو ما يخدم فكرة كيوبرك بالأساس. لقد بدا والدا آلكس، أكثر أهل الأرض وداعة و مسالمة، تأتي أمّه صباحا لتطرق بابه و تعلمه بضرورة ذهابه إلى المدرسة، يعلمها أنه ذاهب مساء لأنه مريض، فتذهب للعمل و قد أرضت ضميرها. إن أي شخص يتوقّف قليلا عند هذا المشهد، يدرك حجم المسؤولية التي يلقيها كيوبرك في وجه الوالدين. غائبان تماما و قد أخذ العمل كلّ وقتيهما كما يقضي النظام الاقتصاديّ العالميّ، تاركين ولدا وحيدا في مواجهة العالم. في غياب الوالدين، يجد آلكس نفسه مع المرشد الاجتماعيّ المسؤول عن حالته، إنه أشبه بالمربّي الذي يذكّر آلكس بواجباته تجاه المدرسة و يحذّره من مغبة الانحراف بسلوكه، أو هذا ما يبدو للمشاهد العاديّ. أما ما يريد كيوبرك أن نراه، فهو بعض التفاصيل المهمة و المحيطة باللقاء : أمه سلّمت المفتاح للمرشد، المحادثة تمت في غرفة نوم الوالدين، آلكس كان شبه عار تقريبا، التصاق المرشد به و ضربه له على خصيتيه، تماثيل النساء من الخلف على شكل ديكور حانة كوروفا للألبان… كلّ ذلك يؤكّد استغلاله الجنسيّ في غياب الوالدين، إن آلكس لم ينشأ عدوانيّا، لقد تكيّف من المهد لذلك!
تخبرنا الصورة أن الوالدين يدفعان ثمن أفعال ابنهما، لكن الحقيقة عكس ذلك، و عندما يعود آلكس من معتقله الرهيب، يجد والديه قد تخلّصا من كل أغراضه لتسديد ديونه تجاه الضحايا، كأن معزّة ابنهما لا تستحق أن يضحّيا قليلا للاحتفاظ بشيء ما منه، وحشيتهما الناعمة، ذهبت بالأفعى في حادث اصطدام عفويّ، تماما كحادث الاصطدام الذي فسّر به آلكس قتله للسيدة التي تعيش مع القطط. و بنفس الوحشية، أخبراه عن استحالة استقباله عندهما، لأنهما لا يقدران على إخراج المستأجر الجديد الذي أخذ مكانه في البيت. قالا ذلك و سكبا الدموع كأنّهما الضحية. و هو ما لعب عليه كيوبرك : الظاهر و الباطن.
3 ـ الدين
هذا الباب هو الأكثر غموضا و إرباكا في الفيلم. لقد كتب أنطوني بورجس روايته بخلفية مسيحيّة واضحة. يكفي أن نعرف أن الرجل استلهم فكرة الرواية انطلاقا ممّا عاشه من أحداث أليمة إثر اعتداء عصابة من المنحرفين على زوجته في منزله تسبب في إجهاضها. لذلك نجد المشهد يتكرر تقريبا في الرواية، حيث يهاجم آلكس بيت كاتب (البيت الذي سماه بورجس عمدا Home) و يقطّع مسودّة روايته المعنونة "برتقالة ممكننة" و يعتدي بالفاحشة على زوجته أمامه. لقد تعامل الكاتب مع ما حصل له بأخلاق مسيحية واضحة تقضي بالعفو و مجابهة الكراهية بالحب و المغفرة، و عوض أن يهاجم الرجلُ آلكس في كتابه، اعتبره ضحية مجتمعه، و استفاد من وحشيته ليدلّ على قيمة حرية الاختيار كما أشرت آنفا. كما نجد في الرواية قسّ السجن كصوت وحيد للحكمة و للإنسانية، و هو الذي اعترض على تعريض آلكس للتجربة الرهيبة. إن حق الإنسان في الاختيار هي فكرة دينيّة جوهرية، فهل حافظ كيوبرك على نفس التمشي؟
المؤكد أن القسّ ظل بالفعل صوتا للعقل و الحكمة، و هو الذي استمع إلى آلكس و حاول مساعدته، و لكن وراء القسّ توجد المسيحيّة كما صوّرها كيوبرك، و هي ليست صورة لطيفة بالمرّة. لقد سخر كيوبرك من جلسة الوعظ، و جعل القسّ يبدو في موقف هزليّ مثير للسخرية و لم تبد كلماته ذات تأثير يذكر. كما بدا من خلال النشيد الذي ردّده المساجين في نهاية الجلسة، دور الدين الرئيسيّ في "التحكم" في الشعوب و "تأطيرهم" بما يوافق إرادة أعلى من إرادتهم. "لم أكن أحبّ ضعاف الحال، لم أكن أحب صوت رعاتي، لم أكن أحب أن يتحكموا بي…" هكذا يقول النشيد، و هكذا يجب أن يغنيه المساجين تحت إرغام مأمور السجن ذي الشارب الهتلريّ. و يجب التذكير هنا أن النشيد تغيّر في الفيلم و لم يكن ذاك الذي أشار إليه بورجس في الرواية. و لكنّ كيوبرك يذهب إلى أبعد من ذلك.
في المشهد الموالي، نجد آلكس يقرأ "الكتاب الكبير"  بنهم. ماذا حدث له؟ هل تعرّف على خطاياه؟ على العكس تماما، لقد تعرّف ربما على خطايا المسيحيّة كما نظر إليها كيوبرك. آلكس، يستمتع بلحظات الوحشية التي يحدثّنا عنها الكتاب المقدس، يجد أن الكتاب يناسب رغباته الساديّة تماما، إن آلكس لا يتمنى أن يكون المسيح المخلّص، بل يريد أن يكون الرومانيّ الجلاد. أليس هذا الرومانيّ جزءا من خلاص المسيح؟
لقد ظهر المسيح أكثر من مرة في الفيلم، و بصورة مريعة ربما، فهو إما رازخ تحت سياط الجلاد الرومانيّ، و إما يرقص مصلوبا على أنغام موسيقى بيتهوفن. إن كيوبرك يعتبر الثقافة الرومانيّة المسيحيّة التي قامت عليها الحضارة الأوروبية، ترتكز إلى حدّ ما على الانتشاء بعذابات المسيح. و هو ما يبدو أن المخرج يعتبره انحرافا في حدّ ذاته لا يمكن أن يُصلِح مجتمعا.
لقد أبدى كيوبرك اِعجابه بشخصية القسّ و اعتبره صوت النزاهة و الإنسانية في الفيلم، لكنّه مع ذلك لم ينزّه مؤسسة الكنيسة تماما، و اعتبرها جزءا من النظام، إنها أداة أخرى من أدوات القمع و سلب الحريّة و إن ادّعت حقّ الإنسان في الحريّة كما أراد لها كاتبها.

4 ـ العلم :
يقدّم الفيلم دائما على أنه فيلم خيال علميّ، و الحقيقة أنه عدا طابعه المستقبلي (على مستوى الديكور خصوصا و بعض الأدوات المستعملة) فمن الصعب ربما اعتباره فيلم خيال علميّ، لكنّ تجربة لودوفيكو هي ما يدخل الفيلم في هذا التصنيف. تقوم التجربة على مبدأ بافلوف الشهير المتعلّق بالعلاقة الناشئة بين الفعل و ردّ الفعل. يتلقى آلكس جرعات من مادة تسبّب له وهنا و شعورا بالغثيان، و يتزامن هذا الشعور مع مشاهد العنف و الجنس التي يُرغم على مشاهدتها (في مشهد سينمائيّ خالد) ما يجعله يربط بصورة لا واعية بين العنف و الشعور بالغثيان. الحقيقة أن كيوبرك لا يبدو شديد الاقتناع بنجاعة التقنية كما سنرى لاحقا، لكنّ التقنية تقدّم مساحة مهمّة لتناول العلاقة الشائكة بين الدين و الأخلاق.
يظهر العلماء و الدكاترة في قالب شيطانيّ بارد، و بعبارة استباقية : في قالب ميكانيكيّ. كلّ همّهم إرضاء الحاكم، و إنجاح تجاربهم دون طرح التساؤل الإيتيقيّ اللازم. و حتّى خطابهم التبريريّ لآلكس، كان دوما يأخذ شكلا ميكانيكيّا شأن من يكرّر ما تلقاه. كيوبرك يدخل العلماء في دائرة الاتهام، فهم المسؤولون عن آلات الحرب التي يشاهدها آلكس، و هم المسؤولون عن صنع أدوات العنف عموما. رغم ذلك فهم يبدون متأنقين، أصحاب علم و هيبة، و يفعلون ما يحمي المجتمع. إنها ثنائية الظاهر و الباطن التي يبنيها كيوبرك رويدا رويدا.

5 ـ الإعلام:
يظهر الإعلام أساسا من خلال الصحف، حيث تظهر لنا كوسيلة إخبار في ظاهرها، و كوسيلة تلاعب و تحكم بالرأي العام في باطنها. لقد أخبرت الجريدة عن آلكس، و فعرف أبواه جرائمه و صدّقا ما قيل فيها، و قرّرا قطع علاقتهما به بكل وحشية (رغم الدموع التي أبدياها)، فالإعلام قادر على التفريق بين الولد و أمّه. و الإعلام، هو أيضا من أخبر الكاتب بقصّة آلكس الذي وجده أمام منزله، و أوحى له باستغلاله سياسيّا. و الإعلام هو الذي أخبر العجوز المشرّد و الشرطيّين (صديقاه السابقين) عن حالته التي تجعله غير قادر على الدفاع عن نفسه، ما سمح لهم بالاعتداء عليه. و بعبارة أخرى فالإعلام في مرحلة أولى كان وراء محنته. لكنّ الإعلام أيضا، هو الذي أعاد إليه أبويه بعدما عرفا ما حدث له من مآس، و هو أيضا ما كاد يذهب بمستقبل الوزير السياسيّ، و ما أعاده للأضواء في ما بعد. إن الإعلام هو السلاح الشيطانيّ في النظام العالميّ الجديد، حيث يمكنك أن تحطّم شخصا من دون أن تمتدّ يدك إليه. إن كيوبرك ينبّه إلى هذا الأمر، و يشدّد إلى أنه عنف يفوق شيطانية و وحشية بمراحل ما كان يفعله آلكس من عنف بدائيّ.


6 ـ الجنس:
يظهر لنا الجنس من خلال آلكس، فجّا، لا إنسانيّا، أقرب إلى العنف منه إلى الجنس. لكنّ يبدو أن كيوبرك مرة أخرى يعتمد على الظاهر و الباطن ليثبت لنا أنّنا لا نقيّم الأشياء بصورة دقيقة. يصوّر الفيلمُ آلكس فتى منتشيا بفحولته، من خلال كؤوس الحليب المزيدة، و من خلال مشهد المضاجعة مع فتاتين، حيث صوّره كيوبرك بطريقة ساخرة على أنغام افتتاحية وليم تلّ الشهيرة. فهل كان بذلك منحرفا جنسيا؟ كلاّ، لكنّه أقدم على اغتصاب زوجة الكاتب ( و أنقذ فتاة من الاغتصاب على أيدي عصابة بيلي بوي) و هي النقطة التي ستعود بنا إلى ما خفيَ من علاقة آلكس بالجنس.
لقد أشرنا إلى مشهد المرشد و آلكس في غرفة نوم أبويه، و ما يعنيه ذلك من تعرّضه للتحرش و ربّما الاغتصاب صغيرا، لكنّ التحرّش بآلكس لم يقف عند هذا الحدّ. ففي السنّ كان عرضة للتحرّش، و لئن أشار أنطوني بورجس في الرواية إلى ذلك صراحة، فإنّ كيوبرك صوّر ذلك بطريقة ذكية، حيث نرى في مشهد الجلسة الوعظية، أحد المساجين الذين يرسلون القبل لآلكس، قبل أن نجده واقفا خلف آلكس في ساحة السجن حينما قدم وزير الداخلية.
كما نجد إشارات خفية في منزل صاحبة القطط، تشير إلى بشكل أو آخر إلى أمّه. إن علاقة آلكس بأمه لا تبدو على ما يرام. لا ننسى أنها من أعطى المرشد مفتاح الشقة ليلتقي بآلكس في غرفة نومها. تلبس سيّدة القطط باروكة حمراء شبيهة بتلك التي تلبسها أمّ آلكس، و تضع في كامل الغرفة لوحات إباحية صارخة (سنعود إلى اللوحات حينما نتحدث عن الفنّ) إحداها تشير إلى امرأة شقراء في وضع مثير، عارية إلا من حذاء أحمر و  تسحق رجلا يلبس الأبيض على سقف الحجرة، سنجد فيما بعد أمّ آلكس بذات الحذاء الأحمر و الشعر الأشقر، تبكي في حرقة بعدما عاد ابنها من السجن ليزيد من عذاباتها. و حينما ضرب آلكس تلك سيدة القطط بالتمثال الضخم، تفادى كيوبرك صورة الارتطام البشعة، بمشهد اللوحة التشكيلية التي تمثل أفواها نسائية. مرّة أخرى، يذكّرنا هذا بالفم الصناعيّ المغرق في كأس من الماء في حجرة نوم آلكس. لا أحد يشكّك في هوية صاحب الفم، كما لا أحد يشكّ في ما يعنيه أن يرتشف المرشد من ذلك الكأس في استمتاع.
لقد صوّر كيوبرك عبر الجريمة، انتقامه من أمّه، لكنّه أيضا لم يبرّر له فعله. إن ما أراده كيوبرك مثلما فعل في كامل أطوار الفيلم هو التنبيه إلى أن الظاهر الذي يجب أن يدان، لا يجب أن يغفلنا عن الباطن الأكثر وحشية و الأكثر انحرافا و ان اتّخذ شكلا ناعما. يهاجم المخرج من خلال علاقة آلكس بالجنس، الرؤية الجنسية المنحرفة لهذا العالم الجديد. و ربّما لو ذهبنا أكثر، لقلنا إنّه أيضا يهاجم النسويّة أو يسخر منها في شخص سيدة القطط. فنحن نعلم رمزية القطط، مثلما نعلم دعوة الحركات النسوية للمساواة الجنسية (اللوحات التشكيلية في منزلها)، كما يمكن استنتاج ذلك من خلال تماثيل اللبؤات في خلفية المنزل، و التي يمكن أن تمثّل ليليث الشهيرة.



7 ـ الفن:
الحديث عن تصوّر كيوبرك للفن من خلال هذا الفيلم، مسألة شائكة حقا. إن أحد الأعمدة الفقرية للقصة، هي حبّ آلكس لموسيقى بيتهوفن. في الرواية نجد آلكس متيّما بالموسيقى الكلاسيكيّة في عمومها، و ما ينتج عن ذلك من لفظ للموسيقى الحديثة. لكن يبدو أن كيوبرك لا يذهب هذا المذهب كثيرا. فهو بشكل أو بآخر يحتفي بالموسيقى الحديثة، من خلال مزج الموسيقى الكلاسيكيّة بالموسيقى الالكترونية مثلما ظهر في موسيقى الافتتاح (جنازة الملكة ماري). في الآن نفسه، قد يكون في مشهد مغازلة الفتاتين في متجر بيع الأشرطة الموسيقيّة إشارة إلى احتقار كيوبرك إلى الذوق الفنيّ العام. إن هذا العالم صار يفتقر إلى الذوق، نلحظ هنا تقنية التوازي التي حدثت بين تمتّع الفتاتين بمثلجات ذات شكل قضيبيّ و ذوقهما الموسيقيّ الفج الذي قد يمثّله المتجر، في مقابل توازي  تمتّعهما بمضاجعة آلكس و الاستمتاع بموسيقى بيتهوفن. هناك أيضا تناقض بين لباس الفتاتين الهيبيّ و لباس آلكس ذي الطابع الباروكي القديم. يمثل آلكس الفنّ القديم الأصيل، في مقابل عالم يفتقر إلى الذوق، في مقابل فنّ مفرغ تماما.
تظهر قيمة الفنّ في الفيلم، كفضيلة لا تقبل النقاش، اعتمد عليها الكاتب و المخرج لإرباك القارئ/المشاهد بشأن الحكم على ما حدث لآلكس. لم يخسر آلكس ملكة السمع، أو القدرة على المشي، حيث يمكن أن يعتبرها المتلقّي نوعا من العقاب العادل، لكنّه خسر حقّه في التمتّع بالفنّ، خسر أصالته. يدفعنا ذلك إلى التفكير في علاقة "الشرّ" بالفنّ. فهل الفنّ نتاج الخير فحسب؟ هل يمكن أن ننتج فنّا من دون شرّ؟ ألا يعدّ الشر حينئذ ضروريا؟ و هل نحن مستعدون لخسران الفنّ من أجل القضاء على الشرّ فينا؟ لقد قال الدكتور برانون الشيء نفسه حينما أدرك خسارة آلكس : إنه العقاب الذي يجب أن يناله. و لكم بدا شيطانيّا في قوله ذاك.
إن العلاقة التي أرساها كيوبرك من خلال الأفلام القصيرة التي مرت أمام أعين آلكس المكبّلة بين النازيّة و بيتهوفن مهمّة جدا. ففيها إشارة واضحة إلى ألمانيا التي أنتجت كلي الطرفين. بل إن هتلر نفسه كان من أشد المغرمين بالموسيقى. فهل يمكننا الفصل بين عناصر خليط متجانس مثل الطبيعة البشرية؟


في مشهد آخر، يبرز كيوبرك هذا الصراع بين الفنّ الكلاسيكيّ و الفن المعاصر، حيث كان آلكس يهزأ من تمثال القضيب الذكريّ المنتصب في منزل سيّدة القطط، بينما بادرت هي بالهجوم عليه باستعمال تمثال بيتهوفن. لقد كانت الجريمة تتعلق أساسا بقتل الفنّ المعاصر!
 
يبدو أن كيوبرك يعتبر الفنّ الحديث شريكا في جريمة تكييف الإنسان وفق النظام الجديد، و لو توغّلنا في هذه الفكرة، لوجدنا أن السينما كانت من بين الأدوات التي استعملت لهذا الغرض. لا ننسى أن تقنية لودوفيكو تقوم أساسا على الصورة. و لقد علّق آلكس (حتى في الكتاب) على تأثير الصورة بشكل بليغ جدا : "لقد كان الفيلم الأول قطعة سينمائية رائعة كتلك التي تصنعها هوليود، كانت الأصوات مريعة حتّى كأنك تحسبها حقيقية… كم هو طريف أن تكتشف أن لون الدماء لا يغدو حقيقيا إلا حين تراه على الشاشة"!
و مع معرفتنا لعلاقة كيوبرك بأستوديوهات هوليود، يمكن أن يتوضّح لنا تحذيره المقنّع. لكنّ المثير للسخرية، أن فيلمه الذي يحذّر فيه من التأثير السلبيّ للسينما، تسبّب في حدوث الجرائم. حيث سجلت بريطانيا حالة اغتصاب أقدم عليها مراهق مقنّع في زيّ أبيض و لا ينفكّ يغنّي مثل آلكس (الغناء تحت المطر)، كما اقتحم بعض المنحرفين منزلا لنهبه مستعملين ذات الأقنعة التي استعملها آلكس.
فهل كان كيوبرك مساهما في هذه الجرائم أم محذّرا منها بعد فوات الأوان؟



يقول كيوبرك إن الإنسان العدوانيّ، لا يحتاج إلى مؤثرات خارجية ليفعل ذلك، و إنه لا يؤمن بتأثير تلك العوامل عليه، أي بعبارة أخرى، يدين آلكس بوصفه المسؤول الأول عن جرائمه، و لكنّ ذلك يتعارض مع ما تضمّنه الفيلم من إدانة للسياق الذي صنع آلكس.


إن إشارات كيوبرك واضحة بخصوص ذلك، و لا يمكن التغافل عنها، حتّى أولئك الذين سخطوا على الفيلم، لم يسيئوا تأويلها بقدر ما أساؤوا فهمها. الموازاة واضحة تماما بخصوص ضحايا آلكس الذين تحوّلوا بعد أن صار عاجزا، إلى معتدين. فقد اعتدى عليه المتسوّل الذي ضربه في بادئ الفيلم، و لم يخلّصه إلا صديقاه اللّذين أصبحا شرطيّين. إنهما ديم و جورجي اللذين اعتدى عليهما بإلقائهما في الماء، و قد حانت لحظة انتقامهما. أغرقاه في مشهد لا ينسى و أشبعاه ضربا. يجد نفسه تحت رحمة الكاتب المقعد الذي اعتدى عليه سابقا. الكاتب أيضا يمارس انتقامه الفظيع.
هذه الصورة التناظرية التي حوّلت آلكس من معتدٍ إلى ضحية، يفترض منها أن تفضي إلى استنتاج بسيط : العقاب الإلهي، أو انتقام الأقدار، الذي وضع آلكس أمام ضحاياه. فالترتيب الزمنيّ يفترض أن البادئ أظلم. فما الذي يحملنا على التفكير بشكل معاكس؟ لماذا نفترض أن آلكس لم يكن البادئ؟


الحقيقة أن آلكس ليس ضحية أبدا، و لم يبحث كيوبرك أن يجعله ضحية، بل هو صناعة، إنتاج حضاريّ لزمن البرتقالة الممكننة. و إنّ هذا المجتمع مجبل على العنف، بشكل أو بآخر. لقد كان آلكس ضحيّة ضحاياه حتّى لو لم يحدث اعتداؤه عليهم. فكيف ذلك؟
هناك مشهد لا معنى له تقريبا في الفيلم، مشهد لا يمكن أن يضيف أي شيء لفيلم طوله ساعتان و ربع تقريبا، و هنا أعني مشهد وقوف آلكس عند ضفاف التايمز. حيث نرى آلكس ينظر إلى أعلى في شرود، و في المشهد المقابل، تبدو مياه التايمز تغمر أغلب حلقات أعمدة الجسر الشهير، ثم تعود الصورة إلى آلكس، لنجده بالهيئة نفسها، لكنّه ينظر إلى أسفل، إلى ماذا ينظر؟ تعود الصورة مرة أخرى إلى النهر و تتوغل فيه، لا نلحظ أي شيء يذكر سوى أن حلقات الجسر التي كانت مغمورة قد كشفت، ما يعني نضوب الماء من التايمز. في اللقطة الموالية يظهر المتسوّل و نلحظ من خلفه عودة مستوى المياه إلى حالتها الأولى. ماذا يعنيه هذا؟ و ماذا يريد كيوبرك من وراء هذه اللقطة؟ الحقيقة أنني لم أجد لها سوى معنى واحد : التدليل على طول الفترة الزمنية الفاصلة بين خروجه من السجن، و بداية انتقام ضحاياه. إذ يبدو أن كيوبرك يريد أن يركز على طبيعة الإنسان العدوانية الشريرة التي تأبى أن تنسى أو تضع فكرة الانتقام جانبا. لقد كان آلكس في لقائه الثاني بالمتسوّل مختلفا، و عبر عن روح بارّة بصدقته التي أغدقها على المتسوّل، لكنّ العجوز نسي ذلك تماما إذ تعرّف على آلكس. تجاوزت عدوانيّته الزمن و السياق و أصرّت على الظهور. و هو أيضا ما ظهر في تصّرف صديقيه ديم و جورجي. ألم يحصلا بالفعل على انتقامهما بالتسبب في زجّه بالسجن؟ لكن ربما أخذهما بعين الاعتبار فهما رفيقاه في العنف. فماذا عن الكاتب؟ لقد كان يخطّط لاستغلال الفتى قبل تعرّفه عليه. لقد كان فعلا يريد له الشرّ سواء فعل ما فعل أم لم يفعل. أما والداه فلقد تحدثت بالفعل عن دورهما الرئيسية في صنعه.



إن آلكس هو التمظهر البسيط للعنف الخفيّ الذي يشكل المجتمع، هو الصورة الفجة للشر الكامن في الإنسان الذي هو نحن. آلكس هو ذلك الشكل البدائيّ للاوعي، و ما تقنية لودوفيكو إلا طريقة لتكييفه، لجعله في صورة متحضّرة، إن البرتقالة الممكننة التي يحدّثنا الفيلم عنها، ليست آلكس، بل كل ما حوله، بينما آلكس هو التعبيرة المتمرّدة عليها!
حينما سئل بورجس عن مصدر العنوان، أكد أن العبارة معروفة في لهجة الslang الدارجة عند المنحرفين و الصعاليك في انكلترا. لكن اللغويين يؤكدون على عدم وجود العبارة، و ما يفيد معنى الكائن الحيّ الذي يتصرّف بطريقة ميكانيكية، هو عبارة الثمرة الممكننة. فلماذا استعمل الكاتب كلمة برتقالة؟ يقول بعض الباحثين، إن الكاتب بحكم عمله في القوات البريطانية بماليزية، يعرف كلمة Orang الماليزية و التي تعني إنسان. و هذا يعني أن البرتقالة الممكننة في حقيقة الأمر إحالة مباشرة على الإنسان الممكنن.
من الدارج في النصوص العربية، و أيضا في بعض اللغات الأخرى مثل الإيطالية و الفرنسية، اعتماد عبارة "البرتقالة الميكانيكية" و هي عبارة لم يستسغها الكاتب لأنها توحي بآلة تأخذ شكل الكائن الحيّ في حين يريد الكاتب عكس ذلك المعنى.
و الإنسان الممكنن المكنّى بالبرتقالة، لم يكن آلكس في الرواية، و هو ما فهمه كيوبرك، فأشار إليه بطريقة ذكية جدا. يجب أن نعود إلى مشاهد كثيرة لملاحظة ذلك : مشهد الدكتورة برانون و هي تحادث آلكس، حيث كانت تلبس ربطة عنق برتقالية. مشهد عودة آلكس إلى منزل أبويه، حيث كان والده يلبس قميصا و ربطة عنق برتقاليين، مشهد العجوز المتسول و هو يسأله صدقة عند نهر التايمز، حيث كان يلبس دثار عنق برتقاليا. مشهد لجوئه إلى منزل الكاتب، حيث كان الكاتب يلبس منامة برتقالية. مشهد والديه و هما يزورانه في المستشفى حيث تبلس أمه معطفا برتقاليا داكنا. مشهد الطبيبة النفسانية الدكتورة تايلور و هي تتأكد من عودته إلى ما كان عليه، حيث تلبس فستانا يطغى على اللون البرتقالي. و أخيرا مشهد وزير الداخلية و هو يطعم آلكس أكاذيبه، كان يرتدي قميصا و ربطة عنق أصفرين يقربان من اللون البرتقالي. و المؤكد أن هذه الأمور لا تحدث في سينما ستانلي كيوبرك بمحض الصدفة. فإدانة كيوبرك لما يسميه بالطريقة الجديدة أو ما نعرفه بالنظام الجديد واضحة، و ما حدث لآلكس بعد خروجه من السجن، حتى وصوله إلى المستشفى و تلقّيه الأكاذيب من وزير الداخلية في مشهد لا ينسى هي تقنية لودوفيكو الحقيقيّة، و ليست تلك التي أجريت عليه في السجن. لقد تمّ تدجين آلكس، و تمّ ترويض حالة العنف فيه، لتنتقل من مستوى الظاهر إلى الباطن، و من التمرّد إلى التنظّم وفق أهواء المجتمع، و هو ما توحي به اللقطة الأخيرة، التي يظهر فيها مضاجعا امرأة وسط تصفيق الحضور.
إن كيوبرك لا يبرّر للعنف، و لكن ينبّه إلى تلك المستويات التي لا نراها منه، و لكنّها تحدث من حولنا كلّ يوم، بل إننا نمارسها بشكل غير واع بسبب نظام عالميّ صارم يحوّل الإنسان إلى برتقالة ممكننة.


برتقالةٌ ممكننة، فيلم مفرط في العنف و الجنس، ليس لغاية الاستمتاع بالعنف و الجنس، و إنما لغاية تعرية اللاوعي البشريّ الذي يجد متعة في العنف بقدر ما يجدها في الجنس. و لغاية تعرية عناصر النظام العالمي الجديد كما يراه ستانلي كيوبرك، مفرغا من الجمال، ممعنا في الوحشية، حتى و إن تظاهر بغير ذلك. قد نختلف مع كيوبرك و قد نتبنّى موقفه. لكننا على أية حال، لا يمكن أن ننكر الزخم الابداعيّ الذي يمثّله هذا الفيلم. و لا يمكن أن ننكر الجانب الجماليّ الهائل في المبنى و في المعنى. و رغم كون مشاهده العديدة مثقلّة بالإشارات و الأفكار فإنّ ذلك لا يضيّق على المشاهد بقدر ما يصنع له فضاء رحبا للخيال، و كذلك الفنّ الرفيع.
There was an error in this gadget

Translate